أي في (النجم) و(الانشقاق) و(العلق).
القول الأول: أنها من عزائم السجود:
ذهب إليه الحنفية (٥)، ومالك في رواية عنه (٦)، والشافعي في الجديد (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩).
الاستدلال:
١ - حديث أبي رافع؛ قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ:
_________________
(١) المجموع (٤/ ٦١).
(٢) الشرح الصغير (١/ ٥٧١).
(٣) المجموع (٤/ ٦١).
(٤) المجموع (٤/ ٦١).
(٥) الهداية (١/ ٧٨) المبسوط (٢/ ٦) فتح القدير (٢/ ١١) الحجة على أهل المدينة (١/ ١٠٩) البناية (٢/ ٧١١).
(٦) مواهب الجليل (٢/ ٦١) الكافي (١/ ٢٦٢) التفريع (١/ ٢٧٠) المعونة (١/ ٢٨٥).
(٧) المهذب (٢/ ٩٢) المجموع (٤/ ٥٨) روضة الطالبين (١/ ٣١٨) الحاوي (٢/ ٢٠٢).
(٨) المغني (٢/ ٣٥٣) المستوعب (٢/ ٢٥٨).
(٩) المحلى (٢/ ١٥٧).
[ ٦١ ]
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (١).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سجدنا مع النبي - ﷺ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (٢).
٣ - حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: (النجم) بمكة، وسجد من معه .. الحديث (٣).
٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄؛ «أن رسول الله - ﷺ - سجد بـ (النجم) وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» (٤).
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: ظاهر:
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أن السجود فيها منسوخ (٥) بدليل ما يلي:
١ - حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوله إلى المدينة» (٦).
٢ - ولأن عمل أهل المدينة على ترك السجود في المفصل مما يدل على نسخه (٧).
وردت المناقشة من وجهين:
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب سجود القرآن، وسنتها باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها (٢/ ٣٤) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة (١/ ٤٠٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة (١/ ٤٠٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري في أبواب سجود القرآن وسنتها، باب سجود المسلمين مع المشركين (٢/ ٣٢).
(٥) المنتقى (١/ ٣٤٩).
(٦) يأتي تخريجه مع أدلة القول الثاني.
(٧) الشرح الصغير (١/ ٥٧١) الفواكه الدواني (١/ ٢٩٥).
[ ٦٢ ]
الوجه الأول: عدم التسليم بأن عملهم حجة.
الوجه الثاني: لو سلم، فلا عمل أقوى من عمل عمر وعثمان بحضرة الصحابة (١).
٥ - أنه روي السجود فيه عن عدد من فقهاء الصحابة ومن ذلك:
١ - ما روي عن أبي هريرة؛ قال: سجد أبو بكر وعمر في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ومن هو خير منهما (٢).
أ- ما روي عن أبي رافع الصائغ؛ قال: صلى بنا عمر صلاة العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين الأوليين: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد وسجدنا معه (٣).
ب- ما روي عن عثمان ﵁؛ أنه قرأ في صلاة العشاء "النجم" فسجد (٤).
ج- وروى الشعبي عن عبد الله بن مسعود؛ أنه سجد في "النجم" و"اقرأ" (٥).
د- وروي عن عمار؛ أنه قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وهو يخطب فنزل فسجد (٦).
_________________
(١) المحلى (٥/ ١٦٣).
(٢) أخرجه ابن حزم في المحلى (٥/ ١٦٥) وقال: وهذا أثر كالشمس صحة.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلوات، باب من كان يسجد في المفصل (٢/ ٧) والطحاوي (١/ ٣٥٥) وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير، وقال: رجاله موثوقون مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في الموضع السابق (٢/ ٨) والطحاوي في الصلاة، باب المفصل هل فيه سجود أم لا؟ (١/ ٣٥٥).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في الموضع السابق (٢/ ٧) والطحاوي في الموضع السابق (١/ ٣٥٥) وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٦).
(٦) أخرجه الطحاوي في الصلاة، باب المفصل هل فيه سجود أو لا؟ (١/ ٣٥٦) وابن حزم في المحلى (٥/ ١٦٥).
[ ٦٣ ]
هـ- وروى نافع أن ابن عمر كان يسجد في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ﴾ (١).
القول الثاني: أنه لا سجود فيها:
ذهب إليه مالك في الرواية المشهورة عنه، وهي المذهب عند أصحابه (٢)، والشافعي في القديم (٣).
وهو قول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس (٤).
الاستدلال:
١ - حديث زيد بن ثابت ﵁: أنه قرأ على النبي - ﷺ - سورة النجم فلم يسجد (٥).
ووجه الدلالة: ظاهر:
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أنه لا يدل على نفي السجود وإنما يدل على جواز الترك (٦).
الوجه الثاني: أنه يحتمل أنه تركه؛ لأن زيدًا وهو القارئ لم يسجد فلو سجد لسجد النبي - ﷺ - (٧).
الوجه الثالث: أنه يحتمل أنه لم يكن على طهارة (٨).
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في الموضع السابق (١/ ٣٥٦).
(٢) المدونة (١/ ١٠٩) القوانين الفقهية (٦٢) المعونة (١/ ٢٨٥) مواهب الجليل (٢/ ٦١) المنتقى (١/ ٣٥١) التفريع (١/ ٢٧٠) الرسالة (١٣٧).
(٣) الحاوي (٢/ ٢٠٣) المهذب (٢/ ٩٢) روضة الطالبين (١/ ٣١٨).
(٤) المغني (٢/ ٣٥٢) البناية (٢/ ٧١١)
(٥) سبق تخريجه.
(٦) البناية (٢/ ٧١٥) الحاوي (٢/ ٢٠٣) المغني (٢/ ٣٥٤) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٢).
(٧) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٣/ ١٥٨).
(٨) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٣/ ١٥٨).
[ ٦٤ ]
الوجه الرابع: احتمال أنه في وقت لا يجوز فيه السجود (١).
الوجه الخامس: احتمال أنه أراد التأخير ليبين جوازه (٢).
قالوا: فلما احتمل تركه للسجود كل معنى من هذه المعاني، لم يكن هذا الحديث بمعنى منها أولى من صاحبه إلا بدلالة تدل عليه من غيره (٣).
٢ - حديث أبي الدرداء؛ قال: "سجدت مع النبي - ﷺ - إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء" (٤).
ووجه الدلالة: ظاهر.
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف؛ لضعف إسناده فلا يصح به الاحتجاج (٥).
الوجه الثاني: أنه معارض بما هو أصح منه وهو حديث أبي هريرة السابق (٦).
الوجه الثالث: أنه لا دلالة فيه، إذ يجوز أن يكون سجود غير المفصل إحدى عشرة سجدة، ولا نزاع بيننا في هذا (٧).
_________________
(١) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٢).
(٢) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٢).
(٣) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٢).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب كم سجدة في القرآن (٢/ ٥٨) وقال عقبة: إسناده واه. وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب عدد سجود القرآن (١/ ٣٣٥). قال البوصيري: في إسناده عثمان بن فايد وهو ضعيف. وقال الزيلعي: وعثمان بن فاشد، قال ابن حبان: لا يحتج به، ووهاه ابن عدي. نصب الراية (٢/ ١٨٢).
(٥) المغني (٢/ ٣٥٤) المجموع (٤/ ٦٣).
(٦) المحلى (٥/ ١٦٣) المغني (٢/ ٣٥٤) المجموع (٤/ ٦٣).
(٧) فتح القدير (٢/ ١٤) المغنى (٢/ ٣٥٤).
[ ٦٥ ]
الوجه الرابع: أن ترك السجود في حديث أبي الدرداء دليل على أنه ليس بواجب وسجوده يدل على أنه مسنون، فلا تعارض (١).
٣ - حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوله إلى المدينة (٢).
ووجه الدلالة: ظاهر:
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لضعف إسناده (٣).
الوجه الثاني: أنه يدل على أن السجود ليس بواجب، وما روي عنه من سجوده فيه يدل على أنه مسنون فلا تعارض (٤).
الوجه الثالث: احتمال أن يكون المنفي هو المواظبة على ذلك، لتكرار قراءته في الصلاة، فتركه - ﷺ -، لئلا تختلط الصلاة على من لا يفقه (٥).
الوجه الرابع: أنه معارض لحديث أبي هريرة، فيقدم عليه حديث أبي هريرة لسببين:
١ - أنه أصح وأقوى صراحة منه في الدلالة.
٢ - أنه مثبت، وحديث ابن عباس ناف والقاعدة تقديم المثبت على النافي؛ لأن معه زيادة علم، لا سيما وأن نفي ابن عباس لشيء لم
_________________
(١) المغني (٢/ ٣٥٤).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب من لم ير السجود في المفصل (٢/ ٥٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٣). قال عبد الحق: إسناده ليس بقوي، وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر، انظر: نصب الراية (٢/ ١٨٢). وقال الحافظ في الدراية: في إسناده ضعف (٢/ ٢١١) وقال النووي في المجموع وليس بصحيح (٤/ ٦٣) وقال ابن حزم: وهذا باطل بحت (٥/ ١٦٣).
(٣) المجموع (٤/ ٦٠) نصب الراية (٢/ ١٨٢) زاد المعاد (١/ ٣٦٣) الدراية (٢/ ٢١١).
(٤) المحلى (٥/ ١٦٢).
(٥) فتح الباري (٢/ ٥٥٥).
[ ٦٦ ]
يحضره، فإنه كان صبيًا في حياة النبي - ﷺ - لا يدري ما يفعل النبي.
وإسلام أبي هريرة إنما كان والنبي - ﷺ - بالمدينة سنة سبع من الهجرة (١).
٤ - أنه روى عن جمع من فقهاء الصحابة يلزم الرجوع إلى قولهم، منهم: زيد بن ثابت (٢)، الذي جمع القرآن، وثانيهم: أبي بن كعب (٣)، وهو الذي قرأه مرتين على رسول الله - ﷺ -، وثالثهم: عبد الله بن عباس (٤)، وهو الذي قرأ على أبي وأخذ عنه (٥).
ونوقش من أوجه:
الوجه الأول: أنه معارض بما هو أصح منه عن خمسة من الصحابة؛ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعمار، وابن عمر، وأبو هريرة.
فكان الأخذ بقولهم أولى؛ لكونهم الأئمة؛ ولأن معهم ابن مسعود الذي شهد العرضة الأخيرة في العام الذي قبض فيه، فشهد ما نسخ وما بدل (٦).
الوجه الثاني: أنها آثار موقوفة على هؤلاء الصحابة، وقد عارضت المرفوع فلا يلتفت إليها.
الترجيح:
والراجح أنها من عزائم السجود؛ لقوة ما بني عليه هذا القول من أدلة، وضعف ما أورد عليها من المناقشة، في مقابل عدم ثبوت أدلة القول الثاني أمام المناقشة.
_________________
(١) المجموع (٤/ ٦٣) المحلى (٥/ ١٦٣) المغني (٢/ ٣٥٤).
(٢) الأثر عن زيد أخرجه ابن حزم في المحلى (٥/ ١٦١).
(٣) الأثر عن أُبي أخرجه الطحاوي في كتاب الصلاة، باب المفصل هل فيه سجود أو لا؟ (١/ ٣٥٤).
(٤) أثر ابن عباس: أخرجه عبد الرزاق في كتاب فضائل القرآن، باب كم في القرآن من سجدة؟ (٣/ ٣٤٣) قال الحافظ: إسناده صحيح الدراية (١/ ٢١١) وانظر: نصب الراية (٢/ ١٨٢).
(٥) الحاوي (٢/ ٢٠٣).
(٦) شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٦) الحاوي (٢/ ٢٠٣).
[ ٦٧ ]