الإشكال الأول: هذه بعض من ردود محللي المعازف على حجج المحرمين:
١ـ قال تعالى (وَمِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَيَتَّخِذَهَا هزوًا) - قالوا لا يلزم من أن يكون المراد بلهو الحديث الغناء المُصاحب للموسيقى والمعازف بل المراد الغناء الذي يُراد به إضلال الناس عن سبيل الله فلو أن امرءًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوًا لكان كافرًا! وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بغناء، أو قراءة القرآن، أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو بغير ذلك - ليس فقط الغناء.
٢ـ قال تعالى (وَإِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه) - قالوا ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه، وليس فيها ما يوجب ذلك، وكلمة: اللغو - ككلمة: الباطل - تعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرمًا ما لم يشغل عن طاعة.
٣ـ قوله ﵊ (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير) - كل من روى الحديث من طريق غير هشام بن عمار جعل الوعيد على شرب الخمر، وما المعازف إلا مكملة وتابعة، وأن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح، ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ﵌ يصلح دليلًا للتحريم، وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية، نرجو الرد على كلامهم بارك الله فيكم؟.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فأما الآية الأولى فلابد من التنبّه إلى أن العمدة في تفسير الآية بالغناء هو ما ثبت عن
[ ١٠ ]
جمهور المفسرين، من الصحابة والتابعين، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود الذي أقسم أنه الغناء وكرر ذلك، وتفسيرهم هو المعتمد هذا مع ما روي فيه مرفوعًا بأسانيد محتملة للتحسين، ويمكن أن تراجع في ذلك كتاب: تحريم آلات الطرب - ص: ٦٨ـ ١٤٢ـ ١٤٤.
وأما الإشكال المتعلق بدلالة الآية: فمبناه على فهم معنى اللام في قوله تعالى: ليضل عن سبيل الله - ولبيان ذلك ننقل ما قاله الشيخ الألباني في فصل: حكمة تحريم آلات الطرب والغناء - من كتابه: تحريم آلات الطرب - حيث يقول: بعد أن تبينت الحكمة في تحريم الغناء من الآثار المتقدمة، وهي أنه يُلهي عن طاعة الله وذكره وهذا مشاهد وحينئذ فالملتهون به إسماعًا واستماعًا لكل منهم نصيبه من الذم المذكور في الآية الكريمة: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) - وذلك بحسب الالتهاء قلة وكثرة، وقد عرفت أن الاشتراء بمعنى الاستبدال والاختيار، مع ملاحظة هامة وهي أن اللام في قوله تعالى: (لِيُضِلَّ - إنما هو لام العاقبة كما في تفسير الواحدي أي: ليصير أمره إلى الضلال، كما قال ابن الجوزي في الزاد: فليس هو للتعليل كما يقول بعضهم، وله وجه بالنسبة للكفار الذين يتخذون آيات الله هزوا، ولهذا قال ابن القيم ﵀: إذا عُرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا وإذا يتلى عليه القرآن ولى مستكبرا كأن لم يسمعه كأن في أذنيه وقرا، وهو الثقل والصمم وإذا علم منه شيئا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم فلهم حصة ونصيب من هذا الذم، يوضحه: أنك لا تجد أحدا عُني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علمًا وعملًا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يُسكت القارئ ويستطيل قراءته ويستزيد المُغنَي ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم إن لم يحظ به جميعه والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يحس بها، فأما من مات قلبه وعظمت فتنته فقد سد على نفسه طريق النصيحة: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ﴿المائدة: ٤١﴾ اهـ.
وأما الآية الثانية ففيها دلالة على ذم اللغو، واللغو منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه، وإنما يُعرف حكم كل نوع من أدلته الخاصة.
وأما حديث أبي مالك الأشعري، فيكفي في جواب إشكاله ما قاله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق: ثم إن الحديث لم ينفرد به هشام بن عمار ولا صدقة، كما ترى قد أخرجناه من رواية بشر بن بكر عن شيخ صدقة ومن رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم، شيخ عطية بن قيس، وله عندي شواهد أخر كرهت الإطالة بذكرها، وفيما أوردته كفاية لمن عقل وتدبر. اهـ.
[ ١١ ]