نقل عن أبي مجلز التابعي أن من أدركه الشهر مقيمًا فعليه أن يتمه مقيمًا صائمًا، ولا يسافر في أثنائه، فإنه إن سافر لزمه الصوم وحرم عليه الفطر١.
وما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني -بفتح العين-: من سافر في رمضان وكان قد صام أوله مقيما فليصم آخره، ألا تسمع أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة/١٨٥) .
كما نقل هذا القول أيضا عن سويد بن غفلة٢.
وما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، أن أم ذر دخلت على عائشة تسلم عليها وذلك في رمضان فقالت لها عائشة: "أتسافرين في رمضان؟ ما أحب أن أسافر في رمضان، ولو أدركني وأنا مسافرة لأقمت"٣.
وما نقله أيضا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال علي ﵁: "لا أرى الصوم عليه -أي على من بدأه مقيمًا صائماُ- إلا واجبًا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤.
وقد نقل البيهقي الأثر السابق عن عبيدة السلماني بسنده.. إلى أبي البختري بنفس اللفظ السابق تقريبًا إلا أنه عقبه بقول أبي البختري: قال ابن عباس -وكان أفقه منا- من شاء صام ومن شاء أفطر٥.
وقد حرصت على نقل أسماء القائلين بهذا الرأي مع ذكر وجهتهم بالسند الصحيح إليهم، لأن ما ذكر عن هذا الرأي وعن القائلين به ووجهتهم لم يكن محققًا، ولنأخذ على سبيل المثال ما ذكره صاحب الفتح نقلًا عن ابن المنذر "روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما، ونقله النووي، عن أبي مجلز وحده"٦.
واضح من رجال السند إلى علي ﵃ أنهم ثقات: فقد قال الحافظ ابن حجر في كل من معمر وقتادة: إنه ثقة ثبت٧ وأما عبد الرزاق صاحب المصنف فهو معروف. وقد
_________________
(١) ١ المجموع ج ٦ ص ٢١٦- مطبعة المدني بالقاهرة. ٢ المجموع ج ٦ ص ٢١٦. ٣ المصنف ج ٤ ص ٢٧٠ الطبعة الأولى. المكتب الإسلامي ببيروت. ٤ المصنف ج ٤ ص ٢٦٩. ٥ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٤٦ -دار الفكر. ٦ فتح الباري ج ٥ ص ٨٣ مطبعة مصطفى الحلبي. ٧ تقريب التهذيب ج ٢ ص١٢٣، ٢٦٦ دار المعرفة ببيروت.
[ ٤٩ / ٨٧ ]
قال فيه ابن حجر: إنه ثقة حافظ١. كما أن النووي لم يقتصر في نقله عن أبي مجلز وحده، بل نقله أيضًا عن أبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
ويتلخص مستند هذا الفريق في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . ووجه الدلالة، أن من شهد الشهر حاضرًا مقيمًا وجب عليه صومه، ولفظ الشهر يطلق على الكل وعلى البعض، فيكون المعنى، فمن شهد منكم الشهر -كله أو بعضه- حاضرًا مقيمًا صائمًا فإنه يجب عليه تكملة صيامه سواء أكمله حاضرًا أم مسافرًا.
ولكن الجمهور: يرون أن المعنى أن من أدرك الشهر أي حضره كله حاضرًا غير مسافر وجب عليه صومه. وأما المسافر فله حكم آخر جاء به في الجزء التالي في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية٢.
ولكني أرى -والله أعلم- أن المعنى: أن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه سواء شهده مقيمًا أو مسافرًا، صحيحًا أو مريضًا، ثم استثنى الله ﷾ من هذا العموم المريض والمسافر واختصهما بحكم خاص بهما، وهو إباحة الفطر لمن شاء منهما على أن يقضيه بعد ذلك في أيام أخر.
وهذا المعنى وإن كان يتفق مع المعنى الذي قصده الجمهور. لكنه يختلف عنه من حيث الدلالة فإن الآية على تقدير الجمهور: نزلت بحكمين مختلفين كل جزء منها نزل بحكم خاص منقطع الصلة عن الجزء الآخر، الجزء الأول نزل بحكمٍ للمقيم والصحيح، والجزء الآخر نزل بحكمٍ للمسافر والمريض. مع أن لفظ (من) في قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ بفيد العموم، و(شهد الشهر) بمعنى حضره أي أدركه، وكل حي موجود يدرك هذا الشهر لا فرق بين مقيم ومسافر وصحيح ومريض، فمن أين لهم قصر معنى (من) على بعض الأفراد وهم المقيمون دون غيرهم ممن أدرك الشهر.
ويمكن أن يعتذر لهم بأنهم لجأوا إلى هذا التقدير ليتفقوا مع ما قاله أهل اللغة في الآية، فقد جاء في لسان العرب: تعليقًا على الآية السابقة: "معناه: من شهد منكم المصر في الشهر -لا يكون إلا ذلك٣- لأن الشهر يشهده كل حي فيه، قال الفراء: الشهر نصب بنزع الصفة ولم ينصب بوقوع الفعل عليه، المعنى: فمن شهد منك في الشهر أي كان حاضرًا غير غائب في سفرة"٤ والتكلف هنا ظاهر.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ج ١ ص ٥٠٥. ٢ تفسير فتح القدير للشوكاني ج١ ص١٨٢ درا المعرفة ببيروت. ٣ الإشارة إلى المعنى الذي قدره. ٤ لسان العرب ج٤ ص٢٢٧ مادة شهد.
[ ٤٩ / ٨٨ ]
أما على تقدير: بأن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه إلا المسافر والمريض فقد رخص لهما في فطره، فهو متفق مع سياق المعنى في الآية، وربما يعترض على هذا التقدير: بالصبي والمجنون ونحوهما من غير المكلفين إذ هم يشهدون الشهر، ومع ذلك لا يجب عليهم صومه، فيجاب عن ذلك: بأن أمثال هؤلاء يخرجون من الوجوب بنصوص أخرى، مثل قوله ﷺ في الحديث المشهور: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ" وغيره.
وعلى فرض أن الآية تحتمل التأويلين، فإن الرسول ﷺ قد بين المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائمًا حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال الزهري -في رواية أخرى لحديث ابن عباس السابق-: "فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان"١.
وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري -ولعله في غزوة بدر- قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"٢.
وفعله ﷺ في غزوة الفتح -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة لما جاء في حديث ابن عباس السابق -في رواية ثالثة له-: "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"٣.
فهذه الأحاديث الواردة في محل النزاع تقطع كل احتمال يتوهمه البعض من الآية وترفع كل لبسة قد يحوم حول دلالتها على عموم الرخصة، سواء لمن شهد بداية الشهر مقيمًا أو مسافرًا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر/٧)، وقال جل من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل/٤٤) .
لذلك كان هذا هو الرأي المختار والله أعلم.
أما ما نقل عن علي ﵁ من القول بوجوب إتمام الشهر صائمًا فلعله كان
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٣ ص١٤١ دار التحرير - القاهرة. ٢ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢. ٣ مسلم ج٣ ص١٤٠.
[ ٤٩ / ٨٩ ]
اجتهادًا منه، ومعلوم أن النص الثابت عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أقوى من اجتهاد الصحابي مهما كان قدره.
ومما يقوي أنه كان اجتهادًا منه، إشارته للآية بعد قوله بالوجوب مما يدل على أن ذلك كان استنباطًا منه للحكم من نص الآية. وقد قلنا: إن الآية وإن كان فيها احتمال لكن السنة قد رفعت عنها هذا الاحتمال.
أما ما نقل عن السيدة عائشة ﵂ من كراهتها للسفر في رمضان، فلما في صومه من عظيم الثواب، وما في قيام ليله من المغفرة والرحمة فالمسافر وإن رخص له في الفطر، لكنه سيفوته ثواب الصيام في نفس الشهر، وسيفوته قيام ليله المؤدي للمغفرة والرحمة، مما ينبغي الحرص عليه.
وهذا في حق من كان يمكنه تأجيل سفره، أما من كان لا يمكنه، وكان التأجيل سيترتب عليه ضرر كبير على المسلم في أهله أو ماله، فليس هناك ما يمنعه، وما قلناه في حق علي ﵁، يقال فيما نقل عن عبيدة السلماني وغيره من التابعين رضي الله تعالى عنهم.
[ ٤٩ / ٩٠ ]