الفصل الرابع
في أحكام الحيض للحيض أحكام كثيرة تزيد عن العشرين نذكر منها ما نراه كثير الحاجة فمن ذلك:
الأول: الصلاة: فيحرم على الحائض الصلاة فرضها ونفلها ولا تصح منها وكذلك لا تجب عليها الصلاة إلا أن تدرك من وقتها مقدار ركعة كاملة فتجب عليها الصلاة حينئذ سواء أدركت ذلك من أوله: امرأة حاضت بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها إذا طهرت قضاء صلاة
[ ٢١ ]
المغرب لأنها أدركَتْ من وقتها قدر ركعة قبل أن تحيض.
ومثال ذلك من آخره: امرأة طَهُرَتْ من الحيضِ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فيجبُ عليها إذا تَطهَّرَتْ قضاء صلاة الفجر، لأنها أدْرَكَتْ من وقتها جزءًا يتسعُ لركعة.
أما إذا أدْرَكَتْ الحائض من الوقت جزءًا لا يتسع لركعة كاملة، مثل أن تحيضَ في المثال الأول بعد الغروب بلحظة أو تَطْهُرَ في المثال الثاني قبل طلوع الشمس بلحظة، فإن الصلاة لا تجبُ عليها، لقول النبي - ﷺ -: «من أدركَ ركعة من الصلاة فقد أدركَ الصلاة» . متفق عليه، فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يكنْ مدركًا للصلاة.
وإذا أدركَتْ ركعة من وقت صلاة العصر فهل تجبُ عليها صلاة الظهر مع العصر، أو ركعة من وقت صلاة العشاء الآخرة، فهل تجبُ عليها صلاة المغرب مع
[ ٢٢ ]
العشاء؟
في هذا خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا يجبُ عليها إلا ما أدركتْ وقته، وهي صلاة العصر والعشاء الآخرة فقط. لقوله - ﷺ -: «من أدركَ ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» . متفق عليه، لم يقلْ النبي - ﷺ -: فقد أدرك الظهر والعصر ولم يَذْكُرْ وجوب الظهر عليه، والأصل براءة الذِّمَّة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك حكاه عنهما في شرح المهذب (١) .
وأما الذكر والتكبير والتسبيح والتحميد، والتسمية على الأكل وغيره، وقراءة الحديث والفقه والدعاء والتأمين عليه واستماع القرآن فلا يحرمُ عليها شيء من ذلك، فقد ثبتَ في الصحيحين وغيرهما، «أن النبي - ﷺ - كان يتكئ في حِجْر عائشة (﵂) وهي حائض فيقرأ القرآن» .
_________________
(١) شرح المهذب ٣: ٧٠.
[ ٢٣ ]
أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض يعني إلى صلاة العيدين وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيَّض المصلّى» .
فأما قراءة الحائض القرآن بنفسها فإن كان نظرًا بالعين أو تأملًا بالقلب بدون نطق باللسان فلا بأس بذلك مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فتنظر إلى الآيات وتقرأها بقلبها. . قال النووي في شرح المهذب " جائز بلا خلاف". وأما إن كانت قراءتها نطقًا باللسان فجمهور العلماء على أنه ممنوع وغير جائز وقال البخاري وابن جرير الطبري وابن المنذر هو جائز وحكي عن مالك وعن الشافعي في القول القديم حكاه عنهما في فتح الباري. وذكر البخاري تعليقًا عن إبراهيم النخعي لا بأس أن تقرأ الآية. .
[ ٢٤ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى مجموعة ابن قاسم " ليس في منعها من القرآن سنة أصلًا فإن قوله «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وقد كان النساء يحضن في عهد النبي ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما يقولونه في الناس فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا مع العلم أنه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم" اهـ. والذي ينبغي بعد أن عرفنا نزاع أهل العلم أن يقال الأولى للحائض أن لا تقرأ القرآن نطقًا باللسان إلا عند الحاجة لذلك مثل أن تكون معلمة
[ ٢٥ ]
فتحتاج إلى تلْقين المتعلمات، أو في حال الاختبار فتحتاجُ المتعلمة إلى القراءة لاختبارها أو نحو ذلك.