القول الأول: أنها في مواضع السجود:
ذهب إليه مالك في رواية عنه (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٤)، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر (٥) وداود (٦).
الأدلة:
١ - حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: «أقرأني رسول الله - ﷺ - خمس عشرة سجدة؛ منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان» (٧).
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/ ٦١).
(٢) مواهب الجليل (٢/ ٦١).
(٣) المهذب (١/ ٩٢) الحاوي (٢/ ٢٠٢) روضة الطالبين (١/ ٣١٨) المجموع (٤/ ٦٢)؟
(٤) الإنصاف (٢/ ١٩٦) المبدع (٢/ ٣٠) الفروع (١/ ٥٠٢) المستوعب (٢/ ٢٥٦) المغني (٢/ ٣٥٥).
(٥) المغني (٢/ ٣٥٥) المجموع (٤/ ٦٢).
(٦) المجموع (٤/ ٦٢).
(٧) أخرجه أبو داود في كتاب السجود، باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن (١/ ٣٢٤) (١٤٠١) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن (١/ ٣٣٥) (١٠٥٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٣) والدارقطني في كتاب الصلاة باب سجود القرآن (١/ ٤٠٨). والحديث قد اختلف فيه؛ فقال النووي في موضع: حسن. وقال في موضع آخر وهو حديث صحيح انظر: المجموع (٤/ ٦٠، ٦٢). وقال الحاكم عقبه: ورواته مصريون قد ا حتج الشيخان بأكثرهم (١/ ٢٢٣). وقال الحافظ في الدراية (١/ ٢١٠) في إسناده عبد الله بن منين، وهو مجهول اه. وقال عبد الحق: وعبد الله بن منين لا يحتج به، قال ابن القطان: وذلك لجهالته انظر: نصب الراية (٢/ ١٨٠). وقال ابن حزم: لم يصح فيه نص (٥/ ١٥٧).
[ ٥٠ ]
ووجه الدلالة: واضح.
ونوقش: من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ضعف الحديث؛ لأن في سنده جهالة (١).
الوجه الثاني: على فرض التسليم بصحة الحديث؛ فالمراد بإحدى السجدتين سجدة التلاوة، وبالأخرى سجدة الصلاة (٢).
يدل عليه: أنه قرنها بالركوع؛ فقال: «.. اركعوا واسجدوا» والسجدة المقرونة بالركوع سجدة الصلاة (٣).
وأجيب: بأن ذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود كما ذكر البكاء في قوله (٤): ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
الوجه الثالث: أنه محمول على النسخ لإجماع قُرّاء المدينة وفقهائها على ترك ذلك مع تكرار القراءة ليلًا ونهارًا (٥).
٢ - حديث عقبة بن عامر؛ قال: قلت لرسول الله - ﷺ -: في سورة الحج سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (٦).
_________________
(١) انظر البناية (٢/ ٧١٨) نصب الراية (٢/ ١٨٠) الدراية (١/ ٢١٠).
(٢) البناية (٢/ ٣١٧) المبسوط (٢/ ٦).
(٣) المبسوط (٢/ ٦) المنتقى (١/ ٣٥٠).
(٤) المغني (٢/ ٣٥٧).
(٥) البناية (٢/ ٧١٣) نقلا عن الذخيرة
(٦) أخرجه أبو داود في كتاب السجود، باب تفريع أبواب السجود (٢/ ٥٢) حديث (١٤٠٢) والترمذي في أبواب السفر، باب في السجدة في الحج (٢/ ٤٦) حديث (٥٧٥) وأحمد في المسند (٤/ ١٥١) والحاكم (١/ ٢٢١). قال النووي: وفيه عبد الله بن لهيعة: وهو متفق على ضعف روايته (٤/ ٦٣) وقال الترمذي: ليس إسناده بالقوي، السنن (٢/ ٤٦) وانظر: المحلى (٥/ ١٥٧) الدراية (١/ ٢١٠) نصب الراية (٢/ ١٨٠) التلخيص الحبير (٢/ ٩).
[ ٥١ ]
ونوقش: بمثل ما نوقش به سابقه.
٣ - أنه روي عن جمع من فقهاء الصحابة ولم يعلم لهم مخالف؛ ومن ذلك:
أ- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين (١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: ضعف الأثر؛ لأن راويه رجل من أهل مصر، ولو كان معروفًا مشهورًا، من فعل عمر لعرفه من كان مع عمر بالمدينة، ومن أتى بها من الآفاق، ولكان هذا مشهورًا معروفًا من فعله (٢).
الوجه الثاني: أنه لو صح عن عمر فلا حجة فيه، وإنما الحجة فيما صح عن رسول الله - ﷺ - (٣).
الوجه الثالث: أن الآثار لا يحتج بها الخصم على قاعدته (٤).
وأجيب: بأن هذا غير لازم لمن يحتج بها كالحنابلة.
ب- ما روي عن علي وأبي موسى وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس ﵃؛ أنهم سجدوا في الحج سجدتين (٥).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن، (١/ ٢٠٥) والبيهقي في الصلاة، باب سجدتي سورة الحج (٢/ ٣١٧) وابن حزم في المحلى (٥/ ١٥٨) والطحاوي (١/ ٣٦٢) قال العيني في البناية: وسندها صحيح (٢/ ٧١٣).
(٢) الحجة (١/ ١٠٨).
(٣) المحلى (٥/ ١٥٩).
(٤) البناية (٢/ ٧١٣) وهو إيراد على الشافعية.
(٥) أما أثر علي: فأخرجه ابن أبي شيبة في الصلاة، باب من قال: في الحج سجدتان (٢/ ١١) والبيهقي في الصلاة، باب سجدتي سورة الحج (٢/ ٣١٧) وابن حزم في المحلى (٥/ ١٥٨) وسكت عنه كالمصحح له. وأما أثر أبي موسى: فأخرجه الطحاوي في الصلاة، باب المفصل هل فيه سجود أم لا؟ (١/ ٣٦٢) والبيهقي في الموضع السابق (٢/ ٣١٨) وابن حزم في المحلى (٥/ ١٥٨) والحاكم (٢/ ٣٩١). وأما أثر أبي الدرداء: فأخرجه البيهقي في الموضع السابق (٢/ ٣١٨) والحاكم (٢/ ٣٩١) وابن حزم (٥/ ١٥٨) والطحاوي في الموضع ا لسابق (١/ ٣٦٢) وابن أبي شيبة (٢/ ١١). وأما أثر ابن عمر: فأخرجه البيهقي في الموضع السابق (٢/ ٣١٧) والحاكم (٢/ ٣٩٠) وابن حزم في المحلى (٥/ ١٥٨). وأما أثر ابن عباس: فأخرجه البيهقي في الموضع السابق (٢/ ٣١٨) وعبد الرزاق في فضائل القرآن، باب كم في القرآن من سجدة؟ (٣/ ٣٤٢) وابن أبي شيبة في الصلاة باب من قال: في الحج سجدتان (٢/ ١١).
[ ٥٢ ]
قال ابن قدامة: ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعًا (١).
قال أبو إسحاق السبيعي: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (٢).
من المعقول:
٤ - ولأن السجدة الثانية أوكد من الأولى، لورودها بلفظ الأمر، وورود الأولى بلفظ الإخبار، فكان السجود لها أولى (٣).
القول الثاني: أنها ليست من مواضع السجود:
ذهب إليه الحنفية (٤)، ومالك في رواية عنه، وهي المذهب (٥)
_________________
(١) المغنى (٢/ ٣٥٦).
(٢) المجموع (٤/ ٦٢) المغني (٢/ ٣٥٦).
(٣) الحاوي (٢/ ٢٠٥) المغني (٢/ ٣٥٧).
(٤) المبسوط (٢/ ٦) تبيين الحقائق (١/ ٢٠٥) بدائع الصنائع (١/ ١٩٣).
(٥) مواهب الجليل (٢/ ٦١) المنتقى (١/ ٣٤٩) المدونة (١/ ١٠٩) الكافي (١/ ٢٦١) التفريع (١/ ٢٧٠) المعونة (١/ ٢٨٣).
[ ٥٣ ]
وأحمد في رواية عنه (١)، وابن حزم (٢).
وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد (٣).
الأدلة:
١ - لأن الله جمع بينها وبين الركوع؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فلم تكن سجدة كقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] (٤).
ونوقش: بأن ذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود كما ذكر البكاء في قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] (٥).
٢ - أن سجود العزائم في القرآن إنما ورد بلفظ الإخبار، أو على سبيل الذم، والسجدة الثانية في الحج وردت بلفظ الأمر فخالفت سجود العزائم (٦).
ونوقش: بأن هذا لا يصح؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أمر وكل ذلك سجود العزائم، وقد ورد لفظ الإخبار فيما ليس بعزيمة وهو قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فعلم فساده (٧).
٣ - ولأن إثبات السجود طريقه الشرع، والأصل براءة الذمة، ولم يثبت من طريق صحيح فمن ادعى ذلك فعليه بيانه (٨).
_________________
(١) المبدع (٢/ ٣٠) الإنصاف (٢/ ١٩٦) الفروع (١/ ٥٠٣).
(٢) الحلى (٥/ ١٥٦).
(٣) المغني (٢/ ٣٥٦).
(٤) البناية (٢/ ٧١٥) المبسوط (٢/ ٦) بدائع الصنائع (١/ ١٩٣) فتح القدير (٢/ ١٢) المنتقى (١/ ٣٤٩) المعونة (١/ ٢٨٣).
(٥) المغني (٢/ ٣٥٧).
(٦) شرح معاني الآثار (١/ ٣٦١) فتح القدير (٢/ ١٢) الحاوي (٢/ ٢٠٤).
(٧) الحاوي (٢/ ٤٠٢).
(٨) المنتقى (١/ ٣٥١) المحلى (٥/ ١٥٩).
[ ٥٤ ]
ويمكن أن يناقش: بأن البيان قد حصل بما أوردناه من أدلة، وهي كافية في إثبات مثل هذا.
الترجيح:
ولعل الراجح هو القول الأول لقوة أدلته، ومنها حديث عمرو، وتأييده بما صح عن عمر، وما نقل عن الجمع من فقهاء الصحابة.