قد علمتَ دلالة القرآن على تفسير الربا الذي فيه، وأنه على طِبق اللغة، حتى على القول بأن الربا لغةً هو مطلق الزيادة؛ إذ غاية ما هناك أن القرآن حفَّه بقرائن تخص الربا المحرم من مطلق «الربا» بمعنى مطلق الزيادة، وذلك لا يخرجه عن الحقيقة اللغوية. وعلى كل حال فقد تبيَّن بالقرآن نفسه معنى الربا فيه، وذلك المعنى يصدق بالزيادة المشروطة في القرض كما لا يخفى. وعلى هذا فهي ربًا بنص القرآن.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٧ - ٣٩].
اختلف الناس في تفسير الربا في هذه الآية، فجاء عن ابن عباس وجماعة من التابعين وغيرهم تفسيره بالهدية طمعًا في عوضٍ أكثرَ منها (^١)، وعن جماعة تفسيره بإعطاء الرجل قريبَه لغير وجه الله (^٢)، وعن الحسن
_________________
(١) انظر «تفسير الطبري» (١٨/ ٥٠٣ - ٥٠٥).
(٢) المصدر نفسه (١٨/ ٥٠٦).
[ ١٨ / ٤٠٧ ]
والسدي ــ واختاره الجبائي كما في «روح المعاني» (^١) ــ أنه الزيادة المعروفة في المعاملة التي حرَّمها الشارع.
ومن حجة القولين الأولين أن السياق في الإنفاق، فكأنه قسَّم الإنفاق بغير عوض إلى قسمين: قسمٍ يُراد به وجه الله، وقسمٍ بخلافه. وسمَّى الثاني (ربا) تشنيعًا له، وسمَّى الأول (زكاة) ترغيبًا فيه.
وحجة أخرى، وهو أنه قال: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. ولو كان المراد الربا الحرام لكان المناسب فيما يظهر أن يصرِّح بما فيه زجر ووعيد.
ومن حجة القول الثالث: أن المتبادر من الربا هو الربا الحرام، سواءٌ أقلنا إنه حقيقة لغوية أم لا. ويكفي في تبادره أن هذا اللفظ إنما ذكر في القرآن في الربا الحرام، فالأولى إلحاقه في هذا الموضع بسائر المواضع.
وجوابهم عن الحجة الأولى بأن آيات البقرة في الربا الحرام قطعًا، والسياق سياق الإنفاق. وقد تقدمت الآيات وقد تقدم وجه ذلك، وذكرنا نحوه عن الراغب.
ومثل ذلك قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٤].
_________________
(١) (٢١/ ٤٥). وانظر «تفسير القرطبي» (١٤/ ٣٧).
[ ١٨ / ٤٠٨ ]
وعن الثانية بأن الآية من سورة الروم وهي مكية، وتحريم الربا والتشديد فيه إنما كان بالمدينة، فسبيل الربا سبيل الخمر في وقوع تحريمه على التدريج، فاقتُصِر أولًا على قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، ثم نزلت عقب غزوة أحد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، ثم كان النبي - ﵌ - يبين بعض ما يتعلق بالربا على حسب ما يقتضيه الحال. ثم نزلت آيات البقرة.
وفي «البخاري» (^١) وغيره عن ابن عباس أنها آخر آية أُنزلت. وروي كما في «الفتح» (^٢) أنه - ﵌ - لم يَعِشْ بعدها إلا إحدى وعشرين، وقيل: تسع ليال، وقيل: سبعًا.
وفي «البخاري» (^٣) وغيره من حديث عائشة: «لمَّا نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا فقرأها رسول الله - ﵌ - على الناس، ثم حرَّم التجارة في الخمر». وثَمَّ ما يدل على أن تحريم التجارة في الخمر قد كان قبل ذلك، فكأن النبي - ﵌ - إنما أعاده عند نزول آية الربا تنبيهًا على المشابهة بينهما. والله أعلم.
على أنه إن كان الربا في اللغة يشمل الزيادة [ق ١٣] الملتمسة بالهدية، فالأولى أن يقال: إن الربا في آية الروم يعمُّ النوعين. وارجعْ إلى ما تقدَّم في عبارة «اللسان».
_________________
(١) رقم (٤٥٤٤).
(٢) (٨/ ٢٠٥).
(٣) رقم (٤٥٤٠).
[ ١٨ / ٤٠٩ ]
أما ظهور الآية في الزيادة المشروطة في القرض فهذا بيانه:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ ظاهر في أن رأس المال فيه الربا من حين إيتائه، أي إعطائه، فلا يكون الربا هنا هو أن يكون للرجل على آخر دينٌ من وجه حق إلى أجل، فإذا حال الأجل مدَّ له فيه على أن يزيده على رأس المال. فإنه على هذا لم يكن رأسُ المال ربًا حين إعطائه، فتدبر.
وقوله تعالى: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ظاهر في أن المال المعطى نفسه يبقى في مال الآخذ، وهذا لا يصدق على إهداء ثوب على طمع أن يكافأ عليه بأكثر من ثمنه. فأما دينار بدينارين إلى أجل، فالدينار المأخوذ كأنه باقٍ في مال الآخر يربو فيه حتى يصير دينارين.
وقال الله ﷿: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
وفي التوراة الموجودة بأيدي اليهود والنصارى الآن: «لا تُقرِضْ أخاك بربا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرَض بربا. للأجنبي تُقرِض [بربا] (^١)، ولكن لأخيك لا تُقرِض بربا» (سفر التثنية، الإصحاح ٢٣، الفقرة ١٩ (^٢) - ٢٠). وفيها مواضع أخرى مصرحة بأن الربا في القرض، وأن اليهود عصوا وأخذوه من إخوتهم وغيرهم. انظر «دائرة المعارف» للبستاني (^٣) تحت
_________________
(١) زيادة من «العهد القديم».
(٢) في الأصل: «١٦ -» سبق قلم.
(٣) (٨/ ٥١٣).
[ ١٨ / ٤١٠ ]
كلمة «ربا».
وهذا وإن لم يكن حجة لعدم الوثوق بالتوراة التي بأيديهم، ففيه تقوية لِمَا تقدَّم. نبَّهني عليه الفاضل نور محمد أبو الفداء الفاروقي ﵀.
وأما السنة، فأولًا: الأحاديث المطلقة في ذم الربا. وثانيًا: الأحاديث التي فيها «الذهب بالذهب» «الدينار بالدينار» ونحوها بدون ذكر بيع. ومنها حديث أبي هريرة (^١) مرفوعًا: «الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى» (صحيح مسلم ج ٥ ص ٤٥). وحديثه (^٢) مرفوعًا: «الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما».
وشرَّاح الحديث يحملون ذلك على البيع، ولا أرى له وجهًا صحيحًا، ولاسيما في الحديث الثاني، فإن قرض الدينار ليُقضى بدينار لا فضل بينهما أمر معروف مألوف، بخلاف بيع دينار بدينار لا فضل بينهما، فتدبَّر.
ثم رأيت الباجي قد نبَّه في «شرح الموطأ» على ما ظهر لي، قال: «وقوله: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، يقتضي ثلاثة أشياء: المبايعة والمبادلة والقضاء فأما القضاء فقد يكون قضاءً عن سلف وقضاءً عن غير سلف » (المنتقى ج ٤ ص ٢٦٠).
ويمكن أن يُعترض على هذا بأن المستقرض إذا زاد عند الأداء عن طيب نفس لم يكن ذلك ربًا، بل هو مستحب لحديث: «خياركم أحسنكم
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٨٨/ ٨٥).
[ ١٨ / ٤١١ ]
قضاءً» (^١) وغيره.
والجواب: أن قوله «فمن زاد» عام، والمستقرض الزائد عند الأداء عن طيب نفس خاص، فيُحمل العام على الخاص، ويبقى العام حجةً في الباقي. وسيأتي الفرق بين هذه الزيادة حيث جازت وبين الزيادة في بيع الفضة بالفضة يدًا بيد حيث مُنِعت، وإن طابت النفس، فانتظر (^٢).
[ملحق ١] ومن السنة أيضًا أحاديثُ النهي عن بيع الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ، وأنه من زاد أو ازداد فقد أربى، وهكذا الفضة والبُرّ والشعير والتمر والزبيب والملح. وهذا الدليل خاص بقرضها أو قرض ما في معناها بشرطِ زيادة، فإن قلنا بقول الحنفية: إن البيع لغةً وشرعًا هو تمليك المالِ بمالٍ بإيجابٍ وقبول عن تراضٍ منهما ــ كما حدَّه الجصَّاص في «أحكام القرآن» (^٣) ــ كانت دلالة هذه الأحاديث على أن القرض بشرطِ زيادةٍ ربًا بعموم اللفظ، وإذا قلنا: إن البيع لغةً وشرعًا أخصُّ مما قالوه، وإنه لا يتناول القرضَ ولو بشرطِ زيادة= كانت دلالة الأحاديث على ما ذكر من جهة المعنى، أعني أنها قياس من أعلى الأقيسة على ما يأتي تحريره إن شاء الله.
ووجه الدلالة أن القرض المطلق أي بلا شرط زيادةٍ إنما سلَخَه الشارع عن البيع؛ لأنه كما نقله صاحب الاستفتاء عن «إعلام الموقعين» (^٤): «من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩٣) ومسلم (١٦٠١) من حديث أبي هريرة.
(٢) كتب المؤلف بعدها: (ملحق طويل ص ٣٣٣). وهو الكلام الآتي من مكان آخر.
(٣) (١/ ٤٦٩).
(٤) (٣/ ١١١).
[ ١٨ / ٤١٢ ]