وأما أدلة السنة فمنها:
الدليل الأول: قوله ﷺ: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم» (١) . رواه أحمد.
قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح. وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ، نفى الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة إذا نظر من مخطوبته بشرط أن يكون نظره للخطبة، فدل هذا على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى الأجنبية بكل حال، وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع به نحو ذلك.
فإن قيل: ليس في الحديث بيان ما ينظر إليه. فقد يكون المراد بذلك نظر الصدر والنحر فالجواب أن كل أحد يعلم أن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه وما سواه تبع لا يقصد غالبًا. فالخاطب إنما ينظر إلى الوجه لأنه المقصود بالذات لمريد الجمال بلا ريب.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد ٢٤٠٠٠
[ ١٧ ]
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب فقال النبي ﷺ: «لتلبسها أختها من جلبابها» (١) . رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة أن لا تخرج المرأة إلا بجلباب، وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج. ولذلك ذكرن ﵅ هذا المانع لرسول الله ﷺ، حينما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد فبين النبي ﷺ، لهن حل هذا الإشكال بأن تلبسها أختها من جلبابها ولم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب، مع أن الخروج إلى مصلى العيد مشروع مأمور به للرجال والنساء، فإذا كان رسول الله ﷺ، لم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب فيما هو مأمور به فكيف يرخص لهن في ترك الجلباب لخروج غير مأمور به ولا محتاج إليه؟! بل هو التجول في الأسواق والاختلاط بالرجال والتفرج الذي لا فائدة منه. وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر. والله أعلم.
الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ، يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس (٢) . وقالت: لو رأى رسول الله ﷺ، من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها. وقد روى نحو
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الحيض باب شهود الحائض العيدين ٣٢٤ ومسلم كتاب صلاة العيدين باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى ٨٩٠.
(٢) أخرجه البخاري كتاب الصلاة باب في كم تصلي المرأة من الثياب ٣٧٢ ومسلم كتاب المساجد باب استحباب التكبير بالصبح ٦٤٥.
[ ١٨ ]
هذا عبد الله بن مسعود ﵁. والدلالة في هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون، وأكرمها على الله ﷿، وأعلاها أخلاقًا وآدابًا، وأكملها إيمانًا، وأصلحها عملًا فهم القدوة الذين ﵃ وعمن اتبعوهم بإحسان، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . (التوبة: ١٠٠) . فإذا كانت تلك طريقة نساء الصحابة فكيف يليق بنا أن نحيد عن تلك الطريقة التي في اتباعها بإحسان رضى الله تعالى عمن سلكها واتبعها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ . (النساء: ١١٥) .
الثاني: أن عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن مسعود ﵄ وناهيك بهما علمًا وفقهًا وبصيرة في دين الله ونصحًا لعباد الله أخبرا بأن رسول الله ﷺ، لو رأى من النساء ما رأياه لمنعهن من المساجد، وهذا في زمان القرون المفضلة تغيرت الحال عما كان عليه النبي ﷺ، إلى حد يقتضي منعهن من المساجد. فكيف بزماننا هذا بعد نحو
[ ١٩ ]
ثلاثة عشر قرنًا وقد اتسع الأمر وقل الحياء وضعف الدين في قلوب كثير من الناس؟!
وعائشة وابن مسعود ﵄ فهما ما شهدت به نصوص الشريعة الكاملة من أن كل أمر يترتب عليه محذور فهو محظور.
الدليل الرابع: أن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخينه شبرًا» . قالت إذن تنكشف أقدامهن. قال: «يرخينه ذراعًا ولا يزدن عليه» (١) . ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة ﵃، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب. فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه.
الدليل الخامس: قوله ﷺ: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» . رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي (٢) . وجه الدلالة من هذا الحديث أنه يقتضي أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز مادام في
_________________
(١) أخرجه الترمذي أبواب اللباس باب ما جاء في ذيول النساء ١٧٣١ والنسائي كتاب الزينة ذيول النساء ٥٣٣٨ وقال الترمذي حسن صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٢٧٠٠٦ وأبو داوود كتاب العتق باب في المكاتب يؤدي بعض كتابه فيعجز أو يموت ٣٩٢٨ والترمذي أبواب البيوع باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي ١٢٦١ وابن ماجة أبواب العتق باب المكاتب ٢٥٢٠.
[ ٢٠ ]
ملكها فإذا خرج منه وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيًا فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبي.
الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول ﷺ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها. (١) فإذا جاوزونا كشفناه»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ففي قولها: «فإذا جاوزونا» تعني الركبان «سدلت إحدانا جلبابها على وجهها» دليل على وجوب ستر الوجه لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفًا. وبيان ذلك أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عن الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام، وقد ثبت في الصحيحين وغيرها أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفازين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن. فهذه ستة أدلة من السنة على وجوب احتجاب المرأة وتغطية وجهها عن الرجال الأجانب أضف إليها أدلة القرآن الأربعة تكن عشرة أدلة من الكتاب والسنة.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد ٢٤٥٢٢ وأبو داوود كتاب المناسك باب في المحرمة تغطي وجهها ١٨٣٣.
[ ٢١ ]