الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الصلاة إحدى أركان الإسلام الخمسة، وأهم دعائم الدين التي لا يقوم بناؤه إلا بها، ولا يرتكز إلا عليها وبها مع أركان الإسلام الأخرى يدخل المرء في جماعة المسلمين، وقد فرضها الله سبحانه في كتابه فقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وبين النبي ﷺ فرضيتها ووضح مكانتها في الدين فقال ﷺ في حديث معاذ المشهور لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" الحديث٢.
وقد ندب الشارع الناس إلى أداء الصلاة جماعة٣ تعبدا لله وتحقيقًا للتعارف والتآلف والتعاون بين المسلمين، ولغرس معاني الود والمحبة والرحمة في قلوبهم حتى يشعر كل واحد منهم نحو الآخر أنه أخوه يشاركه في آماله وآلامه، هذا بالإضافة إلى مضاعفة الثواب وعموم البركة.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية (٤٣) . ٢ رواه البخاري ٣/٢٦١ ومسلم ١/١٩٦ وأبو داود ٢/٢٤٢، ٢٤٣ والترمذي ٣/٢٥٩، ٢٦٠ وابن ماجه ١/٥٦٨ وغيرهم. ٣ اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة، فقال الحنفية والمالكية: الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة للرجال العاقلين القادرين، وقال الشافعية: إنها فرض كفاية على الأصح، وذهب الحنابلة إلى أنها فرض عين ولكنها ليست شرطا لصحة الصلاة. انظر أقوال الفقهاء وأدلتهم في تبين الحقائق ١/١٣٢ وملتقى الأبحر ١/٩٣ والمنتقى ١/٢٢٨ والشرح الصغير ١/٤٢٨ ومغني المحتاج ١/٢٢٩ وكشاف القناع ١/٥٣٢.
[ ٣٠٥ ]
وقد اتفق العلماء على أن الجماعة من أوكد العبادات وأجل الطاعات وأعظم شعائر الإسلام، وقد بين النبي ﷺ فضلها وحث على حضورها فقال ﵊: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وفي رواية: "بخمس وعشرين درجة" ١ وقال ﵊: "بشّر المشّاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" ٢.
وقال ابن مسعود - ﵁ -: "من سره أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وأنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق "٣.
إذا كان هذا فضل صلاة الجماعة ومكانتها، فماذا عن حكم إعادة الجماعة وتكرارها، أعني: إذا صلى الإمام الراتب بجماعة، ثم بعد انصرافه حضر أناس فاتتهم الجماعة، فهل لهم أن يصلوا تلك الصلاة جماعة بعد جماعة الإمام الراتب في المسجد أم ليس لهم ذلك؟ هذا هو موضوع البحث.
وتكمن أهمية الموضوع - فيما يُرى - في تكرار الجماعة في بعض المساجد بعد جماعة الإمام الراتب، وما يثير ذلك من إشكالات ويترك من آثار على الأمة المسلمة ووحدتها وتماسكها، إذ يحتمل أن يكون تأخر بعض هؤلاء إهمالًا وعدم
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٢/١٣١ ومسلم ٥/١٢٥. ٢ رواه أبو داود ١/٣٧٩ والترمذي ٢/١٤ وقال: حسن غريب من حديث بريدة وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه ١/٢٥٧ والحاكم ١/٢١٢. ٣ رواه مسلم ٥/١٥٦.
[ ٣٠٦ ]
مراعاة لأوقات الصلاة ظنًّا منهم أن بإمكانهم إقامة الجماعة الثانية والثالثة.. ويحتمل أن يكون تخلف طائفة منهم لإظهار بدعتهم وضلالهم وظنهم أنهم يقيمونها أفضل مما يقيمها الإمام الراتب، وقد يتخذ بعض الناس من إعادة الجماعة وتكرارها ذريعة لمنابذة الأئمة ومفارقة الجماعة وتفريق كلمة المسلمين وتمزيق وحدتهم شذر مذر.
كما أن بعضهم قد يكون تأخر عن الجماعة لعذر فيريد أن يصليها جماعة لينال ثوابها كما ينال ثواب الجماعة الأولى.
أمام هذه الاحتمالات والحالات كان لابد من دراسة هذه المسألة في ضوء نصوص الوحي والمصالح الشرعية لبيان حكم الشرع فيها.
لأجل هذا قمت بإعداد هذا البحث مبينًا فيه تحرير محل الن-زاع وأقوال الفقهاء وأدلتهم؛ ومناقشتها، محاولًا الوصول إلى القول الراجح بعد النظر إلى مقاصد الشرع ومصالحه المعتبرة، في لغة مُيسّرة وعبارة واضحة وأسلوب سهل وفق المنهج العلمي المتبع - قدر المستطاع - وجعلته بعنوان: (حكم تكرار الجماعة في المسجد)
ونظرًا لطبيعة الموضوع فقد جاء تقسيمه إلى موضوعات متتابعة في إطار المعالجة الموضوعية التي تتطلبها طبيعة البحث والمادة العلمية المتاحة له.
وأسأل الله تعالى أن ينفعني به وإخوتي المسلمين وأن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
[ ٣٠٧ ]