لا فرق بين أن يُقرِض بشرط الزيادة دفعةً واحدةً، أو يُقرِض بشرط زيادة مقررة في كل شهر مثلًا، أو يقرض بلا شرط زيادة، ثم يطالب بالقضاء، فيستمهل المستقرض فيمهله بشرط زيادة، أو يكون له عند رجل دين من غير القرض، كثمن وأجرة ونحو ذلك، فإذا حلَّ الأجل أمهله إلى أجل آخر بشرط زيادة.
هذا كله داخل في آية الربا كما سيأتي تحقيقه، والمعنى فيه واحد.
وهناك صور أخرى تحتاج إلى إيضاح:
منها: العِينة، وهي أن يحتاج الرجل إلى القرض فلا يجد من يُقرِضه قرضًا حسنًا، فيتواطأ مع إنسان على أن يشتري المحتاج من صاحب المال سلعة بمائة درهم إلى أجل، ثم يبيعها المحتاج لصاحب المال بتسعين نقدًا مثلًا.
وتأويل ذلك أنه أخذ تسعين درهمًا على أن يرد مائة، وهذا هو عين الربا.
وقد اشتهر عن الشافعية تصحيح هذه المعاملة، فأما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فإنما يوجد في نصوصه تصحيح البيعين حيث لم يعلم نية السوء، ذكر في باب بيع الآجال من "الأم" (^١) أثر عائشة: "أن امرأة سألتها عن بيعٍ باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء، ثم اشترته منه بأقل من
_________________
(١) (٤/ ١٦٠).
[ ١٨ / ٣١٠ ]
ذلك نقدًا، فقالت عائشة: بئسَ ما اشتريتِ، وبئسَ ما ابتعتِ، أخبري زيد بن أرقم [ص ١٦] أن الله ﷿ قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﵌ - إلا أن يتوب".
ثم ساق الكلام عليه، وفيه أن القياس يوافق فعلَ زيد، ثم قال: "فإن قال قائل: فمن أين القياس مع قول زيد؟
قلت: أرأيتَ البيعة الأولى أليس قد ثبت بها عليه الثمن تامًّا؟
فإن قال: بلى.
قيل: أفرأيت البيعة الثانية أهي الأولى؟
فإن قال: لا.
قيل: أفحرامٌ عليه أن يبيع ماله بنقدٍ، وإن كان اشتراه إلى أجل؟
فإن قال: لا، إذا باعه من غيره.
قيل: فمن حرَّمه منه؟
فإن قال: كأنها رجعت إليه السلعة، أو اشترى شيئًا دينًا بأقلَّ منه نقدًا.
قيل: إذا قلتَ: "كأنَّ" لما ليس هو بكائن لم ينبغِ لأحد أن يقبله منك، أرأيت لو كانت المسألة بحالها، فكان باعها بمئة دينارٍ دينًا واشتراها بمئة أو بمئتين نقدًا؟
فإن قال: جائز.
قيل: فلا بد أن تكون أخطأت "كأن" ثَمَّ أو ههنا؛ لأنه لا يجوز له أن يشتري مئة دينار دينًا بمئتي دينار نقدًا.
[ ١٨ / ٣١١ ]
فإن قلت: إنما اشتريت منه السلعة.
قيل: فهكذا كان ينبغي أن تقول أولًا، ولا تقول: "كأن" لما ليس هو بكائن.
أرأيت البيعة الآخرة بالنقد لو انتقضت أليس تُردُّ السلعة، ويكون الدين ثابتًا كما هو، فتعلم أن هذه بيعة غير تلك البيعة؟
فإن قلت: إنما اتهمته.
قلنا: هو أقل تهمة على ماله منك، فلا تركن عليه إن كان خطأً، ثم تحرِّم عليه ما أحلَّ الله له؛ لأن الله ﷿ أحلَّ البيع وحرَّم الربا، وهذا بيع وليس بربا". "الأم" (ج ٣ ص ٦٨ - ٦٩) (^١).
أقول: السياق صريح في أن كلام الشافعي ﵀ خاص بما إذا لم تقع بينهما مواطأة، ولا قامت دلالة ظاهرة على قصد الاحتيال، وصورة ذلك مثلًا أن يَعْمِد رجل فيشتري ثوبًا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يتفرقان، ثم يعود المشتري إلى البائع، فيعرض عليه الثوب بتسعة دراهم نقدًا، فيشتريه منه.
فالشافعي رحمه الله تعالى يقول: لا وجه لاتهام المشتري الأول بأنه إنما اشترى توصلًا إلى الأخذ بالربا، وهناك ما يُبعِد اتهامه، وهو أن المعروف من حال الإنسان أنه لا يرضى بضياع ماله، وإذا اتهمنا هذا الرجل بالنية المذكورة كنا قد اتهمناه بأنه أراد من أول الأمر ضياع درهم من ماله، فالأولى أن يحمل على أنه اشترى الثوب رغبةً فيه، ثم عرضتْ له حاجة، أو اطلع على غبن، فعاد فباعه.
_________________
(١) (٤/ ١٦٠ ــ ١٦١) ط. دار الوفاء.
[ ١٨ / ٣١٢ ]
وقوله: "فلا تركن عليه" صوابه: "فلا تَزْكَنْ عليه"، من الزكن، وهو الظن، أي: لا تتهمه إن كان زكنك خطأً لا دليل لك عليه.
ويعلم مما تقدم أنه لو علم تواطؤهما على التوصل إلى الربا، أو اعترفا بأن نيتهما ذلك، صحَّ الحكم بحرمته.
وكذلك إذا كانت النية التوصل، ولم يظهر لنا ذلك، فإن الحرمة ثابتة على الناوي.
ويبقى النظر في صورة البيع الأولى وصورته الثانية، الحكم ببطلانهما أو أحدهما، ففي "فتح الباري": "والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يُجوِّزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن" (ج ١٢ ص ٢٧٤) (^١).
ذكر ذلك بعد أن نقل عن "إعلام الموقعين" (^٢) كلامًا فيه تنزيه الشافعي عما ينسبه إليه أصحابه، وفيها: "وكذا في مسألة العينة، إنما جوز أن يبيع [ص ١٧] السلعة ممن يشتريها، جريًا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة، ولم يجوِّز قطُّ أن المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومئتين، ثم يحضران سلعة تحلل الربا، ولاسيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها".
وقال في "الفتح" أيضًا: "نص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في
_________________
(١) (١٢/ ٣٣٧) ط. السلفية.
(٢) (٣/ ٢٩٣).
[ ١٨ / ٣١٣ ]
تفويت الحقوق، وقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه، وقال كثير من محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم، ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله - ﵌ -: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا، ولا يخلِّصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محلّلًا، ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلِّصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصِد به تحريمُ ما أحلَّ الله أو تحليلُ ما حرَّم الله كان إثمًا، ولا فرق في حصول الإثم في التحيُّل على الفعل الحرام بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له". "فتح الباري" (ج ١٢ ص ٢٦٧) (^١).
أقول: إذا ثبتت الحرمة أوشك أن يثبت البطلان، وقد قال الشافعية بحرمة الصلاة في وقت الكراهة وبطلانها، واستثنوا ما له سبب متقدم، أو مقارن كتحية المسجد، ثم قالوا: لكن لو دخل المسجد لأجل الصلاة في وقت الكراهة حرمت عليه الصلاة، ولم تصح؛ لأنه معاند للشرع، وهكذا قالوا في من قرأ في الصلاة آية السجدة ليسجد أنه إذا سجد بطلت صلاته.
فعلى هذا يلزمهم إبطال العِينة إذا كان المقصود من صورة البيع فيها هو أخذ ألفٍ بألفٍ ومئتين.
ودلائل البطلان كثيرة، ولكن المقصود ههنا إثبات الحرمة، والشافعية يوافقون عليها كما مر.
ومن تدبر المعنى علم أنها أشدُّ من حرمة الربا الصريح، قال البخاري
_________________
(١) (١٢/ ٣٢٨) ط. السلفية.
[ ١٨ / ٣١٤ ]
في كتاب الحيل من صحيحه (^١): "باب ما يُنهى عنه من الخداع في البيوع (^٢)، وقال أيوب: يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًّا، لو أَتَوا الأمرَ عيانًا كان أهون عليَّ".
قال في "الفتح": "قال الكرماني: قوله: "عيانًا" أي لو أعلنوا بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلا تدليس لكان أسهل؛ لأنه ما جعل الدين آلة للخداع. انتهى. ومن ثَمَّ كان سالكُ المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغضَ عند الناس ممن يتظاهر بها، وفي قلوبهم أوضعَ، وهم عنه أشدُّ نفرةً". "فتح الباري" (ج ١٢ ص ٢٧٣) (^٣).
أقول: والباعث على هذه المعاملة قد يكون كفرًا، وقد يكون محاربةً لله ﷿ فوق محاربته بأصل الربا، وقد يكون جهلًا، ولا يَغُرنَّك ما جازف به بعضهم فقال: "إن هذه المعاملة محمودة؛ لأنها فرار من الربا الذي حرَّمه الله إلى البيع الذي أحلَّه"، فإنها مغالطةٌ محضةٌ؛ لأن صورة البيع التي يأتي بها المتعاينان غير مقصودة لهما قصدًا صحيحًا، وإنما هو قصد محرم، وهو المخادعة لله ﷿، والاحتيال عليه، والعناد لشرعه.
هذا، وقد حرَّم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ، وليس هذه بتجارةٍ، فإن الآخذ لم يشترِ السلعة ليبيعها بربحٍ كما هو دأب التاجر، وقد تقدم بيان المعنى الذي أُحِلَّ لأجله التغابن في التجارة، وليس موجودًا ههنا.
_________________
(١) (١٢/ ٣٣٦) مع الفتح.
(٢) في الأصل: "العيوب"، والتصويب من البخاري.
(٣) (١٢/ ٣٣٦) ط. السلفية.
[ ١٨ / ٣١٥ ]
للعينة صور، وقد عدّ الحنفية منها أن تطلب من رجل أن يُقرِضك، فيقول لك: بل أبيعك هذه السلعة بنسيئة، وخذها أنت وبعها في السوق بنقد، فيأخذها ويبيعها في السوق.
ونقلوا عن أبي يوسف أنه قال: "لا يُكره هذا البيع؛ لأنه فعله كثير من الصحابة، وحمدوا على ذلك، ولم يعدُّوه من الربا، حتى لو باع كاغذةً بألف يجوز، ولا يكره" (^١).
[ص ١٨] أقول: لا بد من تفصيل؛ فإذا كان ثمن السلعة التي أعطاه عشرة دراهم نقدًا، واثني عشر درهمًا نسيئةً، فإن أعطاه إياها بعشرةٍ نسيئةً فهذا هو الذي يمكن أن يكون محمودًا؛ لأنه كأنه أقرضه.
وإن أعطاه إياها باثني عشر ففيه نظر، وقد يقال: إذا كان محققًا أنه لو لم يعطه تلك السلعة باثني عشر درهمًا إلى أجل لطلبها منه آخر بذلك الثمن إلى مثل ذلك الأجل، فلا يظهر إثم المعطي، ولكن يبقى النظر في الآخذ، فقد يقال: إنه إنما اشتراها بنية أن يأخذ عشرة نقدًا، وتكون في ذمته اثنا عشر، فإن أثِمَ الآخذ رجع الإثم على المعطي أيضًا إذا علم بنية الآخذ، وأما إذا أعطاه إياها بثلاثة عشر مثلًا فالحرمة ظاهرة.
هذا، وما حكاه أبو يوسف عن الصحابة لم يُنقَل متصلًا، إلا ما رُوي عن زيد بن أرقم على ما فيه، والقصة نفسها تدل أنه لم يقصد العِينة، وقد ذكرها الباجي في "شرح الموطأ" (^٢)، وفيها: "قالت: فإني بعتُه عبدًا إلى العطاء
_________________
(١) انظر "حاشية ابن عابدين" (٥/ ٣٢٥، ٣٢٦).
(٢) "المنتقى" (٤/ ١٦٦).
[ ١٨ / ٣١٦ ]
بثمان مئة درهم، فاحتاج فاشتريته قبل محل الأجل بست مئة درهم".
هذا مع أن هذه المرأة هي أم ولد زيد، كما في القصة، ولم يُذكَر أنه كان قد أعتقها، وإذا لم يكن قد أعتقها فهي باقية حينئذٍ في ملكه، والعلماء مصرِّحون على أنه لا ربا بين السيد وبين مملوكه.
وذكر البيهقي وغيره أثرًا عن ابن عمر (^١)، وفي سنده مقال، وفيه مع ذلك ما يصرح بأن البيع لم يكن بنية العينة.
وقد قال محمد بن الحسن: "هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أَكَلَةُ الربا " انظر "الدر المختار" (^٢) أواخر الكفالة.
[ملحق ص ١٨] بقي أن بعض المحتالين على الربا يشتري مقدارًا وافرًا من بضاعة رائجة، وإذا طُلب منه بيعه نقدًا بقيمة مثله نقدًا أو إلى أجل قريب بقيمة مثله إلى ذلك الأجل، امتنع، وإنما يرصُده للمحتاجين إلى القرض، يجيء أحدهم فيسأله القرض، فيقول: ليس عندي دراهم ــ وكثيرًا ما يكون كاذبًا ــ ولكن أبيعك هذه السلعة بعشرةٍ نسيئةً إلى شهرين مثلًا، فيقول الطالب: وماذا أصنع بها ولا حاجة لي فيها؟ فيقول: تخرج بها فتبيعها بدراهم نقدًا، فتنتفع بها، فيقول الطالب: قيمة مثلها نقدًا في السوق ثمانية، فكيف أشتريها منك بعشرة، وأحملها وأتعب فيها حتى أجد من يشتريها مني بثمانية؟ فيقول: ليس عندي إلا ذلك، فإن أحببتَ فخذْ، وإلا فاذهبْ.
وإذا اشتهر بهذا فربما يجيئه طالب القرض، فيشتري منه على ذلك
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٥/ ٣١٧).
(٢) "الدر المختار" مع حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٢٦).
[ ١٨ / ٣١٧ ]