أن تكون طليعة من أصحاب الفيل تقدَّمت الفيلَ والجيشَ فبلغتْ مُحسِّرا. وقيل: إن العذاب هو أن رجلًا اصطادَ فيه، فنزلتْ نار فأحرقتْه. وقد علمتَ أن وجاهة القول الرابع لا يَخدِش فيها الجهلُ بتعيين العذاب.
وإذا كان ذاك المعنى هو المتجه فلا ريبَ أن اقتضاءه للإسراع في مُحسِّر كراهيةُ الكون به فوق ما لا بُدَّ منه من المرور السريع، لا يختص بالحاجّ المفيض من مزدلفة، فيُلْحَق به غيره استنباطًا، والله أعلم.
فصل
إذا ثبت أن مُحسِّرًا يُكرَه الكون به فوق ما لابدَّ منه من المرور السريع، وجب أن لا يكون من البقعة التي شُرِعت فيها البيتوتةُ لياليَ التشريق، والكون بها بقيةَ نهار الثامن وليلة التاسع ويوم النحر وأيام التشريق، وهي منى، فلا يكون مُحسِّر من منى في الحكم، فأما في الاسم فقد جاء ما يدل على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدل على أنه من منى في الاسم، وجاء ما يدل على أنه ليس من منى ولا مزدلفة.
فأما الأول: فأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (^١) عن زيد بن أسلم عن النبي - ﷺ - قال: "عرفةُ كلها موقفٌ إلا عُرَنَة، وجَمْعٌ كلها موقف إلا مُحسِّرًا". وأخرج (^٢) عن ابن الزبير: "كلُّ مزدلفةَ موقفٌ إلا واديَ مُحسِّر". وعن عروة
_________________
(١) (٣/ ٥٢١)، وهو مرسل.
(٢) أي ابن جرير في "تفسيره" (٣/ ٥٢١). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٧٩).
[ ١٧ / ٥١٧ ]
ابن الزبير (^١) مثله. وخبر عبد الله بن الزبير في "الموطأ" (^٢) عن هشام بن عروة عنه.
والأصل في الاستثناء الاتصال، فيكون محسِّر داخلًا في مزدلفةَ في الاسم خارجًا عنها في الحكم. فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضًا.
فإن قيل: قضية هذا أن تكون عُرَنَة داخلةً في اسم عرفة وإن خرجت عنها في الحكم.
قلت: لا مانعَ من هذا، بل يشهد له ما ذكره صاحب "القِرى" (^٣) وغيره بعد ذكر تحديد ابن عباس لعرفة أنه يدخل فيها عُرنة، ويوافقه حديث ابن عمر في "المسند" و"سنن أبي داود" (^٤): "غدا رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفةَ، فنزل بنَمِرَة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة ". ونَمِرة من عُرَنة.
وأما الثاني: فيدلُّ عليه ما في "المسند" و"صحيح مسلم" و"سنن النسائي" (^٥) من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي مَعبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن أخيه الفضل ــ وكان رديفَ رسول الله - ﷺ - ــ أنه قال عشيةَ عرفة وغداةَ جَمْعٍ للناس حين دَفَعوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كافٌّ
_________________
(١) "تفسير ابن جرير" (٣/ ٥٢١).
(٢) (١/ ٣٨٨).
(٣) "القرى لقاصد أم القرى" (ص ٣٤٦، ٣٤٧).
(٤) "المسند" (٦١٣٠) و"سنن أبي داود" (١٩١٣). وإسناده حسن.
(٥) "المسند" (١٧٩٦) و"صحيح مسلم" (١٢٨٢) والنسائي (٥/ ٢٥٨).
[ ١٧ / ٥١٨ ]
ناقتَه حتى دخل مُحسِّرًا ــ وهو من منى ــ قال: "عليكم بحصى الخَذْف الذي يُرمَى به الجمرة"، وقال: لم يزل رسول الله - ﷺ - يُلبِّي حتى رمى الجمرة. لفظ مسلم. وفي "المسند" و"سنن النسائي": "حتى إذا دخل".
ثم ساقه مسلم (^١) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير، ولم يسق المتنَ، وقد ساقه الإمام أحمد في "المسند" (^٢)، وفيه: "حتى إذا دخل منًى حين هبط محسِّرًا قال: عليك بحصى الخَذْف ".
ولم يكن مقصود الفضل إلا الإخبار بما كان من النبي - ﷺ - في مَسِيره من المزدلفة إلى جمرة العقبة، بدون نظرٍ إلى حكم البيتوتة، فغايةُ ما يُؤخذ من خبره أن مُحسِّرًا من منًى في الاسم. ومسلم أخرج هذا الحديث في "صحيحه" في أحاديث استدامة التلبية إلى رمي جمرة العقبة، ولم يُخرِجه في الموضع الذي يتعلق بحكم البيتوتة، وبين الموضعين أربعة عشر بابًا في تبويب النووي.
ولم أجد هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير، وقد رواه جماعة غير أبي معبد عن ابن عباس، ورواه جماعة غير ابن عباس عن الفضل، ولم أرَ في شيء من رواياتهم هذه الكلمة أو معناها أن مُحسِّرًا من منى. وأبو الزبير وثَّقه جماعة، وليَّنه آخرون. قال الشافعي: "أبو الزبير يحتاج إلى دعامة" (^٣).
_________________
(١) رقم (١٢٨٢).
(٢) رقم (١٧٩٤).
(٣) انظر "تهذيب التهذيب" (٩/ ٤٤١).
[ ١٧ / ٥١٩ ]
وقد لا يبعد أن تكون كلمة "وهو من منى" ــ وهي في الرواية التي اتفق على إخراج لفظها الإمام أحمد ومسلم والنسائي ــ مدرجةً من قول أبي الزبير، وأن راوي الرواية الأخرى خفي عليه الإدراجُ، وروى بالمعنى. والله أعلم.
[ص ٤] وأما الثالث: وهي أن مُحسِّرًا ليس داخلًا في اسم منى ولا اسم مزدلفة فهو المشهور، وفي "تاريخ الأزرقي" (ج ٢ ص ١٥٥) (^١): "حدثني جدّي، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قلت لعطاء: وأين المزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا أفضْتَ من مأزِمَيْ عرفةَ فذلك إلى مُحسِّر ".
وفيه (ص ١٣٩) (^٢) بهذا السند عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين منى؟ قال: من العقبة إلى محسِّر. قال عطاء: فلا أحِبُّ أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسِّر. وهو خبر واحد قطعَه.
وقد روى ابن جرير في "تفسيره" (^٣) القطعة الأولى: "حدثنا هناد قال: ثنا ابن ابي زائدة قال: أنا ابن جريج قال: قلت لعطاء ". وسنده صحيح.
فأما سند الأزرقي ففيه مسلم بن خالد فيه لين، لكنه فقيه مكة في عصره، وهذا الحكم مما يُعنَى به فقهاء مكة. وشيخه ابن جريج إمام، وهو فقيه مكة في عصره أيضًا، وهو ممن روى حديث أبي الزبير السابق، وكأنه لم يُعوِّل على ما فيه مما يدل أن محسِّرًا من منى. وعطاء إمام، وهو فقيه مكة في
_________________
(١) "أخبار مكة" (٢/ ١٩١، ١٩٢) ط. رشدي ملحس.
(٢) (٢/ ١٧٢).
(٣) (٣/ ٥١٩).
[ ١٧ / ٥٢٠ ]
عصره، وروى عن ابن عباس حديثَ الفضل وغيره.
ثم جاء فقيه عصره الإمام الشافعي، وهو مكي أخذ عن مسلم بن خالد وغيره، قال في "الأم" (ج ٢ ص ١٧٩) (^١): "والمزدلفة من حين يُفضِي من مأزِمَيْ عرفة ــ وليس المأزمان من مزدلفة ــ إلى أن يأتي قرنَ مُحسِّر". وقال (ص ١٨٢) (^٢): "ومِنًى ما بين العقبة ــ وليست العقبة من منى ــ إلى بطن محسِّر، وليس بطنُ مُحسِّر من منى".
وهذا القول أعني أن محسِّرًا ليس من المزدلفة ولا من منى، هو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابن حزم في "المحلَّى" (ج ٧ ص ١٨٨): المسألة ٨٥٣: "وعرفة كلها موقف إلا بطنَ عُرَنة، ومزدلفة كلها موقف إلا بطنَ مُحسِّر، لأن عرفة من الحلّ، وبطن عُرَنة من الحرم فهو غير عرفة، وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام وهي من الحرم، وبطن محسِّر من الحلّ فهو غير مزدلفة".
ولا ريب أن منى عنده من الحرم، فهي غير محسِّر الذي هو عنده من الحلّ. وقد أغربَ في زعمه أن بطن عُرَنة من الحرم، وأغربُ من ذلك زعمُه أن محسِّرًا من الحلّ. احتجّ ابن حزم باختلاف المكانين في أن هذا من الحلّ وهذا من الحرم على تغايرهما واختلاف حكمهما، وإنها لحجةٌ لو صحَّ ذاك الاختلاف.
_________________
(١) (٣/ ٥٤٩) ط. دار الوفاء.
(٢) (٣/ ٥٦١).
[ ١٧ / ٥٢١ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مناسكه" (^١): "ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزِمَيْ عرفة إلى بطن مُحسِّر، فإن بين كل مشعرينِ حدًّا ليس منهما، فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عُرَنة، وبين مزدلفة ومنًى بطن محسر".
كأنه نظر إلى عبارة ابن حزم، وأعرض عما فيها من الخطأ. وقد أوضح ابن القيم ذلك، فقال في "الهدي" (^٢): "ومُحسِّر برزخ بين مِنًى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه، وعُرَنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرينِ برزخٌ ليس منهما، فمِنًى من الحرم وهي مشعر، ومُحسِّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعُرنة ليست مشعرًا وهي من الحلّ، وعرفة حِلّ ومشعر".
ولا ريب أن الشيخين كانا عارفين بحديث أبي الزبير عن أبي معبد، ومع ذلك قطعَا بأن مُحسِّرًا ليس من مِنًى، وفي هذا سند قوي لما تقدم من الكلام فيه. والله أعلم.
_________________
(١) ضمن "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٣٤).
(٢) "زاد المعاد" (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧).
[ ١٧ / ٥٢٢ ]