[ص ٢] وفي "المسند" و"سنن الترمذي" (^١) من حديث علي: " ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي مُحسِّر، فقَرَع ناقته، فخَبَّتْ به حتى جاوز الوادي". لفظ الترمذي، وقال: "حسن صحيح".
في هذه الأحاديث أن النبي - ﷺ - خصَّ واديَ مُحسِّر دون ما قبله وما بعده بأن قرعَ ناقتَه فيه لِتُسرِع فوق العادة، ولم يكن لذلك سببٌ طبيعي، ففهمَ الصحابة ﵃ أن ذلك لأمرٍ شرعي، وأن مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان، ولذلك نَصُّوا عليه وفاءً بما أُمِروا به من التبليغ، وعَمِلوا به بعد النبي - ﷺ -، جاء ذلك عن عمر وابن عمر، وأخذتْ به الأمة، فهو سنة ثابتة.
وهل يُشرَع مثلُ ذلك الإسراع عند المرور بمُحسِّر في الطلوع إلى عرفةَ وعند المرور به في غير الحج؟ لم أجِدْ دليلا خاصًّا على ذلك، وقد يُستدلّ على عدمه بأنه لم يُنقَل أنه - ﷺ - أسرعَ فيه عند طلوعه إلى عرفة، وقد يُدفَع هذا باحتمال أنه عند الطلوع لم يكن قد أمر بالإسراع، فتركَه لأنه لم يكن مشروعًا حينئذٍ، أو لعله أسرعَ ولم يُنقَل ذلك؛ لأنهم لم يَعتنُوا ببيان سَيْرِه في طلوعه كما اعتنَوا ببيان سيره في نزوله، واكتفاءً بدلالة إسراعه به في نزوله على أن الإسراع فيه مشروعٌ مطلقًا. فما هذه الدلالة؟ مدارها على المعنى الذي لأجله شُرِع الإسراعُ، وفي ذلك أقوال:
الأول: أن ذلك الوادي مأوًى للشياطين، وكأن هذا مأخوذ من قصة الوادي الذي نام فيه النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الصبح، فلما استيقظوا وقد طلعت الشمسُ أمرهم بالخروج منه، وعلَّل ذلك بأن فيه شيطانًا،
_________________
(١) "المسند" (٥٦٢) والترمذي (٨٨٥).
[ ١٧ / ٥١٤ ]
فاقْتادُوا رواحلَهم حتى خرجوا منه، فصلَّى بهم (^١).
ويردُّ هذا أن الخروج إنما كان لمصلحة الصلاة، لا لكراهية الكون في الوادي، فقد باتوا فيه وناموا. وأيضًا فلم يُسرِع، ولا أمرهم بالإسراع في خروجهم.
الثاني: أن النصارى كانوا يقفون بمُحسِّر، فأوضعَ النبي - ﷺ - مخالفةً لهم. وكأنّ هذا مأخوذ مما رُوِي أن عمر قال وهو يُوضِعُ:
إليك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُها
مُعترِضًا في بطنِها جنينُها
مخالفًا دينَ النصارى دينُها (^٢)
ولا يخفى أن هذا لا يدلُّ على أن النصارى كانوا يقفون بمحسِّر، ويكفي في معنى البيت مخالفةُ النصارى في شركهم وعدمِ حجِّهم. وأيضًا فلو ثبت أنهم كانوا يقفون به فالمخالفةُ تحصلُ بعدم الوقوفِ، فلا تقتضي الإسراعَ.
الثالث: أن المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم. وكأن هذا مبنيٌّ على الذي قبله، ولكن لما كانت دعوى وقوف النصارى لا سندَ لها أبدلوا بالمشركين، لأنه قد رُوِي ما يُشبه ذلك (^٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨٠) وغيره من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه الشافعي في "الأم" (٣/ ٥٥٢) وابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٥٨٨٩، ٢٦٥٦٤). والأبيات بلا نسبة في "اللسان" (قلق، وضن).
(٣) انظر ما رُوي في هذا الباب في "الدر المنثور" (٢/ ٤٤٤ ــ ٤٤٦).
[ ١٧ / ٥١٥ ]
ويردُّه أنه إذا كانت الآية تشير إلى ذلك فإنها تشير إلى أن ذلك كافٍ عند قضاء المناسك، وأكثر الروايات توافق ذلك، وأنهم كانوا يتفاخرون بمنى، وفي بعضها: عند الجمرة، وفي بعضها: يوم النحر. وليس في الروايات ذِكرٌ لمُحسِّر. وأيضًا فمخالفتهم في ذلك لا تقتضي الإسراع.
الرابع: وهو المشهور أن وادي مُحسِّر موضعٌ نزل به عذاب، قال ابن القيم في "الهَدْي" (^١): "فلما أتى بطنَ محسِّر حرَّك ناقته وأسرعَ السير، وهذه كانت عادتَه في المواضع التي نزلَ فيها بأسُ الله بأعدائه، فإنَّ هنالك أصاب أصحابَ الفيل ما قصَّ الله علينا، ولذلك سُمِّي ذلك الوادي وادي مُحسِّر، لأن الفيل حَسُرَ فيه، أي أعيا وانقطع عن الذهاب. وكذلك فعلَ في سلوكه الحِجْرَ وديارَ ثمود، فإنه تَقنَّع بثوبه وأسرع السيرَ (^٢)، ومُحسِّر برزخ ". وسيأتي بقية عبارته.
وهذا القول مقبول، وشاهده ــ وهو الإسراع في أرض ثمود ــ منقول، ووَجِيهٌ أن يُكرَه الكونُ بمنازل غضب الله ﷿ فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، كما يُستَحَبّ الكونُ واللبثُ بمنازل بركة الله ﷿ كمكة والمدينة. ولا يَخدِشُ في هذا الوجه الوجيه أن نجهل ما هو العذاب الذي نزلَ بمُحسِّر، فإنّ ما ذكروه من أنه عذاب أصحاب الفيل، وأن الفيل حُبِسَ هناك، متعقَّب بأن المعروف في الأخبار والأشعار والآثار أن ذلك كان بالمغمَّس (^٣) حذاءَ عرفة، [ص ٣] وأن الفيل حُبِس دون الحرم، لكن لا مانع
_________________
(١) "زاد المعاد" (٢/ ٢٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٨٠) ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر.
(٣) انظر "سيرة ابن هشام" (١/ ٤٧، ٤٨) و"تاريخ الطبري" (٢/ ١٣٢).
[ ١٧ / ٥١٦ ]