ذكرنا فيما سبق حكم قراءة الإمام لما فيه سجدة، وأتبعناه في حكم سجوده إذا قرأ السجدة، واختلافهم في ذلك بين قائل بالجواز، وقائل بالكراهة، ومن هو مفرق بين ذلك في السرية، والجهرية واتفاقهم على جواز ذلك للمنفرد دون كراهة.
والذي نريد بيانه هنا هو: حكم سجوده فيما لو كرر قراءة ما فيه سجدة في صلاة واحدة.
_________________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (١/ ٣١٢).
(٢) حاشية الروض المربع لابن قاسم (١/ ٢٣٩).
(٣) المصدر السابق.
(٤) نقصد بالتكرار إعادة تلاوة موضع السجدة، لا من جمع بين تلاوة آيات السجدة في صلاة واحدة فالظاهر اتفاق أهل العلم على السجود في كل موضع، لعدم الحرج، فإن آيات السجدة محصورة، والغالب عدم تلاوة الجميع في المجلس. انظر: البناية (٢/ ٧٣١) حاشية الدسوقي (١/ ٣١١).
[ ٩٢ ]
فقد اختلف أهل العلم في ذلك على الأقوال التالية.
القول الأول: مشروعية السجود في كل مرة.
ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في قول (٣).
واحتجوا: بأن سببه تلاوة السجدة فتكرر بتجدد السبب (٤).
القول الثاني: أنه يشرع إذا طال الفصل:
ذهب إليه الشافعية في وجه: قالوا: اكتفاء بالأولى مع قصر الفصل (٥).
القول الثالث: أنه يشرع إذا كررها في ركعتين، أما إذا كان في واحدة فلا يعيدها:
ذهب إليه أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٦)، والشافعية في الوجه الثالث (٧)، وبعض الحنابلة (٨).
واحتجوا بما يلي:
١ - لأن الركعتين كالمجلسين، وقد تجدد السبب بعد توفية
_________________
(١) كما هو الظاهر من إطلاقهم القول بالتكرار، باستثناء المعلم للمشقة. انظر: الشرح الكبير (١/ ٣١١) الشرح الصغير (١/ ٥٧٣).
(٢) روضة الطالبين (١/ ٣١٠) مغني المحتاج (١/ ٢١٧).
(٣) الإنصاف (٢/ ١٩٦) المستوعب (٢/ ٢٦٠) الروض المربع (٢/ ٢٣٥) كشاف القناع (١/ ٤٤٩).
(٤) روضة الطالبين (١/ ٣١٠) مغني المحتاج (١/ ٢١٧) كشاف القناع (١/ ٤٤٩) حاشية الروض المربع لابن قاسم (٢/ ٢٢٥).
(٥) روضة الطالبين (١/ ٣٢٠) مغني المحتاج (١/ ٢١٧).
(٦) المبسوط (٢/ ١٣) بدائع الصنائع (١/ ١٨٣).
(٧) روضة الطالبين (١/ ٣٢٠) مغني المحتاج (١/ ٢١٧).
(٨) الإنصاف (٢/ ١٩٦).
[ ٩٣ ]
الحكم الأول (١).
٢ - ولأن للقراءة في كل ركعة حكمًا على حدة، حتى يسقط به فرض القراءة فكانت الإعادة في الركعتين نظير الإعادة في الصلاتين (٢).
القول الرابع: أنه لا يشرع التكرار مطلقًا:
ذهب إليه أبو يوسف في قوله الأخير (٣).
واحتج: بأن المكان مكان واحد، وحرمة الصلاة حرمة واحدة، والمتلو آية واحدة، فلا يجب (٤)، إلا سجدة واحدة، كما لو أعادها في الركعة الأولى (٥).
ونوقش: بأن المكان وإن اتحد حقيقة وحكمًا، لكن لا يمكن أن نجعل الثانية تكرارًا، لأن لكل ركعة قراءة مستحقة، فلو جعلت الثانية تكرارًا للأولى، والتحقت القراءة بالركعة الأولى لخلت الثانية عن القراءة ولفسدت؛ وحيث إنها لم تفسد دل على أنها لم تجعل مكررة، بخلاف ما إذا كرر التلاوة في ركعة واحدة؛ لأنه أمكن هناك جعل التلاوة المتكررة مستجدة المعنى (٦).
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه أنه يكفيه سجدة واحدة وذلك قياسًا، على ما لو كرر قراءة الموضع الواحد خارج الصلاة (٧)، بل هو ههنا آكد للاتفاق على جواز التكرار خارج الصلاة دون كراهة، والاختلاف في كراهة قراءة السجدة، والسجود في صورة كثيرة في الصلاة (٨).
_________________
(١) مغني المحتاج (١/ ٢١٧).
(٢) المبسوط (٢/ ١٣).
(٣) المبسوط (٢/ ١٣) بدائع الصنائع (١/ ١٨٣).
(٤) مذهب الحنفية وجوب سجود التلاوة.
(٥) المبسوط (٢/ ١٣).
(٦) بدائع الصنائع (١/ ١٨٣).
(٧) انظر (١١٧).
(٨) انظر: (٨١) وما بعدها.
[ ٩٤ ]