الدليل الأول: من السنة عموم قول النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» وفي لفظ لمسلم: « فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم» (٤).
وظاهر الحديث العموم في كل مال، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ولا شك أن عروض التجارة مال» (٥).
الدليل الثاني من السنة، حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أمر رسول الله - ﷺ - بالصدقة فقيل: منع ابنُ جميل، وخالد بنُ الوليد، وعباس بن عبدالمطلب، فقال النبي - ﷺ -: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٨٨٧.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ١٩.
(٣) الشرح الممتع، ٦/ ١٤٠.
(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.
(٥) الشرح الممتع، ٦/ ١٤٠.
[ ١٠ ]
خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأَعتُدَهُ في سبيل الله، وأما العباس بن عبدالمطلب فعمُّ رسول الله - ﷺ - فهي عليه صدقة ومثلها معها». ولفظ مسلم: بعث رسول الله - ﷺ - عمر على الصدقة إلى قوله: وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها » (١).
وقوله - ﷺ -: «قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله» «وأعتاده» ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وآلات الحرب. قال الإمام النووي ﵀: «ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليَّ، فقالوا للنبي - ﷺ -: إن خالدًا منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى تبرعًا، فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافًا لداود» (٢).
وقال الخطابي ﵀: «وتأويل الكلام على وجهين:
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله﴾ برقم ١٤٦٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة ومنعها، برقم ٩٨٣.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦١، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ٣/ ٣٣٣، وقال: «ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج لنقل خاص، فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض التجارة»، وانظر أيضًا: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، ٢/ ١٩١ – ١٩٤.
[ ١١ ]