أيهما الأفضل: الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة؟
بعد أن بينا بوضوح حكم الصوم والفطر للمسافر خلال شهر رمضان وهو جواز الأمرين. نبين الآن، مدى هذا الجواز بالنسبة للشخص القادر على الصيام بدون ضرر عليه، وبمعنى أوضح، هل هذا الجواز يقف عند حده الأدنى، أي أن الصوم والفطر يستويان في الفضل بدون زيادة لأحدهما على الآخر فيه، أو أن أحدهما أكثر فضلا من الآخر، فينبغي المصير إليه، ندبا أو استحبابا؟ لبيان ذلك نقول:
من يرى أفضلية الصوم عن الفطر:
نقلت أفضلية الصوم عن الفطر للمسافر القادر على الصوم بدون مشقة عن عدد كبير من الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام، نذكر منهم على سبيل المثال:
[ ٥٣ / ١٠٣ ]
من الصحابة: حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص، وابن مسعود، وأبو قرصافة.
ومن التابعين: عروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، وسعيد بن جبير، والنخعي، والفضيل بن عياض
ومن الفقهاء: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو ثور، وآخرون١.
من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
١_ حديث أبي الدرداء المتقدم وفيه "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة"٢.
فإدامة الرسول ﷺ الصيام في السفر مع وجود الرخصة في الفطر، والتي أخذ بها أصحابه ﵃، إرشاد إلى أفضلية الصيام لمن قدر عليه بدون ضرر.
ويناقش هذا الاستدلال، بأن السفر المشار إليه في هذا الحديث، كان قبل غزوة الفتح التي ثبت أن رسول الله ﷺ أفطر فيها واستمر على الفطر في السفر بعدها، لحديث: "إنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ" والعبرة بما كان عليه ﷺ في آخر حياته..
وإنما قلنا إن هذا السفر كان قبل غزوة الفتح، لأن عبد الله بن رواحة، قتل في مؤتة وكان ذلك قبل غزوة الفتح، وإن كانتا في سنة واحدة كما يذكر ذلك كثير من أصحاب المغازي. ويجاب عن هذه المناقشة، بأنه يكفي في ثبوت الاستدلال: وجود الرخصة في الفطر التي أخذ بها كل الأصحاب ما عدا عبد الله بن رواحة ﵁.
كما ثبت من خلال دراستنا للمسألة السابقة، أن فطر رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، إنما كان عملا بالرخصة تشجيعا لأصحابه على الفطر بعد أن تردد أكثرهم فيه لما يرون من صيامه ﷺ وقد جاء ذلك واضحا في رواية لحديث جابر بن
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ج٤ص٢٤٤، ٢٤٥ وفتح القدير ج٢ص٣٥١ مصطفى الحلبي، والمجموع ج٢ص٢١٩، نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢، شرح عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل ج٢ص١٩٧. ٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.
[ ٥٣ / ١٠٤ ]
عبد الله عن طريق قتيبة بن سعيد عن الدراوردي عن جعفر "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر"١.
٢_ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم وقد جاء فيه: "..لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر"٢.
يشير تصريح أبي سعيد باستئناف الصيام بعد غزوة الفتح، إلى أن الفطر في هذه الغزوة كان لظروف معينة، وهي شدة الحر وشعور الناس بمشقة الصيام، ثم للتقوى استعدادا لملاقاة الأعداء وأخيرا لإزالة الأحجام والتردد عن بعض النفوس التي توقفت عن الأخذ بالرخصة لعدم أخذه ﷺ بها واستمرار صيامه. أما بعد أن زالت هذه الظروف أو تغير أكثرها فإنهم رجعوا إلى الصيام في السفر، وما ذلك إلا لأفضليته على الفطر فيه..
٣_ حديث عائشة ﵂ "قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال لها ﷺ أحسنت يا عائشة" وقد تقدم الحديث وما قيل فيه..
٤_ وقد أشار بعض العلماء هنا إلى دليل عقلي، مؤداه: إذا كان ولا بد من الصيام، أداء في رمضان أو قضاء في غيره، فأداؤه في رمضان أفضل من قضائه في غيره وذلك لأفضلية الأداء على القضاء بصفة عامة ولأن رمضان أفضل الوقتين، وحتى لا تشتغل ذمته به فترة من الوقت ولا يدري ما يطرأ عليه فيها٣.
من يرى أفضلية الفطر على الصيام:
من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر. ومن التابعين: ابن المسيب، والشعبي و. ومن الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي..
من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
١_ حديث جابر المتقدم وفيه: "..ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له: بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة أولئك العصاة"..
فإن فطره ﷺ بمرأى من الناس ثم وصفه بعد ذلك للصائمين، بالعصاة، يشعر بأفضلية الفطر عن الصوم في السفر
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٢. ٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤. ٣ أشار إلى هذا الدليل باختصار شديد صاحب فتح القدير ج٢ص٣٥١ وقد قمنا بتوضيحه وشرحه.
[ ٥٣ / ١٠٥ ]
ويناقش هذا الاستدلال بأن فطره ﷺ في هذه الواقعة بالذات وبمرأى من الناس كان لظروف خاصة بها وقد أشرنا إليها قريبا أما وصف الصائمين بالعصاة فإنما كان للمخالفة في تنفيذ أمر الفطر الذي أصدره ﷺ والذي أوضحه حديث أبي سعيد ﵁ "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال؟ إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا وكانت عزمة فأفطرنا"١.
٢_ حديث جابر بن عبد الله أيضا "ليس البر أن تصوموا في السفر" فنفى الرسول ﵊ البر عن الصيام في السفر يريد أن الفطر أفضل منه.
ويناقش هذا الاستدلال بأن الصوم المنفي عنه البر: هو الذي يقوم به شخص لا يقدر عليه، وبالتالي يؤدي إلى إتلافه، فمثل هذا يكون الفطر في حقه أفضل. وليس المراد نفي البر عن عموم الصوم في السفر..
٣_ حديث ابن عباس ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"٢..
فالفطر كان هو أحدث الأمرين من رسول الله ﷺ فاتباعه فيه أفضل من الصيام..
ويناقش، بأن فطره في هذه الغزوة كان لأسباب خاصة أوضحناها قريبا كما سلفت الإشارة إلى أن عبارة "وكان صحابة رسول الله ﷺ..الخ" مدرجة في الحديث من كلام ابن شهاب..
٤_ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وقد جاء فيه قوله ﷺ: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"..
فتحسينه ﷺ لجانب الفطر، واكتفاؤه بنفي الجناح عن الصوم، إشارة واضحة إلى أفضلية الفطر على الصوم..
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤. ٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤١.
[ ٥٣ / ١٠٦ ]
وقد نوقش هذا الاستدلال، بأن التحسين هو بالنسبة لمن كان لا يتيسر له الصيام بحيث يشعر معه بمشقة أو ضرر، فمثل هذا الفطر في حقه حسن. أما من كان يحتمله مع شيء من المشقة، ومع ذلك ترك الرخصة وصام فإنه لا جناح عليه..
٥_ ما جاء في حديث جابر "ليس البر أن تصوموا في السفر" من زيادة عن طريق يحي بن أبي كثير بلفظ: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم".
فهذا الأمر وإن لم يكن مقتضيا للوجوب، لكنه يعتبر إرشادا واضحا من الرسول ﵊، إلى أفضلية الأخذ بالرخصة التي تقتضي الفطر. وعليه فيكون الفطر أفضل من الصيام.
ويناقش هذا الاستدلال، بما قلنا سابقا نقلا عن الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه، من أن هذه الزيادة غير محفوظة.
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة، بأن هذه الزيادة قد رواها النسائي عن طريق الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير أيضا بلفظ "وعليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها"١ وقد قال ابن القطان: إسنادها حسن متصل، كما رواها ابن حزم واحتج بها٢ فالله أعلم بالصواب.
من يرى أن أيسر الأمرين أفضلهما:
نسب إلى مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة القول: بأن الأفضل من الصيام أو الفطر هو الأيسر والأسهل، أي أن من وجد لديه قوة على الصيام ولم يتضرر منه، فإن الصيام في حقه أفضل.
ومن كان يشق عليه أو يترتب عليه ضرر منه، فإن الفطر في حقه أفضل. وقد اختار هذا القول ابن المنذر٣.
ومن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
١_ عن أبي سعيد الخدري ﵁: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على
_________________
(١) ١ النسائي ج٤ص١٧٦ من المجتبى. ٢ المحلى ج٦ص٣٨٤’ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢. ٣ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢ والمجموع ج٦ص٢١٩.
[ ٥٣ / ١٠٧ ]
الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن"١.
واضح من الحديث: أن كلا الأمرين وصف بالحسن لكونه يتناسب مع حال فاعله.
٢_ عن أبي سعيد ﵁ قال: " أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا، قال: إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب" رواه أحمد في مسنده٢.
فقد علل ﷺ امتناعه عن الفطر أولا بكون الصيام كان ميسرا له كما علل أمره لهم بالفطر بوجود المشقة لديهم.
وإنما خالف ما يناسب حاله وأفطر مثلهم لإزالة ترددهم عن الفطر الذي كان يناسب حالتهم وذلك من قبيل رأفته ورحمته بأمته ﷺ.
٣_ قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣.
فقد علل الله ﷾ رخصة الفطر بالتيسير على المسلمين. وعليه: فمن كان الفطر أيسر له؟ فإن الأفضل له الفطر عملا بالرخصة، ومن كان الصوم أيسر له، فإن الأفضل له الصيام.
من يرى أفضلية الصوم إذا خلا من الآفات المحبطة لفضله:
ذهب بعض العلماء إلى أن الصوم أولى في السفر إذا لم تصحبه لآفة من الآفات المحبطة لفضله كالرياء والعجب والسمعة وقيام الناس على خدمته وإلا فإن خشي دخول شيء عليه من هذه الآفات فإن الفطر في حقه أولى٤.
وقد استدل لهذا الرأي الذي لم يعرف من قال به من الفقهاء القدامى وإن كان قد حظي باختيار الشوكاني صاحب نيل الأوطار وقد استدل له بما يلي:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٣. ٢ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٤. ٣ سورة البقرة الآية رقم ١٨٥ وإنما أخرنا الاستدلال بهذه الآية الكريمة لأن الاستدلال بها غير مباشر بخلاف الحديثين قبلها فإنهما نص في الموضوع. ٤ فتح الباري ج٥ص٨٦ ونيل الأوطار ج٤ص٢٥٣.
[ ٥٣ / ١٠٨ ]
أ_ عن أنس ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال: فسقط الصوام وقال المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر"١.
ب_ نقل صاحب الفتح ما رواه الطبري عن طريق مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: " إذا سافرت فلا تصم فإنك إن تصم، قال أصحابك: اكفوا الصائم ارفعوا للصائم وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم فلا تزال يذهب أجرك "٢.
فحديث أنس وأثر ابن عمر واضحان في دلالتهما على تأثير هذه الآفات على الصيام لكن من الممكن السلامة من ذلك: إذا خدم الإنسان نفسه وقام بما يجب عليه من المشاركة في الخدمات العامة للرفقة المسافرين معه وأخلص نيته في صيامه.
المختار من هذه الأقوال:
أرى أن الرأي الذي يذهب إلى أن أيسر الأمرين هو أفضلهما: هو الأولى بالاختيار لما يلي:
أ_ أنه يترتب على الأخذ بهذا الرأي تحقق الحكمة التي جاء الترخيص في الفطر من أجلها، وهي اليسارة والسهولة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
ب_ يتجلى تحقق هذه الحكمة من مطابقة هذا الرأي لطبائع الناس واختلاف قدراتهم، فمنهم من يتيسر له الصوم ولا يرى فيه كلفة أو مشقة، بل ربما كان يرى فيه راحته وصحته فطلب الفطر من مثل هذا فيه مشقة له، ومنهم من لا يتيسر له الصوم إلا إذا كان مقيما مستريحا لا يقوم بأي عمل أو يقوم بأعمال يسيرة غير مجهدة وقد نفى رسول الله ﷺ البر عن صوم مثل هذا في السفر.
ج_ المعيار في هذا الرأي، فيه مرونة حيث وكّل أمر الفطر أو الصوم إلى شعور الشخص نفسه، إذ هو المكلف وهو أمين نفسه، والتكليف أمانة، فإن وجد من نفسه القوة والقدرة على تحمل الصيام دون مشقة أو مشقة معتادة صام وإلا فلا.
د_ وأخيرا فإن هذا الرأي يتناسب مع ظروف المواصلات في هذا العصر وتنوعها فمن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤. ٢ فتح الباري ج٥ص٨٦.
[ ٥٣ / ١٠٩ ]
الناس من يتيسر له سبل مواصلات مريحة تخفف عنه كثيرا من معاناة السفر، فمثل هذا يكون الصوم أيسر له.
ومنهم من لم تتيسر له سبل مواصلات أصلا أو تتيسر له مواصلات مرهقة ومجهدة فمثل هذا يكون الفطر أيسر له.
ويجاب على استدلال الجمهور القائلين بأفضلية الصوم مطلقا لمن أطاقه بأن استمرار رسول الله ﷺ على الصوم، ربما كان هو الأيسر بالنسبة له، وكان يأمر أصحابه بالأخذ بالرخصة لأنه كان يرى أن الفطر هو الأيسر بالنسبة لهم، وحديث أحمد المتقدم من أوضح الأمثلة على ذلك حيث جاء فيه قوله ﷺ مبينا الحكمة من رغبته في استمرار صومه وأمره لهم بالفطر.. "إني لست مثلكم؟ إني أيسركم؟ إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه، فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب".
أما أدلة الفريق الذي يرى أفضلية الفطر مطلقا فقد أجيب عنها في مواضعها فلا حاجة إلى إعادتها مرة أخرى.
أما القول الذي يرى أفضلية الصوم إذا لم تصحبه آفة تحبطه؟ فيمكن أن نضيف إلى ما قلناه سابقا، إن هذه الآفات من الرياء والسمعة ونحوهما، أمور قلبية أي أن مدارها على نية الإنسان وقصده فإذا جرد الإنسان نيته، وكان صومه خالصا لله، فلا يضره ما قيل عنه.
وأما قيام الغير بخدمته، فلا يخلو حال الصائم من أحد أمرين: إما أن يكون قادرا على خدمة نفسه والمشاركة بجهد فعال مع بقية رفاقه في الرحلة مع صومه، فينبغي له ألا يسمح للغير بالقيام بهذه الأعمال نيابة عنه. وإما ألا يكون قادرا على ذلك مع الصوم فينبغي له الفطر أخذا بالرخصة.
وعلى ذلك: فيمكن القول: بأن الفريق الذي كان مصاحبا لرسول الله ﷺ صائما وعجز عن القيام بالأعمال التي قام بها المفطرون، فإنه قد خالف مقتضى الرخصة، حيث ترك الأخذ بها مع أنه كان من أهلها، لذلك استحق المفطرون الأجر دونهم..
والله أعلم
[ ٥٣ / ١١٠ ]
رخصة الفطر في سفر رمضانوما يترتب عليها من الآثار (٣)
الدكتور أحمد طه ريان أستاذ مساعد بجامعة الأزهر
كيفية العمل بالرخصة:
بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة: بيان المستفيدين بالرخصة والمدى الذي تتحقق به، وحكم الأخذ بها، ومدى شمولها لأنواع السفرة نتناول الآن في هذه الحلقة، كيفية العمل بهذه الرخصة من بداية السفر إلى نهايته، فنقول وبالله التوفيق:
بداية سريان الرخصة:
يبدأ سريان الرخصة من اللحظة التي يتحقق فيها وصف السفر على الشخص سواء من حيث الزمان أو المكان، ونوضح ذلك فيما يلي:
بدء سريان الرخصة من حيث الزمان:
من عزم على السفر، لا يخلو أمره عن الأحوال الآتية:
أ- أن يبدأ سفره من قبل طلع الفجر، وهذا لا خلاف- نعلمه- بين أهل العلم، أن الرخصة تحققت بشأنه. وله العمل بمقتضاها، من حيث إباحة الفطر له منذ بداية سفره ١.
ب- أن يبدأ السفر بعد طلوع الفجر- بحيث لم يفارق عمران البلد إلا بعده- والحال أنه كان قد بيت نية الصيام من الليل. فيرى أكثر أهل العلم هنا، أنه يجب عليه الاستمرار في الصوم ولا تتحقق الرخصة لديه. تغليبًا لجانب الإقامة على جانب السفر فإن
_________________
(١) ١ المجموع ج٦ ص٢٠، شرح عبد الباقي على مختصر خليل ج٢ ص٢١٣، دار الفكر والأم للشافعي ج٢ ص٨٧، دار الشعب بالقاهرة.
[ ٥٧ / ٧٥ ]
أفطر وجب عليه قضاء يوم بدل ذلك اليوم ولم يوجبوا عليه الكفارة لتأوله. ولم يخرج عن هذا الفريق في عدم وجوب الكفارة إلا المغيرة وابن كنانة، فإنهما أوجبا عليه الكفارة.
وقد قال بهذا الرأي: مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة ومكحول والزهري ويحيى الأنصاري وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال أحمد- في الرواية الثانية عنه- وإسحاق وداود وابن المنذر وابن حبيب- إن من بدأ سفره بعد الفجر. له الفطر منذ بدء السفر لإطلاق اسم المسافر عليه منذ هذه اللحظة ١.
واختلف النقل عن المزني- من أصحاب الشافعي- فنقل الشوكاني عنه: أنه أختار رأي أحمد وإسحاق. وقال بعض الشافعية: إن المزني رجع عن رأيه هذا.
وقال ابن حزم: إنه يبطل صومه منذ بدء سفره وعليه قضاؤه ٢.
مستند الفريق الأول:
لم أجد مستندًا من السنة يشهد لقول هذا الفريق بعدم جواز الفطر لمن بدأ سفره بعد طلوع الفجر.
وقد وجدت أثرًا عن الحسن البصري، رواه عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: إذا أصبح الرجل صائما في شهر رمضان ثم خرج مسافرًا نهارًا. فلا يفطر ذلك اليوم إلا أن يخاف العطش على نفسه فإن تخوفه أفطر والقضاء عليه، فإن شاء بعد أفطر وإن شاء صام ٣.
واضح من سند هذا الأثر: أن هناك راويا مجهولًا بين معمر وبين الحسن. ثم فيه تعليق استمرار الصيام علىعدم الخوف من العطش.
كما استدل بعض العلماء لهذا الرأي، بأن الصوم: عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر قياسًا على الصلاة، فلو صلى مسافر خلف مقيم وجب عليه الإتمام ٤.
_________________
(١) ١ المجموع ج٦ ص٢١٤. ٢ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٥، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، الأم ج٢ ص٨٧، المجموع ج٦ ص٢٦٥، المغني ج٣ ص١١٧ مطبعة الفجالة، الموطأ ج٢ ص١٧١ من شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣، المحلى ج٦ ص٣٩٢. ٣ المصنف ج٤ ص٢٧٠. ٤ المغني ج٣ ص٢٧٠.
[ ٥٧ / ٧٦ ]
وقد قيل في الرد عليه: إن الصوم يختلف عن الصلاة، فإن الصلاة يلزم إتمامها بالنية بخلاف الصوم ١.
أما أدلة الفريق الثاني فأهمها ما يلي:
١- ما رواه أبو داود بسنده إلى عبيد بن جبير، قال: كنت راكبًا مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع ٢ أبو بصرة، ثم قرب غذاؤه (غداء) . قال جعفر ٣ في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب؟ قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ. قال جعفر في حديثه: فأكل ٤.
قال الشوكاني: سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ، في التلخيص ورجاله ثقات ٥.
فهذا تصريح من أبي بصرة بأن الإفطار للمسافر في اليوم الذي خرج فيه من السنة وعبارة الخطابي في الاستدلال منه: (فيه حجة لمن رأى للمقيم ذي الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر) ٦..
٢- ما رواه البيهقي عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب فقلت له سنة، قال: نعم. قال الترمذي: بعد أن ذكره: هذا حديث حسن ٧.
قال الشوكاني عن هذا الحديث: سكت عنه الحافظ، وفي إسناده عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وهو ضعيف، ولكن صاحب التحفة قال: لا بأس يكون عبد الله في الطريق الأولى فإنه لم يتفرد به بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية، وهو ثقة ٨.
_________________
(١) ١ المغني ج٣ ص١١٧. ٢ بضم الراء وكسر الفاء بالبناء للمجهول أي رفع أبو بصرة ومن معه في السفينة. ٣ هو جعفر بن مسافر أحد رواة الحديث. ٤ سنن أبي داود مطبوعة مع شرحها عون المعبود ج٧ ص٥٣. ٥ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦. ٦ عون المعبود ج٧ ص٥٥. ٧ السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧، وسنن الترمذي ج٣ ص٥١٢-٥١٣، مطبوع مع تحفة الأحوذي. ٨ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦، وتحفة الأحوذي ج٣ ص٥١٣.
[ ٥٧ / ٧٧ ]
٢- ما رواه البيهقي أيضا بسنده إلى إسحاق عن عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه ١.
والمختار: هو قول من يرى إباحة الفطر لمن سافر من بعد طلوع الفجر للأمور التالية:
أولا: لصحة إطلاق اسم المسافر عليه حقيقة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقد علق سبحانه الرخصة على وجود السفر. وقد تحقق بمجرد حركته على الطريق، فينبغي أن تتعلق به أحكامه التي من بينها إباحة الفطر.
ثانيا: القول بإباحة الفطر، فيه تيسير على المسافر، والتيسير هو مناط الرخصة قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
ثالثا: أن القول بإباحة الفطر هو أقرب القولين إلى السنة، فقد نسب كل من أبي بصرة وأنس بن مالك فطره في نفس اليوم الذي سافر فيه إلى فعل رسول الله ﷺ، وقد قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ الآية.
جـ- من عزم على السفر من الليل ونوى الفطر ولم يسافر إلا بعد طلوع الفجر:
يرى فقهاء المالكية والشافعية والحنفية، أن الشخص المقيم إذا عزم على السفر من الليل وبيت نية الفطر حتى طلع عليه الفجر ولم يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يعتبر مخالفًا لأحكام الصيام في السفر، إذ كان يجب عليه أن يبيت الصيام مادام لن يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر.
والأثر المترتب على ذلك: القضاء فقط مع إمساك بقية اليوم. أما المالكية فيوجبون عليه القضاء والكفارة.
وجهة الفريق الأول:
يرى هذا الفريق: أن فاعل ذلك وإن كان مخطئًا لكنه متأول نظرًا لوجود نية السفر لديه، فوجود هذه النية أورثه شبهة الإباحة، وهذه الشبهة تنفي عنه الكفارة.
وجهة الفريق الثاني:
يرى هذا الفريق أن هذا الشخص يعتبر مقيمًا صحيحًا قد عزم على ترك الصوم واستمر على الترك حتى انتهى وقت النية وهو طلوع الفجر، وعدم معرفته بالحكم لا يؤثر في وجوب
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧.
[ ٥٧ / ٧٨ ]
الكفارة عليه، فيكفيه العلم بوجوب الصيام على الحاضر، وبما أنه شهد بدء الصيام وهو حاضر فيترتب عليه الجزاء الذي رتبه الشارع على من ترك هذا الواجب ١.
المختار: أرى أن مثل هذا الفعل خطأ من فاعله، لأن الأمر في الرخصة منوط - كما قلنا سابقًا- بالسفر، ولا يعطى الشخص صفة السفر حقيقة إلا إذا تحرك فعلًا في طريقه، وكونه عازمًا على السفر لا يصح أن يكون مبررًا للفطر لجواز أن يعدل عن السفر بعد الفجر لسبب من الأسباب، كتحقق الغرض الذي كان سيسافر من أجله، أو وجد مانع منه، كانقطاع الطريق، أو عدم وجود ما يسافر عليه، والأسباب المانعة كثيرة، لذلك كان يجب عليه أن يبيت نية الصوم فإذا ما بدأ سفره كان له حينئذ الأخذ بالرخصة.
أما الجزاء على هذا الخطأ: فأرى- والله أعلم- أن الرأي الذي يقول بوجوب إمساك بقية اليوم- إن لم يسافر- ثم قضاء هذا اليوم بعد ذلك هو الأنسب لمثل هذا الفعل لأنه متأول فهو معذور لوجود العزم على السفر عنده.
بدء سريان الرخصة من حيث المكان:
نقل عن الحسن البصري وعطاء، أن من عزم على السفر فإن له أن يفطر في بيته قبل أن يخرج إلى طريقه، وقد حكي هذا عن أنس ﵁، فقد روى عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب، قال الترمذي هذا حديث حسن (وقد تقدم هذا الحديث قريبًا وتقدم ما قيل فيه) .
وقد قال ابن عبد البر- تعليقًا على هذا القول- قول الحسن قول شاذ وليس الفطر لأحد في الحضر، في نظر ولا أثر ٢.
ولكن ابن العربي صحح هذا الرأي ونسبه إلى الإمام أحمد بن حنبل ٣.
إلا أن الثابت في المغني أن المذهب الحنبلي، يرى مع أكثر الفقهاء، ضرورة مجاوزة البيوت حتى يباح الفطر ٤.
_________________
(١) ١ المجموع ج٦ ص٢١٧، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٢. ٢ المغني ج٣ ص١١٨، وقوله "في نظر" أي اجتهاد أو قياس، "ولا أثر" يعني دليل قولي أو فعلي مروي عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه. ٣ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦. ٤ المغني ج٣ ص١١٧.
[ ٥٧ / ٧٩ ]
وسنعرف ما هو الحق إن شاء الله بعد عرض الرأي الثاني وأدلته فيما يلي: يرى أكثر الفقهاء: أن الفطر لمريد السفر لا يجوز إلا إذا فارق بنيان البلدة التي يقيم فيها، وذلك لما يأتي:
أ- أن الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: علقت رخصة الفطر على حصول السفر ولا يطلق على الشخص وصف مسافر إلا بعد خروجه من مباني البلدة التي يقيم فيها، فلا يقال لشخص متحرك داخل بلده- راجلًا أو راكبًا- مسافر. بل يطلق عليه هذا الوصف بعد خروجه من البلدة.
ويقوي هذا القول، ما كان يفعله ﷺ في قصر الصلاة- والقصر والفطر صنوان في الرخصة- فقد ثبت أنه ﷺ كان يبدأ القصر من ذي الحليفة فقد تقدم في حديث أنس (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) ١.
وهناك رأي ثالث لإسحاق بن راهويه: وهو: أن المسافر له الفطر متى تحرك في بدء سفره، قال إسحاق: إذا وضع رجله في الرحل، فله أن يفطر وحكاه عن أنس بن مالك. وقد تقدم حديث أنس المفيد لذلك قريبا.
ويمكن أن يستدل له بحديث أبي البصرة الغفاري أيضًا حيث طلب غذاءه فأكل بعد أن تحركت به السفينة وهو لا يزال بمرأى من مباني بيوت البلدة. وقد تقدم قريبًا وتقدم بيان ما قيل فيه.
المختار: كل من الآراء الثلاثة له مستند قوي من السنة: فحديث بدء قصره ﷺ من ذي الحليفة يؤيد رأي الجمهور في أن الفطر يكون بعد مجاوزة البيوت، والحديث وإن لم يكن نصا في الموضوع إلا أن القصر والفطر يشتركان في أكثر الأحكام. وحديث أنس يقوي وجهة من قال بجواز الفطر قبل الخروج من البيت وهو وإن لم يصرح فيه بذلك، إلا أنه مفهوم من السياق، لأنه مادام قد أكل بعد أن رحلت له دابته، فليس من الجائز أن يكون قد أكل في الطريق وليس في هذا الحديث دليل لإسحاق، لأن أنس قد أكل قبل أن يركب، لكن ما يشهد لإسحاق هو حديث أبى بصرة، لأن فيه: أنه قد أكل بعد أن تحركت به سفينته، وهو على مرأى من البيوت وإذا قيل: بأنه قد أكل بعيد مجاوزة البيوت أي بعد أن جاوزها بقليل- فهذا القول ليس ببعيد- لأن قول الراوي له:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٢ ص١٤٤.
[ ٥٧ / ٨٠ ]
ألست ترى البيوت، يفهم منه، أن الأكل قد حدث قبل مجاوزة البيوت أو بعدها بقليل بحيث لم تغب البيوت عن نظرهما.
وعلى ذلك فليس هناك ما يمنع من حدوث الفطر في البيت لمريد السفر بشرط أن يكون ذلك بعد أن ينتهي من الاستعداد له وإن كان الأحوط أن يكون ذلك بعد مجاوزة البيوت. والله أعلم.
انقطاع الرخصة بإجماع المسافر الإقامة أثناء سفره:
اتفق أهل العلم على أن المسافر إذا عزم على الإقامة في مكان ما أثناء سفره فإن حكم الرخصة ينتهي في حقه ويصير مقيمًا ويجب عليه الصوم إلا أنهم اختلفوا في تقدير المدة التي يصير بها المسافر مقيمًا، وفيما يلي بيان موجز بأهم الآراء ووجهة كل منها.
ا- يرى ابن حزم: أن من أجمع إقامة يوم واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وجب عليه أن يبيت نية الصوم.
ووجهته في ذلك: أن المسلم يلزم بالفطر إذا كان على سفر، ومتى نوى الإقامة المدة المذكورة، فيعتبر مقيمًا ويلزم بالصوم، لكن إن أفطر عامدًا، فقد أخطأ، إن كان جاهلًا متأولًا، وعصى: إن كان عالمًا، ولا قضاء عليه- أي في الحالين- لأنه مقيم صحيح، ظن أنه مسافر ١.
ولم يذكر ابن حزم مستندا لتحديده الإقامة بهذه المدة، كما لم يذكر سبب اختياره لهذا التحديد بالذات.
ويظهر أن الجمهور يحددون المدة بأربعة أيام كما هو الحال في قصر الصلاة في السفر وقد نص البعض على ذلك ٢ على حين لم يشر إليه كثير منهم، والسكوت عن كثير من أحكام رخصة الفطر اتكالًا على ورودها في القصر؟ أمر جرى عليه أكثر الفقهاء، وقد نبهنا إلى أشياء منه.
والعلة في تحديد الجمهور المدة بأربعة أيام، واعتبارها مدة إقامة تنهي رخصة الفطر، هي أن النبي ﷺ سمح للمهاجرين بالبقاء في مكة بعد انتهاء النسك ثلاثة أيام، وقد أخرج البيهقي من حديث العلاء بن الحضرمي أن رسول الله ﷺ قال: "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا" كما أخرجه النسائي وأبي داود
_________________
(١) ١ المحلى ج٦ ص٣٩١. ٢ شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣.
[ ٥٧ / ٨١ ]
في سننهما. وقد أورده مسلم بعدة ألفاظ وفي بعضها زيادة من العلاء الحضرمي: يقول في هذه الرواية "سمعت رسول الله ﷺ يقول للمهاجر إقامة ثلاثة أيام بعد الصدر بمكة. كأنه يقول: لا يزيد عليها" ١.
كما أنهم يحتجون بما فعله عمر ﵁ حينما حدد لليهود والنصارى والمجوس ثلاثة أيام إذا قدموا المدينة بقصد التجارة: فقد أخرج البيهقي عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ أن عمر "ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون حوائجهم ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث" ٢.
وقالوا إن تحديد النبي ﷺ البقاء للمهاجرين ثلاثة أيام بمكة ثم اقتداء عمر بن الخطاب بتحديده ثلاثة أيام لغير المسلمين، يشير إلى أن البقاء أكثر من ثلاثة أيام يزيل حكم السفر. ويصير الشخص مقيمًا وأقل ما يتحقق به هذا الوصف هو البقاء أربعة أيام. ونقل مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني: أن سعيد بن المسيب يقول: من أجمع على إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة ٣.
قال مالك- تعليقا على قول سعيد بن المسيب-: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا ٤.
ويناقش هذا الاستدلال: بأن تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين ثلاثة أيام للبقاء في مكة لا يتعين حمله على أن الثلاثة لا تقطع حكم السفر وأن ما زاد عليها يزيل حكمه، إذ من الجائز أن تكون الثلاثة أيام لازمة لتسوقهم وشراء ما يحتاجون إليه من زاد أو هدايا أو غير ذلك.
لكن يجاب على ذلك، بأن هذه الأشياء لازمة للمهاجر وغيره، فتخصيص المهاجر بهذا التحديد لابد فيه من حكمة، وهذه الحكمة تتمثل في أن المهاجرين ممنوعون من الإقامة في مكة، فتحديد الرسول ﷺ لهم ثلاثة أيام للبقاء يفهم منه أن البقاء أكثر من ذلك يقطع حكم السفر ويدخلهم في نطاق المنع وهذا هو ما يظهر من حكمة التحديد أو هو أقوى الاحتمالات الواردة عليه. والله أعلم.
وما قيل في تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين: يقال أيضًا في تحديد عمر ﵁ لغير المسلمين بالبقاء ثلاثة أيام بالمدينة.
_________________
(١) صحيح مسلم ج٢ ص١٠٨. ٢ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨. ٣ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨. ٤ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨، بداية المجتهد ج١ ص١٢٣، تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣-١١٤..
[ ٥٧ / ٨٢ ]
وذهب أبو حنيفة والثوري إلى تحديد المدة بخمسة عشر يومًا ونقل هذا عن ابن عمر ﵄ وقد استدل هذا الفريق بقول ابن عباس "أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين" ١.
وقد نقل عن الحافظ ابن حجر تصحيحه لهذا الحديث وتوثيقه لرجاله عند النسائي ٢.
ويناقش هذا الاستدلال بأن هذا التحديد الوارد في الحديث لم يكن مقصودًا وإنما كان ذلك أمرًا اتفاقيًا - فقد مكث ﷺ هذه المدة حتى يطمئن إلى استقرار الأحوال في مكة عام الفتح: وكانت المدة التي استلزمها هذا الأمر هو خمسة عشر يومًا كما في هذا الحديث أو زيادة على هذه المدة كما في أحاديث أخر.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى تحديد هذه المدة بتسعة عشر يومًا، لحديث ابن عباس: سافر رسول الله ﷺ سفرًا فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين. قال ابن عباس فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا "قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح" ٣.
وهذا التحديد بتسعة عشر يومًا في الواقع هو اختيار من ابن عباس ﵁ وإلا فما جاء عن النبي ﷺ لا يفيد هذا التحديد لأن الظروف هي التي استدعت إقامته ﷺ هذه المدة بمكة فكان يقصر الصلاة فيها، مع العلم بأن هذا الحديث هو إحدى الروايات الكثيرة الواردة في هذا الموضوع فإلى جانب رواية الخمس عشرة التي تمسك بها أبو حنيفة، ومن معه، ورواية تسع عشرة التي تمسك بها إسحاق، هناك رواية ثالثة بسبع عشرة عند أبي داود وعن ابن عباس كذلك، ورواية رابعة عن عمران ابن حصين (شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين) ٤. وبالجملة: فإن عنصر القصد غير واضح في هذا الحديث والتحديد الوارد فيه، هو أمر اتفاقي، أي أنه حادثة عين وكما قيل: فإن حوادث الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام.
وذهب مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار إلى تحديد المدة بعشرة أيام- أو بأحد عشر يومًا- المستفادة من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ غزا غزوة
_________________
(١) ١ النسائي ج٣ ص١٢١، إحياء التراث. ٢ تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣. ٣ سنن الترمذي مطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٥. ٤ سنن أبي داود ج٤ ص٩٦-٩٧-٩٨-٩٩.
[ ٥٧ / ٨٣ ]
الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد، الماء الذي بين قديد وعسفان، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر١.
قال مجد الدين تعقيبا على هذا الحديث، ووجه الحجة منه: أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان هكذا جاء في حديث متفق عليه٢.
وقد أوضح الشوكاني كيفية الاستدلال بهذا الحديث كما يلي:
الأصل في المقيم ألا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه وقد دل الدليل على أن من كان مقيمًا ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة إلا بدليل٣.
وما قيل في التعقيب على الاستدلال الذي قال به كل من أبي حنيفة وإسحاق يقال هنا: أي أن التحديد الوارد في هذا الحديث لم يكن مقصودًا وإنما حدث اتفاقا وذلك أن رسول الله ﷺ- حسبما جاء في هذه الرواية- أن وصل إلى مكة في اليوم التاسع عشر من رمضان وظل في مكة بقية الشهر ليرتب أمورها بعد الفتح، من تعيين حاكم لها وتسليم أصحاب وظائف الكعبة وظائفهم وغير ذلك مما يحتاج إليه في مثل هذه الحالة وقد استغرق ذلك زمنًا، منه هذه المدة الباقية من رمضان.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، لو كان ﷺ دخل مكة قبل هذا التاريخ، أي في اليوم العاشر مثلا من رمضان؟ فهل كان سيستمر مفطرًا إلى نهاية الشهر أم كان سيقطع الرخصة ويصوم بعد انتهاء مدة العشرة أيام أو الأحد عشر؟.
وأرى- والله أعلم- أن هذا الحديث يستدل به على أن الإنسان إذا نزل بمكان ما لأمر ما وفي نيته العزم على استمرار السفر ولا يدرى متى تنتهي مهمته من هذا المكان حتى يواصل سفره- فإن مثل هذا يستمر على فطره ولو قضى الشهر كله في هذا المكان.
وموضع الشاهد من الحديث على هذا أن الرسول ﷺ كان في نيته فتح مكة والعودة إلى المدينة ولم يكن في نيته العزم على الإقامة مدة محددة بل كانت إقامته مرهونة باستقرار الأحوال في مكة فمتى استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى طبيعتها غادر مكة إلى المدينة أو إلى مكان آخر.
_________________
(١) ١ منتقى الأخبار جـ ٤ ص ٢٥٧ مع نيل الأوطار. ٢ منتقى الأخبار المطبوع مع شرحه نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧. ٣ نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧.
[ ٥٧ / ٨٤ ]
ويقوي ذلك أننا لم نجد في هذا الحديث ولا في أي حديث آخر من الأحاديث الواردة التي اطلعنا عليها في هذا الموضوع قرينة يفهم منها أن الرسول ﷺ صرح أو ألمح إلى عزمه على الإقامة مدة محددة في مكة في هذه الغزوة، بل بالعكس كانت هناك قرائن يستفاد منها أن الرسول ﷺ كان ينوي الخروج من مكة- بعد استقرار الأحوال فيها- في أقرب فرصة.
من هذه القرائن، إزالة ما كان يجول في خواطر كثير من الأنصار بل وقد صرح بعضهم به من أن الرسول ﷺ سيستقر في مكة بين أهله وعشيرته بعد أن فتحها الله عليه.
ومنها: إزالة الهواجس من نفوس البقية الباقية من المكيين على شركهم والذين لا يزالون يعتقدون، أن محمدًا ﷺ إنما يريد أن يكون ملكًا عليهم، ثم من خلالهم على بقية العرب- فرحيله بسرعة عنهم بعد أن يسلم بعضهم مقاليد مدينتهم من شأنه أن يبدد هذه الهواجس ويفتح بدلًا منها نوافذ للتفكير في أمر الدعوة والداعي يصل بهم إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ.
ومنها: تلك الأنباء التي كانت ترد تباعًا عن هوازن وثقيف وعزمها على حرب رسول الله ﷺ فكانت الحكمة تقضي بالخروج إليهم بسرعة قبل أن يستكملوا عددهم وعدتهم.
وهكذا نجد القرائن تفيد أن إقامة رسول الله ﷺ بمكة مدة محددة لم تكن واردة وإنما كانت الظروف تنبئ بأنه سيغادرها في أول فرصة تسنح له. وعلى ذلك فمهما أقام فهو في سفر ولو أقام شهورًا، وقد قال الترمذي في سننه "أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون"١.
وأخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ٢.
كما أخرج أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه قال أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر وكنا نصلي ركعتين٣.
_________________
(١) سنن الترمذي المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي جـ ٣ ص ١١٤. ٢ السنن الكبرى جـ٣ ص ١٥٢. ٣ السنن الكبرىجـ٣ ص ١٥٢.
[ ٥٧ / ٨٥ ]
كما أخرج عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أدرج - هكذا- فوقع الوجع بالشام فأقمنا بالسرغ خمسين ليلة ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله ﷺ وشهدت بدرًا والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر، قال سعد: إني أنا أفقه منهم ١.
المختار: الواقع أن مجال الاختيار هنا صعب وخصوصًا بين رأي الجمهور الذي يحدد المدة بأربعة أيام وبين اختيار مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار، بتحديد المدة بعشرة أيام أو أحد عشر.
وعنصر الصعوبة في أن رأي الجمهور يستند إلى دليل فيه عنصر القصد لكنه بعيد عن مجال موضع النزاع وإن كان فيه رابط يربط بين الأمرين وهو أن كلا الأمرين وارد في السفر. وكلا الأمرين يتعلق بالإقامة.
أما بالنسبة لدليل ابن تيمية، فهو وارد في السفر وفي الصوم الواجب وفي الإقامة الطارئة أثناء السفر لكن ليس فيه عنصر القصد إلى التحديد وإن كان هو أقرب الأمرين إلى السنة. لذا كان هو المختار. إلا أني أرى أن الأحوط هو تبييت نية الصوم لمن أجمع إقامة أربعة أيام.
من نوى الصيام في السفر هل يباح له الفطر أثناء النهار؟
وبمعنى آخر من ترك العمل برخصة الفطر وعزم على الصيام من طلوع الفجر فهل يباح له نقض هذه النية والإفطار في بعض أجزاء النهار:
لبيان ذلك نقول:
إذا أخذ المسلم بالعزيمة وصام من بداية سفره أو من بعض مراحل الطريق ثم بدا له في يوم ما وهو صائم أن يفطر في أثناء النهار، فقد أجاز له الشافعي وأحمد الإفطار بلا أدنى حرج عليه. وعليه أن يقضي هذا اليوم بيوم آخر بعد انتهاء السفر٢ وذلك أخذًا بحديث ابن عباس المتقدم "سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارًا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة".
_________________
(١) السنن الكبرى جـ٣ ص١٥٢، السرغ بوادي تبوك. ٢ المغني ص ١١٨، والمجموع جـ ٦ ص ٢١٤.
[ ٥٧ / ٨٦ ]
ووجه الاستدلال من الحديث واضح، فرسول الله ﷺ ابتدأ يومه صائمًا ثم أفطر في أثناء نهار ذلك اليوم وقد جاء في بعض الأحاديث المتقدمة أن ذلك كان بعد العصر.
وقال الحنفية: لا يجوز له الفطر ابتداء ولكن لو أفطر، فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح- من حديث الصورة- وهو السفر قائم فأورث شبهة، وبها تندفع الكفارة.
وقد أجابوا عن فطره ﷺ في اليوم الذي كان صائمًا فيه والذي أشرنا إليه في حديث ابن عباس السابق، بأن الجائز أن يكون ﷺ علم من نفسه بلغ الجهد الشديد من الصيام في هذا اليوم، إلى الحد الذي إذا وصل إليه الصائم المقيم أبيح له الفطر١.
وهذا تأويل بعيد لأن بعض الروايات تفيد أنه ﷺ طلب من أصحابه الفطر على أن يستمر هو صائمًا وقال: " إني أيسركم إني راكب، فلما أبوا نزل وشرب ما كان يريد أن يشرب". وقد تقدم هذا الحديث بكامله، وهو واضح في رده على تأويل علماء الحنفية لمدلول حديث ابن عباس.
أما المالكية: فقد حكى الزرقاني، وجوب الكفارة على من نوى الصيام في يوم سفره، ثم أفطر بعد ذلك في نفس اليوم.
وحكى ابن يونس في المسألة قولان، أحدهما بوجوب الكفارة، والآخر بوجوب القضاء فقط.
ووجه من أوجب الكفارة، أن المسافر كان مخيرًا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة، صار من أهل الصيام، وعلى ذلك فيجب عليه ما يجب على أهل الصيام من الكفارة٢.
وقد استدل الحنفية والمالكية، بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (سورة محمد الآية رقم ٣٣) فالمسلم الذي اختار أن يعمل عملًا من أعمال العبادة وابتدأه بالفعل، فيجب عليه أن يتمه.
لكنه قد نقل عن ابن عبد البر قوله: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله
_________________
(١) ١ فتح القدير للكمال جـ٢ ص ٣٦٥، ص ٣٦٦. ٢ شرح عبد الباقي الزرقاني جـ ٢ ص ٢١٤.
[ ٥٧ / ٨٧ ]
وإن كان هذا القول من ابن عبد البر ﵀ ليس بلازم، إذ عموم اللفظ يتناول إبطال العمل بالرياء، كما يتناول إبطاله بنية إلغائه ونقضه، والعبرة بعموم الألفاظ في النصوص التشريعية إلا لقرينة تفيد التخصيص.
والمختار من هذه الآراء، هو رأي من يقول بجواز الفطر لمن كان عزم على الصيام من طلع الفجر سواء كان ذلك بعذر أم لا وذلك لأن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو وإن صلح باعتبار عموم اللفظ إلا أن حديث ابن عباس ﵄ يعتبر نصًا خاصًا واردًا في الموضع فيرفع النزاع ويكون مخصصًا للعموم المستفاد من الآية إن قلنا بشموله لمسألة البحث. والله أعلم.
احترز من عدوين هلك بهما أكثر الناس:
صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله
ومفتون بدنياه ورئاسته١
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٤ ص ٢٩٠.
[ ٥٧ / ٨٨ ]