[ص ٤٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فصل
اعلم أن الرجل قد يكون محتكرًا لواحدٍ من الستة فقط، وقد يكون محتكرًا للذهب والفضة معًا، وقد يكون محتكرًا للأربعة الباقية، أو ثلاثة منها، أو اثنين، ويبعد أن يجمع بين احتكار الذهب أو الفضة أو كليهما، وبين احتكار الأربعة الأخرى أو بعضِها.
فإذا كان أحد العوضين ذهبًا أو فضة، والأخر واحدًا من الأربعة، فليس في هذا ما يدل على الاحتكار أصلًا، فإن اتفق الاحتكار فقد انتقض بهذا العقد، والمقصود من التضييق هو نقض الاحتكار، وقد انتقض.
وأما بيع الذهب بالفضة، وواحدٍ من الأربعة الباقية بآخرَ منها، فإن كان يدًا بيدٍ فالظاهر عدم الاحتكار؛ لأننا إذا فرضنا أن أحدهما محتكر للذهب، والآخر محتكر للفضة، فقد انتقض احتكارهما.
وإن فرضنا أن كلًّا منهما محتكر للذهب والفضة معًا، فمحتكر الذهب والفضة معًا يبعد أن يبيع ذهبًا بفضة أو فضةً بذهب، إلا إذا حصل له ربح وافر، هذا شأن المحتكر، والربح الوافر لا يحصل عادةً في التبايع يدًا بيد. وقِسْ عليه أحد الأربعة الباقية بآخرَ منها يدًا بيد.
وإن كان نسيئةً فاحتمال الاحتكار أقوى؛ لأن النسيئة يَصحبُها عادةً الربحُ الوافر، فمحتكر الذهب والفضة يرضى أن يدفع دينارًا صَرْفُه في السوق خمسة عشر درهمًا بعشرين درهمًا إلى أجل، أو يدفع عشرة دراهم بدينارٍ إلى أجل، وقد يرضى أن يأخذ دينارًا نقدًا ليدفع عشرين درهمًا بعد مدةٍ، أو
[ ١٨ / ٣٨٥ ]
يأخذ عشرة دراهم ليدفع دينارًا بعد مدة؛ لأنه يعدُّ الأجلَ ربحًا؛ لرجائه أنه إذا أخذ الدينار ليدفع عشرين درهمًا بعد ستة أشهر، يجد من يأخذ منه الدينار بعشرين درهمًا إلى أربعة أشهر، وإذا أخذ عشرة دراهم بدينار إلى ستة أشهر يجد من يأخذها منه بدينار إلى أربعة أشهر. وقِسْ على ذلك أحد الأربعة بآخر منها.
فإن اتفق أن يكون متبايعا الذهب بالفضة وأحدُهما مؤجل، غير محتكرينِ للذهب والفضة، ولا قصد أحدهما ربحًا من جهة الزيادة، ولا من جهة الأجل، فهذه جزئيات خاصة، لا تمنع عموم الحكم كما قررناه في أول الرسالة، ومثَّلناه بحدِّ الزنا.
[ص ٤٦] وأما بيع أحد الستة بجنسه فاحتمال الاحتكار أقوى، فالمتبايعان ذهبًا بذهبٍ قد ظهر حرصُ كلٍّ منهما على جنس الذهب، إذ لم يدفع ذهبه إلا بذهبٍ مثله.
لكنه إذا كان يدًا بيد، فإن كانا متماثلين من كل وجه، كدينار بدينار مثله، فهذا ليس من مقاصد العقلاء، وإنما أباحه الشارع؛ لأنه لا ضرر فيه، ولو منعه لم يلزم من ذلك تضييق عليهما، ولا على أحدهما.
فإن قيل: قد يتفق القصد والتضييق، كأن يقول رجل: امرأتي طالق إن لم أُخرِج هذا الدينار من ملكي اليوم، فله غرض في إخراجه من ملكه،، فإذا أُبيح له أن يبدله بدينار آخر حصل غرضُه، ولو مُنِع منه لاضطر أن يصرفه، أو يشتري به عرضًا، أو يهبه مثلًا، فإذا كان محتكرًا كان في المنع تضييقٌ عليه.
قلت: هذه الصورة ومثلُها من النادر الذي لا ينتقض به الحكم العام، كما قررناه في أول الرسالة.
[ ١٨ / ٣٨٦ ]
وإن لم يكونا متماثلين من كل وجه، فإما أن يستويا قدرًا: وزنًا في الذهب والفضة، وكيلًا في الباقي، وإما أن يختلفا.
فإذا استويا قدرًا، فالغالب أن يكون أحدهما أفضل وصفًا: جودةً أو صنعةً، فَرِضا صاحبِ الأفضل بالخسران يدل أنه ليس بمحتكر، إذ من شأن المحتكر الحرصُ على الربحِ وتجنُّبِ الخسارة.
فإن كان في كلٍّ منهما فضلٌ ليس في الآخر، كدينار بخاتم ذهب، في الدينار فضيلة الضرب، وفي الخاتم فضيلة الصنعة، فإن لم تتعادل الفضيلتان، كأن كان قيمة الخاتم لو بيع بدراهم عشرين درهمًا، وصَرْفُ الدينار سبعة عشر درهمًا، أو عكس ذلك، فكالذي قبله.
أما تعادلُهما فنادر، ولا يكاد ينضبط، فلهذا
_________________
(١) والله أعلم أُلحِق بما قبله. وأما إذا كان أحد العوضين مؤجلًا، فإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيد لما صح، فبالأولى أن لا يصح إذا كان نسيئةً، ولو أجيز بعض ذلك نسيئةً لاحتال كلُّ متعاقدينِ يريدانِ أن يتعاقدا بما لا يحل نقدًا، فأخَّرا أحدَ العوضين يومًا أو يومين، حيلةً لتصحيحِ العقد. وإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيدٍ لجاز، فقد قدَّمنا أن الجواز هناك إنما هو لرضا أحدهما بالخسارة، وذلك دليل أنه ليس بمحتكر، فإذا كان نَساءً فيمكن أن يكون محتكرًا، ولكنه جبر النقصان بالأجل، كخاتم ذهبٍ وزنُه دينار، وقيمته في السوق عشرون درهمًا، بِيعَ بدينارٍ مثلِه في الوزن، ولكن صَرْف الدينار في السوق خمسة عشر درهمًا، وأجَّلا الدينار إلى شهرين مثلًا، فكأن صاحب الدينار جبر الخسارةَ بالأجل.
[ ١٨ / ٣٨٧ ]
وقلَّما يتفق أن يكون الأفضل هو المؤجل، فإن اتفق فنادر، يتبع الغالب.
وبالجملة، فالمقصود من هذا الحكم إنما هو التضييق على حابس الذهب والفضة، ومحتكري الأقوات، فضُيِّق عليهم أن لا يتبايعوا الشيء بجنسه إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ولا الشيء منها بما يقاربه إلا يدًا بيد.
فالتبايع بالنسيئة يقل احتياج الناس إليه، بدليل أن وقوعه أقل من وقوع التبايع يدًا بيد، فاقتضى التضييقُ منعَه البتَّةَ؛ لأن الحاجة إليه قليلة.
وأما التبايع يدًا بيد، فاكتفى باشتراط المثلية في القدر إذا اتحد الجنس، وفي ذلك تضييقٌ لا يبلغ أن يضيّق على من اشتدت حاجته، ولم يشترط المثلية فيما اختلف جنسه؛ لشدة الضيق في ذلك أشدّ مما تقتضيه الحكمة. والله أعلم.
[ص ٤٨] واعلم أن تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة كما يدخل في النسيئة تدخل في النقد أيضًا، فمن باع درهمين بدرهم مثل أحدهما، أو دينارين بدينار كذلك، أو صاعَيْ برٍّ بصاعِ برٍّ كذلك، لم يحلَّ، إذ كان المشروع أن يهب صاحب الزائد للآخر درهمًا أو دينارًا أو صاعًا، وتصح الهبة.
فأما إذا [كان] (^١) الدرهم أجود من أحدهما، فأراد صاحب الزائد أن يهبَ للآخر درهمًا، ويبيعه الآخر بدرهمين، فلا يحل؛ لأن الهبة ههنا حيلةٌ لاستحلال البيع المحرم، وقِسْ على ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) ليست في الأصل.
[ ١٨ / ٣٨٨ ]