وقد اختلف في حكمه على الأقوال التالية:
القول الأول: أنه واجب.
ذهب إليه الحنفية (٢).
واحتجوا بما يلي:
١ - ما سبق في الاستدلال لوجوبها على المستمع، وقالوا: إن الأدلة مطلقة غير مقيدة بالقصد (٣).
أي: أنه سامع للسجدة فكان عليه السجود كالمستمع (٤).
ونوقش: بالفاروق؛ لأن السامع لا يشارك التالي في الأجر بخلاف المستمع (٥).
ويمكن أن يجاب: بأن هذا ليس بفارق؛ لأن سببه الخضوع، وليس أجر الاستماع.
٢ - ولما روي عن ابن عمر: السجدة على من سمعها (٦).
ونوقش: بأنه يحتمل من سمعها عن قصد، فيحمل عليه جمعًا بينه
_________________
(١) وهو الذي لا يقصد الاستماع انظر: كشاف القناع (١/ ٤٤٦).
(٢) الهداية (١/ ٧٨) المبسوط (٢/ ٥) بدائع الصنائع (١/ ١٨٠).
(٣) انظر الهداية (١/ ٧٨) البناية (٢/ ٧١٧) فتح القدير والعناية (٢/ ١٣).
(٤) المغني (٢/ ٣٦٧) المبدع (٢/ ٢٩).
(٥) المغني (٢/ ٣٦٧).
(٦) سبق تخريجه (٢٤).
[ ٣٨ ]
وبين قول عثمان، وعمران، وابن مسعود (١).
القول الثاني: أنه سنة:
ذهب إليه الشافعية (٢)، والحنابلة في وجه (٣)، وحكاه ابن قدامة عن ابن عمر، والنخعي، وسعيد بن جبير، ونافع، وإسحاق (٤).
وقد احتج هؤلاء:
١ - بأنه سامع للسجدة؛ فكان عليه السجود كالمستمع (٥).
وقد مضى الاستدلال لسنيته في حق المستمع (٦).
القول الثالث: أنه يستحب، ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع:
ذهب إليه الشافعية في وجه (٧).
واستدلوا بما استدل به القائلون بالسنية.
القول الرابع: أنه غير مشروع:
ذهب إليه المالكية (٨)، والشافعية في وجه (٩)، والحنابلة في المذهب (١٠).
واحتج هؤلاء بما يلي:
١ - ما روي عن عثمان ﵁، أنه مر بقاص فقرأ القاص سجدة
_________________
(١) المغني (٢/ ٣٦٧).
(٢) المجموع (٤/ ٥٨) روضة الطالبين (١/ ٣٢٠).
(٣) الإنصاف (٢/ ١٩٤) المبدع (٢/ ٢٩).
(٤) المغني (٢/ ٣٦٦).
(٥) المغني (٢/ ٣٦٧).
(٦) انظر (٣٧).
(٧) المجموع (٤/ ٥٨) المهذب (١/ ٩٢) مغني المحتاج (١/ ٢١٦) روضة الطالبين (١/ ٣٢٠).
(٨) القوانين الفقهية (٦٢) الشرح الصغير (١/ ١٤٩) المدونة (١/ ١١١) المعونة (١/ ٢٨٦).
(٩) المهذب (١/ ٩٢) المجموع (٤/ ٥٨) الحاوي (٢/ ٢٠٠) روضة الطالبين (١/ ٣٢٠).
(١٠) المغنى (٢/ ٣٦٦) المبدع (٢/ ٢٨) الإنصاف (٢/ ١٩٣).
[ ٣٩ ]
ليسجد عثمان معه، فلم يسجد، وقال: إنما السجدة على من استمع (١).
٢ - وبما روي عن ابن عباس: إنما السجدة على من جلس لها (٢).
٣ - ما روي عن مطرف؛ قال: سألت عمران بن حصين عن رجل لا يدري أسمع السجدة أم لا؟ فقال: وسمعها فماذا؟ (٣).
٤ - وروى أبو عبد الرحمن السلمي، قال: دخل سلمان الفارسي المسجد وفيهم قوم يقرءون فقرأوا السجدة، فقال له صاحبه: يا ابن عبد الرحمن لو أتينا هؤلاء القوم؟ فقال: ما لهذا غدونا (٤).
ونوقش: بأنها معارضة بما ثبت عن ابن عمر، وليس قول أحدهم بأولى من الآخر.
٥ - ولأن غير القاصد لم يشارك التالي في الأجر فلم يشاركه في السجود كغيره (٥).
ويمكن أن يناقش: بأن مبني السجود، سماع ما فيه السجود، فيسجد خضوعًا لله، وليس سببه تحصيله أجر التلاوة.
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه: أنه سنة في حق السامع كما هو في حق المستمع، لقوة ما بني عليه من أنه سامع للسجدة فسن له السجود كالمستمع؛ إذ إن مبناه على الخضوع لله سبحانه، وليس لتحصيله أجر التلاوة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري معلقًا في أبواب سجود القرآن وسنتها، باب ما رأى أن الله تعالى لم يوجب السجود (٢/ ٣٢) وقد وصله ابن أبي شيبة كما في المصنف (٥٣) وانظر تعليق التعليق (٢/ ٤١٠).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا في الموضع السابق (٢/ ٣٢) وقد وصله البيهقي كما في السنن الكبرى (٢/ ٣٢٤) وعبد الرزاق كما في المصنف (٣/ ٣٤٥) قال ابن حجر في التعليق: وهو إسناد صحيح (٢/ ٤١٢).
(٥) المغني (٢/ ٣٦٧) المبدع (٢/ ٢٩).
[ ٤٠ ]