وقد اختلف أهل العلم في حكم ذلك على قولين.
[ ٨٠ ]
القول الأول: مشروعية ذلك:
ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، ومالك في رواية ابن وهب عنه (٥).
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم، تنزيل﴾ [السجدة: ١، ٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٦) [الإنسان: ١].
ووجه الدلالة: ظاهر لاشتمال الأولى على سجدة.
ونوقش: بأن عمل أهل المدينة على خلافه فدل على نسخه (٧).
وأجيب عنها من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بأن عملهم حجة.
الوجه الثاني: أنه لا عمل أقوى من عمل عمر وعثمان بحضرة الصحابة في المدينة (٨).
٢ - حديث أبي هريرة؛ قال: سجدنا مع النبي - ﷺ - في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] (٩).
ووجه الدلالة: ظاهر.
ونوقش: بما نوقش به سابقه.
_________________
(١) الهداية (١/ ٧٩)، البناية (٢/ ٧٢٠) فتح القدير (٢/ ١٤).
(٢) روضة الطالبين (١/ ٣١٩) الحاوي (٢/ ٢٠٠) المجموع (٤/ ٥٨) مغني المحتاج (١/ ٢١٩).
(٣) المغني (٢/ ٣٧١) الإنصاف (٢/ ١٩٩) الفروع (١/ ٥٠٤).
(٤) المحلى (٥/ ١٥٧).
(٥) المنتقى (١/ ٣٥٠) الكافي (١/ ٢٦٢).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب ما يقرأه في صلاة الفجر يوم الجمعة (١/ ٢١٤) ومسلم في كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة (٢/ ٥٩٩).
(٧) الشرح الصغير (١/ ٥٧٣) حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠).
(٨) المحلى (٥/ ١٦٣).
(٩) سبق تخريجه (٦٢).
[ ٨١ ]
٣ - أنه روي عن جمع من فقهاء الصحابة؛ منهم: عمر، وابنه، وأبو هريرة، وعثمان (١)، ولم يعلم لهم مخالف فكان إجماعًا (٢).
القول الثاني: أنه تكره قراءتها في صلاة الفريضة دون النافلة:
ذهب إليه مالك في رواية عنه؛ وهي المذهب عند أصحابه (٣).
واحتج: للكراهة في الفريضة بما يلي:
١ - أنه إذا لم يسجدها دخل في الوعيد، أي: اللوم المشار له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وإن سجد زاد في عدد سجودها (٤).
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أن السجود سنة ولا وعيد في ترك السنة، فهذا ليس قولكم.
الوجه الثاني: بأن هذه العلة موجودة في النافلة ولا كراهة فيه عندكم.
وأجيب: بأن السجود لما كان نافلة والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا (٥).
الوجه الثالث: دعواكم أن سجوده زيادة، استدلال بمحل النزاع، فهو مسنون بفعل النبي - ﷺ - وليس بزيادة.
_________________
(١) انظر: تخريجها (٦٣).
(٢) المنتقى (١/ ٣٥٠).
(٣) المنتقى (١/ ٣٥٠) المدونة (١/ ١١٠) الشرح الصغير (١/ ٥٧٢) حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠) الفواكه الدواني (١/ ٢٩٦) المسائل الفقهية من تفسير القرطبي (١/ ٢١٥) التفريع (١/ ٢٧٠).
(٤) المسائل الفقهية (١/ ٢١٥) الشرح الصغير (١/ ٥٧٢) الفواكه الدواني (١/ ٢٩٦) حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠).
(٥) الشرح الصغير (١/ ٥٧٢).
[ ٨٢ ]
٢ - ولأنه يؤدي إلى أن يخلط على من خلفه، لأنه أمر غير معتاد في الصلاة (١).
ونوقش: بأن التخليط إنما يحصل في حالة الإسرار في القراءة، وأما مع الجهر فأكثر من وراءه يعلم بموضع السجدة فيتأهب لها ولا ينكر السجود فيها (٢).
أما عدم الكراهة في النافلة:
فقد احتج له بعضهم: بأن السجود لما كان نافلة، والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا بخلاف الفرض (٣).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن مقتضى الزيادة في الفرض البطلان، فكذلك في النافلة.
وأجيب عنه: بأن الشارع لما طلبها من كل قارئ صارت كأنها ليست زائدة محضة (٤).
الوجه الثاني: أنه لا فرق في الخوف من التخليط بين الفريضة والنافلة فلا بد لكم من دليل على الفرق.
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول من الجواز بلا كراهة لما أوردوه من الحديث الصحيح في قراءته ص للسجدة، وضعف ما أورده الآخرون من دعوى النسخ، أو احتمال التخليط.
_________________
(١) المنتقى (١/ ٣٥٠) الشرح الصغير (١/ ٥٧٢) المسائل الفقهية (١/ ٢١٥).
(٢) المنتقى (١/ ٣٥٠).
(٣) حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠) حاشية الصاوي (١/ ٥٧٢).
(٤) المصادر السابقة.
[ ٨٣ ]