من سافر وأخذ بالرخصة فأفطر ولم يقض ما عليه حنى مات: له حالتان:
الحالة الأول: من اتصل عذره بالموت:
المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر واستمر في سفره حتى مات أو عاد من سفره ولكن لم تتح له الفرصة للقضاء فاستمر مشغولا بالمرض أو غيره حتى مات، فيرى أهل العلم بما يشبه الاجماع، أنه لا شئ عليه ولا يصام عنه ولا يطعم، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: الآية ٢٨٦) .
كما أنه شبيه بالحج، فمن لم يستطع أداء الحج من وقت بلوغه حتى مات فلا شيء عليه١.وقد نقل عن طاوس وقتادة، أنه يطعم عن كل يوم مسكين لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم.
ولكن رد عليهما، بأن الشيخ الهرم عامر الذمة بخلاف الميت الذي تنتهى ذمته بالموت عند أكثر الفقهاء، كما أن الشيخ الهرم من أهل العبادات بخلاف الميت الذي تنقطع أهليته بالموت٢.
الحالة الثانية: من فرط بترك القضاء حتى مات:
إذا عاد المسافر من سفره صحيحا واستمر كذلك ولم يحدث له مانع يمنعه من القضاء حتى أدركه الموت، فقد قال عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد. وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه.
_________________
(١) ١ المجموع ج ٦ ص ٣٤١، ٣٤٣، والزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦. ٢ المجموع ج ٦ ص ٣٤٣.
[ ٥٨ / ١٣٧ ]
إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله ١.
أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة.
وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان ٢.
وقد احتج لهذا الفريق الذي يرى الإطعام على من فرط حتى مات بما يلي:
١- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقض: قال: "يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر "٣.
قال البيهقي - بعد سرده لهذا الحديث - هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: رفعه الحديث للنبي ﷺ وإنما هو من قول ابن عمر.
والآخر: قوله نصف صاع وإنما قال ابن عمر: مدا من حطة ٤.
وقد نقل النووي كلام البيهقي هذا واحتج به٥.
لكن صاحب الجوهر النقي تعقب كلام في تضعيف هذا الحديث وقال: إن البيهقي فهم: أن محمدا، الذي روى عنه أشعث هو ابن أبي ليلى. وكذا صرح به الترمذي. وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. ثم قال: فإن صح هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى، فلقائل: أن يمنع الدعوى بوقف هذا الحديث على ابن عمر رضي الله عنهما٦.
ورواية ابن ماجة التي أشار إليها صاحب الجوهر النقي، جاءت بلفظ: " من مات وعليه شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " ٧.
_________________
(١) ١ فتح القدير للكمال ج ٢ ص ٣٥٨. ٢ المجموع ج ٦ ص ٣٤٣، والزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦، والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٤. ٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٠٤. وسنن الترمذي، ولفظه عنده: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا ج ٣ ص ٤٠٥ مع شرحه تحفة الأحوذي. ٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٤. ٥ المجموع ج ٤ ص ٢٥٤. ٦ الجوهر النقي على السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٦٥٤. ٧ سنن ابن ماجه ج ١ ص ٥٣٤.
[ ٥٨ / ١٣٨ ]
وقد نقل السندي تعليقا للمزي في الأطراف جاء فيه: قوله - يشير إلى ابن ماجه - عن محمد بن سيرين: وهم، فإن الترمذي: رواه ولم ينسبه ثم قال الترمذي. وهو عندي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ١.
ولا أدري هل المزي هو الواهم في نسبته ابن ماجه إلى الوهم، حيث اعتمد على تصريح الترمذي، بأن روايته للحديث عن طريق محمد بن عبد الرحمن ن فاعتبر أن كل طرقه تدور عليه وأن من روى خلاف ذلك، يعتبر واهما.
وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، بأن يكون ابن ماجه رواه عن طريق محمد بن سيرين، فيكون متابعا، وقد قال ابن ماجه قد وهم في نسبته إلى محمد بن سيرين. والله أعلم بالصواب.
٢- عن عبادة بن نسى ﵁ قال النبي ﷺ:" من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه "٢.
هذا الحديث في سنده ابن أرطأة وهو مدلس، فلا يصلح للاحتجاج به.
٣- عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح قال في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت، قال: ليس عليه شىء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة٣.
٤- روى الإطعام بسند صحيح عن عمر بن الخطاب والزهري والحسن والنخعي وعطاء٤.
أن الشخص المفرط في القضاء حتى مات مثله مثل الشيخ الفاني الذي عجز عن الصيام في آخر عمره فإنه يجب في حقه الإطعام ويسقط عنه الصوم وإنما جازت المماثلة هنا
_________________
(١) ١ حاشية السندي على ابن ماجة ج ١ ص ٥٣٤. وسنن الترمذي ج ٣ ص ٤٠٧ مع شرحه تحفة الأحوذي. ٢ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧. ٣ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧. ٤ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧، ٢٣٩
[ ٥٨ / ١٣٩ ]
لأن قضاء الصيام عن التراخي باتفاق أكثر الفقهاء ما عدا داود. الا أن بعضهم يوجب الفدية في حالة التفريط وبعضهم لا يوجبها١.
مقدار الفدية:
الفدية عند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضا عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر ٢.
أما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، اذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتاخرون منهم ٣.
أما الفرق الثاني: فيرى: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه.
وقد قال بذلك: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية ٤.
وقد استدل لهذا الفريق بما يلي:
١- حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: " من مات وعليه صيام، صام عنه وليه " ٥.
وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث بما روى عن عمارة بن عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم، قالت: يطعم عنها وروى عنها من وجه آخر عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم٦.
وقد أجاب البيهقي، بأن ما ذكر لا يوجب ضعفا في الحديث، فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر٧.
_________________
(١) ١ فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٤. ٢ فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٧. ٣ المجموع ج ٦ ص ٣٤٢. ٤ المغني ج ٣ ص ١٥٢. المجموع ج ٦ ص ٣٤٣. السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥. المصنف ج ٤ ص ٢٣٩. ٥ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٥. صحيح البخاري ج ١١ ص ٥٨ مع شرحه عمدة القارىء. ٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧. ٧ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.
[ ٥٨ / ١٤٠ ]
وقد عقب صاحب الجوهر على دعوى البيهقي في قوله: وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، فقال قد صح ذلك عنها، ثم ذكر ما جاء عند أبي جعفر الطحاوي بسنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة أن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها، فقالت: لا ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك، ثم قال: هذا سند صحيح١.
وقد قال بعض أهل العلم إذا أفتى الصحابي بغير ما روى عن رسول الله ﷺ فالعبرة بروايته لا بفتواه. وعلى ذلك فإرشاد عائشة ﵂ إلى الإطعام بدلا عن الصيام أو نهيها عن الصيام وأمرها بالإطعام لا يؤثر على صحة الحديث. وعلى قوة الاحتجاج به.
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها". قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى " ٢.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أيضا: " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال: "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق بالقضاء " ٣.
وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث، بما رواه عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه ٤.
وبما رواه البيهقي بسنده إلى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عباس في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر نذر. وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس ورواية أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في صيام شهر رمضان أطعم عنه وفي النذر قضى عنه وليه.
_________________
(١) ١ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٧ على السنن الكبرى. ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ٤٢ طبعة الهند. ٢ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٦. صحيح البخاري مع شرحه عمدة القارىء ج ١١ ص ٦١. ٣ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٥ وأشار إليه البخاري ج ١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القرىء إلاأنه قد جاء في هده الرواية عند البخاري وفي السنن الكبر بلفظ "وعليها صوم نذر " السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦ والبخاري ج١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القارىء. ٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.
[ ٥٨ / ١٤١ ]
ثم قال البيهقي: وفي نسبة ذلك إلى ابن عباس نظر١.
وقد أجاب صاحب الجوهر، على تشكك البيهقي حول نسبة الإطعام إلى ابن عباس بدلا من الصيام، بما رواه النسائي في سننه.. عن عطاء عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين خلا ابن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم٢.
ومن جهة أخرى، فإن الشافعي، قد اعتذر عن العمل بحديث ابن عباس الوارد في القضاء بالصيام عن الميت، وقال: إنه أشبه ألا يكون محفوظا. وذلك لأن الزهري قد حدث عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ: نذرا ولم يسمه ٣. مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس يغير ما في حديث عبيد الله، أشبه ألا يكون محفوظا، فإن قيل أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس وقيل نعم٤..
فقد أجيب عن ذلك بأن الظاهر تعدد القصة، أي أن القصة التي سئل فيها ﷺ عن الصوم تصريحا، غير قصة سعد بن عبادة التي سأل فيها عن المنذر مطلقا.ويتأيد ذلك بحديث عائشة في الصحيحين والذي أوردنا في صدر أدلة هذا الفريق.
٣- عن بريدة قال: بينا أنا جالس عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله: إني تصدقت على أبي بجارية، وأنها ماتت. فقال: "وجب أجرك وردها عليك بالميراث". قالت: يا رسول الله، انه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها ". قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها " ٥.
٤- عن ابن عباس ﵄: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فنجاها الله ﷾، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها " ورجاله رجال الصحيح٦.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧. ٢ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٧ على السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧، ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ١٤١. ٣ يشير بذلك إلى حديث ابن عباس " إن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال: "اقضه عنها ". السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦. ٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦. الام ج ٢ ص ٩٠ طبعة الشعب. ٥ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٦. ٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦، ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ١٤٠ طبعة الهند.
[ ٥٨ / ١٤٢ ]
أما الفريق الثالث: فيرى أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان.
وقد قال بهذا الرأي: أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس١.
ومن أهم الأدلة استند إليها هذا الفريق:
١- ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "من مات وعيه صيام صام عنه وليه" وقد أشرنا من قبل إلى أنه مروى في الصحيحين. إلا أن موضع الشاهد هنا: أن أبا داود بعد أن ذكر هذا الحديث في سننه عقبه بقوله: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل٢.
وهذا القول منه، تخصيص لعموم الحديث حتى يتفق مدلوله مع الأدلة الأخرى التي نص فيها على أن الميت إن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه والأصل في النصوص الشرعية العامة أنها تبقى على عمومها حنى تقوم قرينة تفيد التخصيص.
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" وقد أشرنا من قبل إلى أن هذه الرواية متفق عليها بين الشيخين بنفس اللفظ.
أما رواية ابن عباس الثانية " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق بالقضاء ".
وهذه الرواية جاءت في صحيح مسلم بهذا اللفظ إلا أنها عند البخاري - تعليقا - إن أمي ماتت وعليها صوم نذر"٣ وفي السنن الكبرى للبيهقي: عن ابن عباس: أن سعد بن
_________________
(١) ١ المغني ج ٣ ص ١٥٢. والمجموع ج ٦ ص ٣٤٣. والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥. ٢ سنن أبي داود ج ٧ ص ٤٠، ٤١ مع شرحه عون المعبود. ٣ صحيح البخاري ج ١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القارىء.
[ ٥٨ / ١٤٣ ]
عبادة استفتى رسول الله ﷺ، فقال: أن أمي ماتت وعليها نذر، فقال النبي ﷺ: " اقضه عنها " ١. والشاهد هنا، أن رواية البخاري، جاءت مبينة لنوع الصوم الذي كان يسأل عنه: وقد أمر بقضائه، وهو صوم النذر أي أن هذه الرواية بينت الإجمال الموجود في الرواية الأولى عند كل من البخاري ومسلم وأيضا الرواية عند مسلم.
٣- عن ابن عباس ﵄ قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح "ولم يصم" أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر (وإن نذر نذرا) (وإن كان عليه نذر) قضى عنه وليه ٢ وقد أشرنا من قبل إلى هذا القول المنسوب إلى ابن عباس وإلى أن هذا النقل صحيح عنه، وأوضح أنه موقوف عليه.
المختار: هو رأي الفريق الثالث: الذي يرى، أن من مات وعليه صيام من رمضان فإنه يطعم عنه. أما ان كان عليه صيام نذر فإنه يقضيه عنه وليه، وذلك لأنه رواية البخاري التي نص فيها على النذر وكذلك الرواية التي أخرجها البيهقي في قصة سعد بن عبادة وهي صريحة في السؤال عن صيام النذر، ثم ما روى ابن عباس وعائشة في هذا السبيل كل ذلك يعتبر مبينا للإجمال الموجود في حديث بريدة، كما أنه بهذا الرأي يمكن الجمع بين كل الدلة الواردة في الموضوع، والجمع بين الدلة والعمل بها كلها أولى من العمل ببعضها وإهدار بعضها الآخر. كما أنه بهذا القول، يمكن تفادي ما يترتب على القول الثاني: من دخول النيابة في صيام شهر رمضان وهو عبادة بدنية محضة واجبة من الشارع بخلاف النذر فقد أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه والدين تدخله النيابة. ولهذا قال ابن القيم عن هذا الأي: وهذا أعدل القوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال ٣. والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦. ٢ سنن أبي داود مع شرحها عون المعبود ج ٧ ص ٣٦. ٣ من تعليقه على سنن أبي داود ج ٧ ص ٣٧ مع شرحها عون المعبود.
[ ٥٨ / ١٤٤ ]