(أ) يتبين من هذه النقول لأول وهلة أن مسألة تحديد المسافة، التي هي مناط الرخصة في القصر والفطر، ليست سهلة كما يظن بعض أهل العلم من المعاصرين، بل هي مسألة قد تباينت فيها آراء السلف تباينا كبيرا، فقد ترواحت تقديراتهم من ثلاثة أميال إلى مسيرة ثلاثة أيام كما أوضحتها هذه النقول:-
(ب) إن تحديد هذه المسافة هي مناط الرخصة في القصر والفطر، فما يصلح دليلا لقصر الصلاة يصير تلقائيا دليلا على تحقق رخصة الفطر في السفر، فقد قال عطاء: تفطر إذا قصرت وتصوم إذا أوفيت الصلاة ٤.
كما صرح بذلك كثير من أهل العلم ٥.
(جـ) كثرة هذه الآراء في تحديد مسافة الفطر في السفر تشير بوضوح إلى أنه لم يرد دليل صريح من السنة يحدد هذه المسافة التي تناط فيها الرخصة، وكل ما ورد في ذلك، أمران:
أولهما: ما ورد في غزوة الفتح من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ "خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال:" أولئك العصاة أولئك العصاة " ٦.
_________________
(١) ١ المصنف جـ ٢ص ٥٢٤ والسنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧. ٢ الموطأ جـ١ ص ٢٩٩ من شرح الزرقاني عليه. والمصنف جـ ٢ص ٥٢٣. السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧. ٣ السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧. ٤ المصنف جـ ٣ص ٢٧٠. ٥ المجموع جـ ٦ص ٢١٧ ونيل الأوطار جـ ٤ص ٢٥٣ والمحلى جـ ٦ص ٣٦٥ ٦ صحيح مسلم جـ ٣ص ١٤١. والكراع بضم الكاف وفتح العين، واد أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا الكراع وهو جبل أسود متصل به، والكراع: كل أنف سال من جبل أو حرة. شرح عمدة القارئ جـ ١١ص ٤٦ دار الفكر.
[ 50 - 51 / ١٢٣ ]
قال القاضي عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر ﷺ فيه، والكل في قضية واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عسفان ١. يشير القاضي عياض إلى رواية ابن عباس السابقة والتي تفيد أنه أفطر بالكديد. وهذه الرواية التي تنص على أنه أفطر بكراع الغميم وغير ذلك من الروايات، إلا أن هذه الاختلافات لا تأثير لها على الحكم؛ لأن هذه المواضع كلها كما قالت القاضي عياض: من عمل عسفان، وعسفان على سبعة مراحل من المدينة المنورة، وقد ظل ﷺ صائما منذ خروجه من المدينة حتى أفطر قرب عسفان، ولا يمكن أن تعتبر هذه المسافة هي مناط الرخصة؛ لعدم وجود ما يدل على نفي الفطر فيما دونها، ولما ثبت أن الرسول ﷺ قد عمل بالرخصة في الصلاة عند وصوله إلى ذي الحليفة، خارجا من المدينة، ومقدار المسافة التي تناط بها الرخصة في الصلاة والصوم واحدة.
الأمر الثاني: ما ورد من حديث أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين" ٢. وقد فهم منه أكثر العلماء: على أن هذه المسافة هي ابتداء العمل بالرخصة يعني أن الرسول ﷺ كان إذا خرج من المدينة إلى سفر بعيد كان يبدأ القصر للصلاة بعد مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ من المدينة ٣، وسيأتي لهذا الحديث مزيد بيان أثناء الكلام على رأي الظاهرية في تحديد مسافة القصر. إن شاء الله.
(د) بناء على ما سبق يمكن القول: أن الاجتهاد من الصحابة ﵃ كان له مجال في تحديد هذه المسافة التي تناط بها الرخصة، فمنهم من اعتمد على عموم لفظ السفر في الآية فأجاز الأخذ بالرخصة مطلقا، ومنهم من أخذ ببيان المراد من السفر من وقائع أخرى: مثل قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وبن عمر ﵃: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم" ٤، فاعتبر مسيرة اليوم والليلة، هي التي يطلق عليها اسم السفر التي تناط به الرخصة وهكذا.
(هـ) اختلاف السلف على هذا النحو المتقدم انعكس أثره على مواقف أهل العلم من الأئمة المجتهدين فيما بعد والذي سنبينه فيما يلي:-
_________________
(١) ١شرح عمدة القارئ جـ ١١ص ٤٦. ٢ صحيح مسلم جـ ٢ص ١٤٥. ٤ نيل الأوطار جـ ٣ص ٢٣٤. ٤ صحيح مسلم جـ٤ ص١٠٣، صحيح البخاري جـ١٣ ص١٢٨ ص١٢٩ مع شرحه عمدة القارئ.
[ 50 - 51 / ١٢٤ ]