أخرج البخاري في «صحيحه» (^٤) في مناقب عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، إذا كان لك على رجل
_________________
(١) «البناية» (٧/ ٦٣١ - ٦٣٢) ط. دار الفكر.
(٢) في «أحكام القرآن» (١/ ٤٦٧).
(٣) «المنتقى» (٥/ ٦٥، ٩٧).
(٤) رقم (٣٨١٤). والقَتُّ: علف الدوابّ.
[ ١٨ / ٤٥٣ ]
حقٌّ، فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حملَ شعيرٍ أو حملَ قَتٍّ، فلا تأخذه فإنه ربًا». رواه من طريق شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، وقبل هذا اللفظ قصة.
وأخرج البخاري (^١) في كتاب الاعتصام القصةَ عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده، فذكر القصة ولم يذكر قوله في الربا.
قال ابن حجر في «الفتح»: «زاد في مناقب عبد الله بن سلام ذكر الربا ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضًا، كما أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي كريب شيخ البخاري فيه، لكن باختصار فكأن البخاري حذفها». «الفتح» (ج ١٣ ص ٢٤٢) (^٢).
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثي عن أبي أسامة، وفيه: «إنك في أرضٍ الربا فيها فاشٍ، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يُقرِض القرضَ إلى أجل، فإذا بلغ أتاه به وبسَلَّةٍ فيها هدية، فاتّقِ تلك السَّلّة وما فيها». «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩).
أقول: سعيد بن أبي بردة ثقة اتفاقًا، لم يتكلم فيه أحد، وقد قال الإمام أحمد: بخٍ ثبت في الحديث (^٣).
وأما بُريد فإنه وإن وثَّقه جماعة فقد تكلم فيه آخرون. قال الإمام أحمد:
_________________
(١) رقم (٧٣٤٢).
(٢) (١٣/ ٣١١) ط. السلفية.
(٣) انظر «تهذيب التهذيب» (٤/ ٨).
[ ١٨ / ٤٥٤ ]
يروي مناكير، وطلحة بن يحيى أحبُّ إليَّ منه. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال النسائي في «الضعفاء»: ليس بذاك القوي. وقال ابن حبان: يخطئ. وقال ابن عدي: «سمعتُ ابن حماد يقول: بريد بن عبد الله ليس بذاك القوي. أظنه ذكره (عن) البخاري» (^١).
أقول: وكأن البخاري ﵀ إنما حذف ذكر الربا من أثر بُريد لمخالفته في سياقه من هو أثبتُ منه وهو سعيد، وليس هذا ببعيد من معرفة البخاري وبُعْدِ نظره.
وقد ذكر صاحب الاستفتاء هذا الأثر وخلَّط في بعض الأسماء، ثم أجاب عنه بوجوه:
الأول: أنه موقوف ليس في حكم المرفوع.
الثاني: أنه متروك العمل باتفاق الأمة.
الثالث: أنه يعارضه الأحاديث الصحيحة.
الرابع: أن في شرح «كشف الأسرار» (^٢) للبزدوي في تفسير بيان القاطع التي تلحق (كذا) المجمل: «احتراز عما ليس بقاطعٍ ثبوتًا أو دلالةً، حتى لا تصير (كذا) المجمل مفسرًا بخبر الواحد ». يعني: فلا يصلح هذا الأثر لبيان الربا المذكور في القرآن.
_________________
(١) المصدر نفسه (١/ ٤٣١، ٤٣٢). وزيادة «عن» من المؤلف، وهي كذلك في «الكامل» لابن عدي (٢/ ٦٢).
(٢) (١/ ٥٠).
[ ١٨ / ٤٥٥ ]
فأما الأول فمسلَّم، ولكنه قول صحابي قد وافقه غيرُه من الصحابة، ولا يُعلَم لهم مخالف. ومثل ذلك تقوم به الحجة، وهو عند قوم إجماع.
وأما الثاني فمقصوده أن الأمة اتفقت على جواز قبول الهدية بعد القضاء. وعن هذا جوابان:
الأول: أن هذا خاص برواية بُريد، وهي مرجوحة كما علمت. وأما رواية سعيد فهي ظاهرة في الهدية قبل القضاء، وهي حرام باتفاق الأمة، وإنما أجازها بعض العلماء إذا تبيَّن أنها بريئة عن الربا، كما إذا كانت بين رجلين صداقة، وجرت عادة أحدهما بالإهداء إلى الآخر، ثم اتفق أنه استقرض منه قرضًا، ثم قبل القضاء أهدى إليه كما كان يُهدي إليه سابقًا. والأثر ظاهر فيما عدا هذه الصورة بدليل قوله: «إنك بأرضٍ الربا فيه فاشٍ».
الجواب الثاني: أن من أحلَّ الهدية عند القضاء أو بعده إنما ذهب [ق ٢١] إلى أن التهمة منتفية، وعلى هذا فإذا جرت عادة المستقرض بالإهداء إلى من يُقرضه كانت التهمة باقيةً، ولاسيما إذا كان متَّهمًا، وكأنه إنما يُهدِي إليه تمهيدًا لأن يستقرض منه مرةً أخرى.
وقد قال مالك (^١) ﵀: «لا بأس بأن يَقْبِضَ من أسلف شيئًا من الذهب أو الورِق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفَه ذلك أفضلَ مما أسلفه، إذا لم يكن ذلك على شرطٍ منهما أو وَأْيٍ (^٢) أو عادةٍ، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه، ولا خير فيه فإن كان ذلك على طيب
_________________
(١) في «الموطأ» (٢/ ٦٨١).
(٢) الوأي: المواعدة.
[ ١٨ / ٤٥٦ ]
نفس من المستسلف ولم يكن ذلك على شرط ولا وأيٍ ولا عادةٍ كان ذلك حلالًا لا بأس به».
قال الباجي في «شرحه»: «فأما الشرط فلا خلاف في منعه، وأما العادة فقد منع من ذلك مالك أيضًا. وأما أبو حنيفة والشافعي فيكرهانه، ولا يريانه حرامًا. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ». «المنتقى» (ج ٥ ص ٩٧).
وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» (^١) عن ابن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسًا بقضاء الدراهم البيض من الدراهم السود ما لم يكن شرطًا. وعن إبراهيم أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا ما لم يكن شرطًا أو نيةً. وعن الشعبي: قيل له: الرجل يستقرض، فإذا خرج عطاؤه أعطى خيرًا منها، قال: لا بأس ما لم يشترط أو يُعطيه التماسَ ذلك. وعن الحكم وحماد قالا: إن لم يكن نوى فلا بأس. وعن الشعبي: قيل له: يُقرِض (^٢) الرجل القرض وينوي أن يُقضى أجودَ منه، قال: ذلك أخبث.
أقول: فإذا جرت العادة بالزيادة أو الهدية، أوشك أن تصحبها النية. وهذا مَحملُ رواية بُريد لو صحت، بدليل قوله: «إنك في أرضٍ الربا فيها فاش»، وإذا فشا الربا في البلد أوشك أن تجري فيها العادة بذلك والنية، وإذا ثبتت العادة جاءت مفاسد الربا التي تقدمت في القسم الأول.
وأما الثالث فيعني صاحب الاستفتاء بالأحاديث الصحيحة الأحاديثَ الواردة في حسن القضاء. والجواب أنها إنما تعارض رواية بريد، وأما رواية
_________________
(١) (٧/ ٢٦، ١٧٧، ١٧٨).
(٢) في الأصل: «يقضي». والتصويب من «المصنف».
[ ١٨ / ٤٥٧ ]
سعيد فسالمةٌ. على أننا نقول: يمكن الجمع بين الأحاديث وبين رواية بريد بما تقدم عن السلف، أنه إنما تحلُّ الزيادة والهدية إذا لم تجرِ بها عادة، ولم يكن النبي - ﵌ - ملتزمًا للزيادة، وفي حديث قضاء البعير ما يصرِّح بذلك، فإنه أمرهم بأن يقضوا الرجل بَكْرَه، فطلبوا فلم يجدوا إلا رباعيًّا، فذكروا للنبي - ﵌ - ذلك، فأمرهم بإعطائه. فظهر من ذلك أنه - ﵌ - لم يأمرهم بالزيادة أولًا، وإنما أمرهم بقضائه، فلو وجدوا بَكْرَه لقضوه إياه، ولو علموا من عادة النبي - ﵌ - قضاءَ الأفضل لما راجعوه.
وأما الوجه الرابع ففيه أمران: الأول: أنه مبني على أن ربا القرآن مجمل، وقد تقدم ردُّه. الثاني: أن المفسَّر عند الحنفية هو ما أوضح المراد به بحيث لا يبقى احتمال تأويل ولا تخصيص، فقول شارح «الكشف» أن المجمل لا يصير مفسرًا بخبر الواحد، إنما عنَى: لا يصير مفسرًا بهذا المعنى، كما يُعلم من مراجعته ومراجعة غيره من أصول الحنفية، وهم متفقون على أن خبر الواحد كافٍ لبيان المجمل بحيث تقوم به الحجة، وإن لم يصِرْ مفسرًا بالمعنى المذكور، بل قالوا كما في «تحرير ابن الهمام»: «إذا بُيِّن المجمل القطعي الثبوت بخبر واحدٍ نُسِب إليه، فيصير ثابتًا به، فيكون قطعيًّا». ثم قال: «ومنعه صاحب التحقيق وهو حقٌّ». انظر «التحرير والتقرير» (ج ٣ ص ٤٠).
وبهذا المعنى أجاب بعضهم عما أُورِد عليهم في قولهم: إن القعدة الأخيرة فرض في الصلاة، مع أنهم لم يحتجوا عليها إلا بخبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد الفرضية على أصلهم. ولقولهم بقطعية المعنى الذي بيَّنه خبر الواحد المبيِّن لمجمل قطعي وجهٌ يؤخذ مما قررتُه في رسالة «العمل
[ ١٨ / ٤٥٨ ]
بالضعيف»، فلا أطيل به هاهنا.
والمقصود أن صاحب الاستفتاء أوهَمَ أو توهَّم أن قول شارح «الكشف» يدل أن خبر الواحد لا يصلح بيانًا للمجمل القطعي. وهذا خطأ قطعًا. ومن عرف اصطلاحهم وتدبَّر كتبهم علم أنه إنما يريد أن خبر الواحد لا يصير به المعنى بحيث لا يحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، وهذا هو معنى المفسّر عندهم، فأما صيرورته مبينًا بحيث تقوم الحجة بذلك المعنى فأمرٌ ثابت عندهم اتفاقًا. والله أعلم.
[ق ٢٢] وروى البيهقي وغيره من طريق كلثوم بن الأقمر عن زر بن حُبيش قال: قلت لأبيّ بن كعب: يا أبا المنذر! إني أريد الجهاد فآتي العراقَ فأُقرِض، قال: «إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاش. فإذا أقرضتَ رجلًا فأهدى إليك هدية، فخذْ قرضَك واردُدْ إليه هديته». «سنن البيهقي (ج ٥ ص ٣٤٩).
وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (^١) بلفظ: «إذا أقرضتَ قرضًا فجاء (^٢) صاحب القرض يحمله ومعه هدية، فخُذْ منه قرضك (^٣) ورُدَّ عليه هديتَه».
قال صاحب الاستفتاء: كلثوم بن الأقمر مجهول.
قلت: ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤) وقال: روى عن جماعة من الصحابة، روى عنه أهل الكوفة، وهو أخو علي بن الأقمر».
_________________
(١) (٦/ ١٧٦).
(٢) في الأصل: «جاء»، والتصويب من «المصنف».
(٣) في الأصل: «قرضه». والتصويب من «المصنف».
(٤) (٥/ ٣٣٦).
[ ١٨ / ٤٥٩ ]
وما تضمنه هذا الأمر من ردّ الهدية التي يُهديها المستقرض عند القضاء قد عرفت وجهه مما تقدم، وهو أنه علل ذلك بقوله: «إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاشٍ» أي: فالعادة والنية والتهمة أوجبت ذلك. وبهذا خرج عما دلَّت عليه الأحاديث في حسن القضاء كما سبق، والله أعلم.
وقال صاحب الاستفتاء في موضع آخر: أثر عبد الله بن سلام مضطرب ومعلول.
كذا قال، وهذه قاعدة أخرى له ولأستاذه في «شرح الترمذي»، يعمد إلى الأحاديث التي تخالفه وتكون بغاية الصحة، فيذكر اختلافًا لفظيًّا أو قريبًا منه أو معنويًّا والترجيح ممكن، فيزعم ذلك اضطرابًا قادحًا. وليس هذا سبيل أهل العلم، وكأنه أراد بالاضطراب هنا ما قدَّمناه من مخالفة رواية بُريد لرواية سعيد، وبالعلة مخالفة رواية بُريد لأحاديث حسن القضاء. وقد مرَّ الجواب عنها، والله أعلم.
وأخرج البيهقي من طريق ابن سيرين أن أبي بن كعب أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردَّها، فقال أُبي: لِمَ رددتَ عليَّ هديتي وقد علمتَ أني من أطيب أهل المدينة ثمرةً؟ خذ عني ما تردّ عليّ هديتي. وكان عمر ﵁ أسلفَه عشرةَ آلاف درهم. قال البيهقي: هذا منقطع. «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩).
وانقطاعه أن ابن سيرين لم يدرك عمر. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (^١) من طريق أخرى عن ابن سيرين، وزاد فيه زيادة حسنة، ولكنه
_________________
(١) (٦/ ١٧٧).
[ ١٨ / ٤٦٠ ]
انقلب متنه، ولفظه: أن أبيًّا كان له على عمر دينٌ، فأهدى إليه هديةً فردَّها، فقال عمر: إنما الربا على من أراد أن يُربي وينسأ.
أقول: وهو مع انقطاعه شاهد قوي لما مضى.
وأخرج أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجلٍ عشرون درهمًا، فجعل يُهدي إليه، وجعل كلَّما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنُها ثلاثةَ عشر درهمًا، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلّا سبعةَ دراهم. «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩ - ٣٥٠).
[ق ٢٣] ردَّه صاحب الاستفتاء بأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس.
أقول: لم يتبيَّن لي مَن أبو صالح هذا، فإن هناك جماعة ممن يُكنى أبا صالح ويروي عن ابن عباس، ولا أدري من أين جزمَ صاحب الاستفتاء بأنه أبو صالح باذام مولى أم هانئ؟ فإنه هو الذي قال ابن حبان (^١): إنه لم يسمع من ابن عباس.
وأخرج البيهقي بسندٍ على شرطِ مسلم عن سالم بن أبي الجعد ــ وهو من رجال «الصحيحين» ــ قال: كان لنا جارٌ سمَّاك عليه لرجلٍ خمسون درهمًا، فكان يُهدِي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك، فقال: قاصّه بما أهدى إليك. (ج ٥ ص ٣٥٠).
وقال ابن أبي شيبة (^٢): ثنا إسماعيل بن إبراهيم [عن أيوب] عن عكرمة
_________________
(١) في «المجروحين» (١/ ١٨٥).
(٢) «المصنف» (٦/ ١٧٤). وما بين المعكوفتين منه. وقد أشار المؤلف إلى السقوط في النسخة التي نقل منها.
[ ١٨ / ٤٦١ ]
قال ابن عباس: «إذا أُقرِضْتَ قرضًا فلا تُهدِينَّ هديةَ كُراعٍ ولا هدية دابة».
كذا في النسخة، وقد سقط بين إسماعيل وعكرمة رجلٌ.
وقال أيضًا (^١): ثنا خالد بن حيان عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: سئل ابن عباس عن رجل استقرض طعامًا عتيقًا، فقضى مكانه حديثًا، قال: «إن لم يكن بينهما شرطٌ فلا بأسَ به».
حبيب لم يدرك ابن عباس.
وأخرج البيهقي وغيره بسند صحيح عن ابن سيرين عن عبد الله ــ يعني ابن مسعود ــ أنه سئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفْقَر المقرِضَ ظهرَ دابته، فقال عبد الله: «ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا». «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٥٠).
وأعاده بنحوه (ص ٣٥١) ثم قال: ابن سيرين عن عبد الله منقطع.
وقال ابن أبي شيبة (^٢): ثنا إسماعيل بن علية عن التيمي عن أبي عثمان أن ابن مسعود كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرًا منها.
أقول: هذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج ابن أبي شيبة (^٣) من طريق زيد بن أبي أنيسة أن عليًّا سئل عن الرجل يُقرِض القرض ويُهدى إليه، قال: ذلك الربا العجلان.
_________________
(١) «المصنف» (٧/ ٢٧٤).
(٢) المصدر نفسه (٧/ ١٧٦).
(٣) «المصنف» (٦/ ١٧٧).
[ ١٨ / ٤٦٢ ]
زيد لم يدرك عليًّا ﵇.
وقال أيضًا (^١): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ــ وهو ابن عُلية ــ عن يحيى بن يزيد الهُنَائي سألتُ أنس بن مالك عن الرجل يُهدِي له غريمُه، فقال: إن كان يُهدِي له قبلَ ذلك [فلا بأس]، وإن لم يكن يُهدي له قبلَ ذلك فلا يصلح.
وأخرجه البيهقي مطولًا مرفوعًا، ثم قال: ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. «السنن» (ج ٥ ص ٣٥٠).
وفي «الموطأ» (^٢): مالك عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مَن أسلف سلفًا فلا يشترطْ إلّا قضاءَه.
وقد أخرجه محمد بن الحسن في «موطئه» (^٣) ثم قال: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أن يشترط أفضل منه، ولا يشترط عليه أحسن منه، فإن الشرط في هذا لا ينبغي. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
أقول: وهذا موقوف في أعلى درجات الصحة.
وفيه (^٤): مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: «من أسلف سلفًا فلا يشترِط أفضلَ منه، وإن كانت قبضة من علَفٍ فهو ربا».
وفيه (^٥): مالك أنه بلغه أن رجلًا أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا
_________________
(١) المصدر نفسه (٦/ ١٧٥). وما بين المعكوفتين منه.
(٢) (٢/ ٦٨٢).
(٣) رقم (٨٢٨).
(٤) «الموطأ» (٢/ ٦٨٢).
(٥) المصدر نفسه (٢/ ٦٨١، ٦٨٢).
[ ١٨ / ٤٦٣ ]
عبد الرحمن! إني أسلفتُ رجلًا سلفًا واشترطتُ عليه أفضلَ مما أسلفتُه، فقال عبد الله بن عمر: «فذلك الربا السلف على ثلاثة وجوه: سلفٌ تُسْلِفه تريد به وجهَ الله فلك وجهُ الله، وسلفٌ تُسِلفه تريد به وجهَ صاحبك فلك وجهُ صاحبك، وسلفٌ تُسلِفه لتأخذ خبيثًا بطيب فذلك الربا».
وأخرج البيهقي عن فضالة بن عبيد أنه قال: «كلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو وجه [من] وجوه الربا». «السنن» (ج ٥ ص ٣٥٠).
قال ابن حجر في «بلوغ المرام» (^١): سنده ضعيف.
وروى الحارث بن أبي أسامة (^٢) عن علي ﵇ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربًا».
قال في «بلوغ المرام» (^٣): إسناده ساقط.
[ق ٢٤] وقال ابن أبي شيبة (^٤): ثنا حفص عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال: «كل قرضٍ جرَّ منفعة فهو ربًا».
وقد أخرجه محمد بن الحسن في «الآثار» (^٥) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم بلفظ: «كل قرض جرَّ منفعةً فلا خير فيه». قال محمد: وهو قول أبي حنيفة.
_________________
(١) (٣/ ٥٣ مع «سبل السلام»).
(٢) كما في «بغية الباحث» (٤٣٦).
(٣) (٣/ ٥٣ مع «السبل»).
(٤) «المصنف» (٦/ ١٨٠).
(٥) برقم (٧٦٠) ط. دار النوادر.
[ ١٨ / ٤٦٤ ]
وقال ابن أبي شيبة (^١): ثنا وكيع ثنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنه كره كل قرض جرَّ منفعةً.
وأخرج محمد في «الآثار» (^٢) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يُقرِض الرجلَ الدراهمَ على أن يوفيه خيرًا منها، قال: فإني أكرهه. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أبي حنيفة (^٣) عن حماد عن إبراهيم في رجلٍ أقرض رجلًا ورقًا فجاءه بأفضلَ منها، قال: الورِق بالورِق، أكره له الفضل حتى يأتي بمثلها. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، لا بأس ما لم يكن بشرط اشترط عليه، فإذا كان اشترط عليه فلا خير فيه، وهو قول أبي حنيفة.
وقال ابن أبي شيبة (^٤): ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: إذا كان للرجل على الرجل الدينُ فأهدى له ليؤخر عنه، فليحسُبْه من دَينه.
ثنا جرير (^٥) عن منصور ومغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان ذلك قد جرى بينهما قبل الدين يدعوه ويدعوه الآخر ويكافئه، فلا بأسَ بذلك، ولا يحسُبه من دينه.
_________________
(١) «المصنف» (٦/ ١٨١).
(٢) (٧٥٩) بلفظ: «يوفيه بالرَّي، قال: أكرهه».
(٣) (٧٥٨).
(٤) «المصنّف» (٦/ ١٧٦).
(٥) المصدر نفسه (٦/ ١٧٦).
[ ١٨ / ٤٦٥ ]
وقال أيضًا (^١): ثنا [ابن] إدريس عن هشام عن الحسن ومحمد أنهما كانا يكرهان كل قرض جرَّ منفعةً.
وقال أيضًا (^٢): ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية عن أبيه عن الحكم قال: كان يُكْرَه أن يأكل الرجل من بيت الرجل وله عليه دين، إلّا أن يحسُبه من دَينه.
ثنا وكيع (^٣) عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن عمر قال: يُقاصُّه.
وأخرج (^٤) عن الشعبي أنه قال: إن كان لك على الرجل الدينُ فلا تُضيِّفْه.
وعن الحسن (^٥) أنه سئل عن السَّفْتَجة فقال: إنما يُفعَل ذلك من أجل اللصوص، لا خير في قرضٍ جرَّ منفعةً.
[ق ٢٥] فهذه نصوص الصحابة والتابعين ما بين صحيحٍ وما يقرب منه كلها متفقة على المنع من الزيادة المشروطة وتحريمها، وبعضها مصرحة بأن ذلك هو الربا، وبعضها تُلحِق بذلك الهدية التي يُهديها المستقرض قبل الأداء طمعًا في أن يُمهِله المقرِض (^٦)، فلا يعجل عليه في المطالبة.
_________________
(١) «المصنف» (٦/ ١٨٠). وما بين المعكوفتين منه.
(٢) المصدر نفسه (٦/ ١٧٨).
(٣) المصدر نفسه (٦/ ١٧٧).
(٤) المصدر نفسه (٦/ ١٧٨).
(٥) المصدر نفسه (٦/ ٢٨٠).
(٦) في الأصل: «المستقرض» سهوًا.
[ ١٨ / ٤٦٦ ]