[ص ١٠] وقد استدلَّ من يقول بأن لها سُنَّة قبليَّة بأمور:
أحدها: القياس على الظهر. وهو ــ وإن ذكره النووي ــ بعيد، كما ذكره العراقي (^١) وغيره. وما قيل: إنَّ البخاري أَوْمَأَ إليه بقوله في ترجمته: «باب الصلاة بعد الجُمعة وقبلها» فيه نظر. بل قد يُدَّعَى العكس؛ لأنَّ الحديث الذي أَوْردَه يدلُّ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبليَّة، ويدل على أنَّها مخالِفة للظهر، وهو حديث ابن عمر الذي مرَّ قريبًا.
ومن تراجم البخاري: «باب الصلاة قبل العيد وبعده» (^٢). ومراده أنها غير مشروعة، كما تدل عليه الأحاديث التي أوردها. فيكون مراده هنا أن الصلاة بعد الجُمعة مشروعة وقبلها غير مشروعة، فقدَّم المثبَت وأخّر المنفيَّ. والمراد بالصلاة قبل الجُمعة أي: الراتبة، فأما النفل المطلق فهو مشروع قطعًا كما مر.
ومع ذلك فالقياس إنما يُعمَل به في إثبات الأحكام لا في إثبات عبادة مستقلّة.
وقد أجاب بعضُ العلماء أن القول بالقياس هنا إنما هو بناءً على أن الجُمعة ظهرٌ مقصورة.
وهذا باطل، والصحيح أن الجمعة صلاة مستقلّة.
وزعم بعضهم أن الجمعة هي الظهر، وإنما أُقيمت الخطبتان مقام
_________________
(١) انظر: «طرح التثريب» (٣/ ٤١).
(٢) «الصحيح مع الفتح» (٢/ ٤٧٦).
[ ١٦ / ٣٥٠ ]
ركعتين، وكأنَّ هذا القائل غرَّه اتفاق العدد بين الركعتين والخطبتين، ولا أدري ماذا يقول في خُطبتي العيدين والكسوفين والاستسقاء عِوَض عن ماذا؟
والاستدلال بنحو هذا محض التكلُّف والتمحُّل الذي لا حاجةَ بطالب الحق إليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث «الصحيحين» المتقدم: «بين كل أذانينِ صلاة». وهذا غفلة، فإنّ الأذانين في الحديث إنما أُريد بهما الأذان المشروع والإقامة اتفاقًا، والأذان المشروع في الجمعة هو الذي عند خروج الإمام، والصلاةُ بينه وبين الإقامة حرام إجماعًا، إلا ما سيأتي في ركعتي التحيَّة. ولو كان المراد أي أذانين كان؛ لكان الأحرى بذلك أذانا الصبح، ولم يقل أحد بأنه يُسَنُّ بينهما صلاة.
أما سُنَّة الصبح فليست بينهما، وإنما هي بعدهما بين الأذان والإقامة.
[ص ١١] واستدلُّوا بأحاديث أُخرى ذكرها الحافظ في «الفتح» مع أجوبتها، وهذه عبارته (^١): وورد في سُنَّة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة.
منها: عن أبي هريرة، رواه البزار (^٢) بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعًا». وفي إسناده ضعف.
_________________
(١) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).
(٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٦٥) من طريقه، وفيه: « وبعدها ركعتين».
[ ١٦ / ٣٥١ ]
وعن علي، رواه الأثرم والطبراني في «الأوسط» (^١) بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا»، وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره، وقال الأثرم: إنه حديث واهٍ.
ومنها: عن ابن عباس مثله، وزاد: «لا يفصل في شيءٍ منهنّ»، أخرجه ابن ماجه (^٢) بسند واهٍ.
قال النووي في «الخلاصة» (^٣): «إنّه حديث باطل».
وعن ابن مسعود عند الطبراني (^٤) أيضًا مثله، وفي إسناده ضعف وانقطاع.
ورواه عبد الرزاق (^٥) عن ابن مسعود موقوفًا، وهو الصواب.
وروى ابن سعد (^٦) عن صفيّة زوج النبي - ﵌ - موقوفًا نحو حديث أبي هريرة. إلخ.
قلت: والموقوف عن ابن مسعود ذكره الترمذي (^٧) بقوله: ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.
_________________
(١) (٢/ ١٧٢).
(٢) رقم (١١٢٩). قال البوصيري في «الزوائد»: إسناده مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية هو ابن الوليد مدلّس.
(٣) (٢/ ٨١٣).
(٤) في «الأوسط» (٤/ ١٩٦).
(٥) في «المصنّف» (٣/ ٢٤٧).
(٦) في «الطبقات» (٨/ ٤٩١).
(٧) في «الجامع» عقب الحديث رقم (٥٢٣).
[ ١٦ / ٣٥٢ ]
وقد استدلُّوا به على وقفه، قالوا: لأن الظاهر أنه توقيف.
والجواب: أنه إن صحَّ فلا حُجَّة فيه، وقولهم: إن الظاهر أنه توقيف ممنوع، بل الظاهر أن المراد بذلك النفل المطلق الذي يصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام؛ كما مَرَّ بيانُه، بل هذا هو المتعين، لما مرّ أن السُنَّة في خروج الإمام أول الوقت وقبلَ الأذان، وأنَّ ذلك صريح في نفي مشروعية سنةٍ قَبْليّة للجمعة، والله أعلم.
واستدلُّوا بما قاله العراقي في «شرح سنن الترمذي»؛ بعد ذكر حديث ابن ماجه المتقدم في عبارة «الفتح» قال: «وقد وقع لنا بإسنادٍ جيد من طريق القاضي أبي الحسن الخلعي من رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عثمان عن علي».
كذا وجدت نقل عبارته، ولتراجع (^١).
والجواب: أنَّ ابن إسحاق مختلفٌ فيه، وهو بَعْدُ مُدَلِّس، وقد عَنْعَنَ، ولم أقف على الإسناد بطوله حتى أعرفَ حاله، وفيما ذكرتُ كفاية.
وهَبْ أنَّه صحَّ فالمراد النَّفْل المطلق؛ لما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بأحاديث: «أربع بعد الزوال».
والجواب: أنَّ في بعضها التقييد بقبل الظهر، والمطلقُ يُحمَل على المقيَّد. وعلى فَرْضِ عدم الحمل فيكون عامًّا مخصوصًا بالجمعة؛ لما مرَّ أن السُنَّة خروج الإمام عقب الزوال، وبخروجه تمتنع الصلاة إلَّا ركعتي التحية، والله أعلم.
_________________
(١) في «طرح التثريب» (٣/ ٤٢): «من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي». وهو الصواب، و«ابن إسحاق» و«عثمان» تحريف.
[ ١٦ / ٣٥٣ ]
واستدلَّ بعضهم بحديث أبي داود والترمذي (^١)، عن عطاء قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا صلَّى الجمعة بمكة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا »، الحديث.
والجواب: أنَّ الاستدلال به غفلة؛ لأنَّ الكلام في الصلاة بعد الجمعة.
وقوله «تقدم» أي: من موقفه الذي صلَّى فيه الجمعة، يتقدَّم عنه فيصلِّي ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا، وهذا لفظ الترمذي: [ص ١٣] «وابن عمر بعد النبي - ﵌ - صلَّى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلَّى بعد الركعتين أربعًا». حدثنا بذلك ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء، قال: «رأيتُ ابن عمر صلَّى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلَّى بعد ذلك أربعًا».
ولفظ أبي داود في باب الصلاة بعد الجمعة: عن عطاء عن ابن عمر قال: «كان إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلَّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلّى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد». فقيل له، فقال: كان رسول الله - ﵌ - يفعل ذلك.
وكلاهما صريح أنَّ هذه إنَّما هي الصَّلاة بعد الجمعة.
وفي رواية أُخرى (^٢): عن عطاء أنَّه رأى ابن عمر يُصَلِّي بعد الجمعة، فينماز عن مصلَّاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثير، قال: فيركع ركعتين. قال: ثم يمشي أنفسَ من ذلك، فيركع أربع ركعات. قلت ــ القائل ابن جريج الراوي عن عطاء ــ لعطاء: كم رأيتَ ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مرارًا.
_________________
(١) أبو داود (١١٣٠) والترمذي (٢/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٢) عند أبي داود (١١٣٣).
[ ١٦ / ٣٥٤ ]
وهذا الحديث ممَّا يدلُّ على الفَرْق بين الجمعة والظهر، والله أعلم.
واستدلُّوا بما رواه الطبراني في «الأوسط» (^١) بسنده إلى النبي - ﵌ - قال: «مَنْ شَهِدَ منكم الجمعة فليُصَلِّ أربعًا قبلها وبعدها أربعًا».
والجواب: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، فيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، كما في «شرح البخاري» (^٢)، وقد ضعَّفه البخاري وغيره كما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث أبي داود وابن حبان (^٣) من طريق أيوب عن نافع قال: «كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّث أنَّ الرسول - ﵌ - كان يفعلُه».
والجواب: قال الحافظ (^٤): وتُعُقِّب بأن قوله: «كان يفعل ذلك» عائد على قوله: «ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته».
ويدلُّ له رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: «كان رسول الله - ﵌ - يصنع ذلك»، رواه مسلم (^٥).
وأما قوله: «كان يطيل الصلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون [ص ١٤] مرفوعًا؛ لأنَّه - ﵌ - كان يخرج إذا زالت
_________________
(١) (٢/ ١٧٢)، ولفظه: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا ».
(٢) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).
(٣) أبو داود (١١٢٨) وابن حبان (٢٤٧٦).
(٤) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).
(٥) رقم (٨٨٢).
[ ١٦ / ٣٥٥ ]
الشمس فيَشْتَغِل بالخطبة، ثمَّ بصلاة الجمعة.
وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مطلقُ نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة التي قبلها، بل هي تنفُّل مطلقٌ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن حبان في «صحيحه» (^١): «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان».
والجواب: أنَّه عام مخصوص بالجمعة كما مرَّ بيانُه، مع أنَّه مُقيَّدٌ بحديث «الصحيحين»: «بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ»، وقد مرَّ الكلام عليه.
مع أنَّ ابن حبان يُطلِق الصحيح على الحَسَن، وربَّما يُصحِّح ويُحسِّن ما لا يُوافَق عليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن ماجه (^٢) بسند صحيح عن أبي هريرة وجابر قالا: «جاء سُلَيْك الغَطَفاني والنَّبي - ﵌ - يخطب، فقال له النَّبي - ﵌ -: «أصلَّيْتَ ركعتين قبل أن تجيء؟» قال: لا، قال: «فصلِّ ركعتين وتَجوَّزْ فيهما».
قال في التحفة (^٣): وقوله: «أصلّيتَ» إلى آخره يمنع حملَه على تَحيَّة المسجد ــ أي: وحدها ــ حتى لا ينافي الاستدلال به لندبها للداخل حال الخطبة، فينويها مع سُنَّة الجمعة القبليَّة إن لم يكن صلَاّها قبل .. إلخ [ص ١٥]، إذ المعروف في هذا الحديث الاقتصار على «أصليت» ونحوه، وهو كذلك في «الصحيحين» وغيرهما. ولم تجئ هذه الزيادة ــ أي قوله:
_________________
(١) رقم (٢٤٥٥)، وقد سبق ذكره.
(٢) رقم (١١١٤).
(٣) «تحفة المحتاج» (٢/ ٢٢٤).
[ ١٦ / ٣٥٦ ]
«قبل أن تجيء» ــ إلَّا في هذه الرواية التي أخرجها ابن ماجه.
والجواب عنها من وجوه:
الأوَّل: أنَّ حفص بن غياث قال عنه يعقوب: ثقة ثبت إذا حدَّث من كتابه ويُتَّقى بعض حفظه.
وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عَسِرًا.
فأطلق هذان وصفَهُ بسوء الحفظ.
وقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة.
وقال أبو زُرعة: ساءَ حفظُه بعدما استُقْضي، فمَن كَتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا.
قلت: وهو كما في «تهذيب التهذيب» (^١): كوفيّ استُقْضي بها وببغداد.
وقال ابن معين: جميع ما حدَّث به ببغداد من حفظه.
قلت: فحديثه ببغداد كان بأَخَرةٍ، وكان بعدما استُقْضي، وكان من حفظه. وداود بن رُشَيد بغداديٌّ كما في ترجمته (^٢)، فحديثه عنه بأخرةٍ بعدما استُقْضي، من حفظه.
وقد قال داود بن رشيد نفسه ــ كما في «تهذيب التهذيب» (^٣) ــ: حفصٌ كثير الغلط.
_________________
(١) (٢/ ٤١٥ وما بعدها). وفيه أقوال النقاد.
(٢) «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٨٤).
(٣) (٢/ ٤١٦).
[ ١٦ / ٣٥٧ ]
وأمَّا رواية الشيخين عنه فهي محمولة على ما ثبت عندهما أنَّه حدَّث من كتابه، وليس هذا لأحدٍ غيرهما؛ لالتزامهما الصحيحَ وتحرِّيهما وتيقُّظهما.
وفي «تدريب الراوي» (^١) للسيوطي عن ابن الصلاح قال: من حكم لشخصٍ بمجرَّد رواية مسلمٍ عنه في «صحيحه» بأنَّه من شرط مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقِّفٌ على النَّظَر في كيفيَّة رواية مسلمٍ عنه، وعلى أيِّ وجهٍ اعتمد عليه.
الوجه الثاني: قال في «تهذيب التهذيب» (^٢): وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنَّ حفصًا كان يدلِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث يُدلّس.
والمدلِّس لا يكون حجَّةً إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
الوجه الثالث: أنَّ الأعمش على جلالة قدره معدودٌ في المدلِّسين، والمدلِّس لا يكون حجَّة إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
نعم، قال الحافظ في «المقدمة» (^٣) في ترجمة حفص بن غياث: «اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنَّه كان يُميِّز بين ما
_________________
(١) (١/ ١٢٩).
(٢) (٢/ ٤١٧).
(٣) «هدى الساري» (ص ٣٩٨).
[ ١٦ / ٣٥٨ ]
صرَّح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلَّسه، نبَّه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال».
وهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد.
الوجه الرابع: أبو صالح شيخ الأعمش، هل هو ذكوان المدني السَّمَّان، أو باذام مولى أم هانئ؟ فإنَّ كلًاّ منهما كنيته أبو صالح، عن أبي هريرة وعنه الأعمش.
فإن كان الثاني، فهو مُضعَّف، ورواية الأعمش عنه منقطعة.
[ص ١٦] ففي «تهذيب التهذيب» (^١): «أنَّ أبا حاتم قال: لم يسمع ــ يعني: الأعمش ــ عن أبي صالح مولى أُم هانئ، هو يدلِّس عن الكلبي».
قال (^٢): «وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: الأعمش عن أبي صالح ــ يعني: مولى أم هانئ ــ منقطع».
والذي يظهر أنَّ أبا صالح الذي روى عنه الأعمش هذا الحديث هو الأول: ذكوان المدني السَّمان؛ لأنَّ الثاني قال عنه ابن عدي ــ كما في «تهذيب التهذيب» (^٣) ــ: عامة ما يرويه تفسير، وما أقلَّ مَا لَهُ من المسند.
_________________
(١) (٤/ ٢٢٤).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٢٢٥).
(٣) (١/ ٤١٧).
[ ١٦ / ٣٥٩ ]
الطريق الأخرى: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
وفيها نَظَرٌ من وجوه:
الأوَّل ــ وهو الخامس من أوجه الجواب ــ: رواية الأعمش عن أبي سفيان.
قال في «تهذيب التهذيب» (^١) في ترجمة الأعمش: «وقال أبو بكر البزَّار: لم يسمع من أبي سفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنَّما هي صحيفة عرفت».
وقد يجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنْ يكون روى عنه بالوجادة، وهي طريق من طرق الرواية.
الثاني ــ وهو السادس من أوجه الجواب ــ: حال أبي سفيان في نفسه.
قال في «تهذيب التهذيب» (^٢): قال أحمد: ليس به بأس إلى أن قال: وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين: لاشيء، ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، وأكثرهم على توثيقه، وقد روى له الشيخان والجماعة.
الوجه الثالث ــ وهو السابع من أوجه الجواب ــ: رواية أبي سفيان عن جابر.
في «تهذيب التهذيب» (^٣): وقال أبو خيثمة عن ابن عُيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة إلى أن قال:
_________________
(١) (٤/ ٢٢٤).
(٢) (٥/ ٢٧).
(٣) (٥/ ٢٧).
[ ١٦ / ٣٦٠ ]
وفي «العلل الكبير» لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلَّا أربعة أحاديث. وقال فيها (^١): أبو سفيان يُكتب حديثه وليس بالقويِّ، وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلَّا أربعة أحاديث.
قال الحافظ (^٢): قلتُ: لم يخرج البخاري له إلَّا أربعة أحاديث عن جابر، وأظنُّها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة قَرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث: «اهتز العرش» كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قَرَنه بسالم بن أبي الجَعْد.
[ص ١٧] فتبَيّن أنَّ هذا الحديث ممَّا لم يسمعه أبو سفيان عن جابر.
وقد يُجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنَّه من الصَّحيفة، ولعلَّها كانت صحيحة، فيكون مناولةً أو وجادةً، وأبو سفيان ثقةٌ عند الأكثر.
الوجه الثامن: قال أبو داود (^٣): حدَّثنا محمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، المعنى، قالا: ثنا حفص بن غياث، وساق الإسناد كإسناد ابن ماجه (^٤) بطريقيه، وذكر الحديث، وآخره: فقال له: «أصليتَ شيئًا؟ قال: لا».
ومحمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم أرجح من داود بن رُشَيد.
[ص ١٨] الوجه التاسع: أنَّه قد روى حديثَ سُلَيك عن الأعمش
_________________
(١) أي في «العلل الكبير». والنصّ في «التهذيب» الموضع السابق.
(٢) بعدما سرد الأقوال السابقة في المصدر السابق. وانظر «هدي الساري» (ص ٤٣١).
(٣) في «سننه» (١١١٦).
(٤) رقم (١١١٤).
[ ١٦ / ٣٦١ ]
عيسى بن يونس، وحديثه عند مسلم (^١)، وأبومعاوية، وحديثه عند أحمد والدارقطني (^٢)، وسفيان، وحديثه عند أحمد والدارقطني (^٣) أيضًا. وخالفوا حفص بن غياث سنَدًا ومتنًا.
أمَّا في السند: فلم يذكر أحد منهم الرواية الأخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة، بل كلُّهم اقتصروا عن أبي سفيان عن جابر.
وإنَّما قال الحافظ في «الإصابة» (^٤) في ترجمة سُلَيك وذكر هذا الحديث: «وروى ابن ماجه وأبو يعلى من طريق الأعمش [عن أبي صالح] (^٥) عن أبي هريرة » إلخ.
ولا أدري كيف روايةُ أبي يعلى؟ فلْتُرَاجع (^٦)، إن لم يكن ذِكر أبي يعلى خطأ، والأصل «أبي داود».
وأمَّا في المتن، فكلُّهم لم يذكروا تلك الزيادة.
الوجه العاشر: أنَّه قد روى حديث سُليك عن أبي سفيان: الوليدُ أبو بشر، وهو الوليد بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري. وحديثه عند أبي
_________________
(١) رقم (٨٧٥/ ٥٩).
(٢) «المسند» (٣/ ٣١٦، ٣١٧) و«سنن الدارقطني» (٢/ ١٣).
(٣) «المسند» (٣/ ٣٨٩) و«سنن الدارقطني» (٢/ ١٤).
(٤) (٤/ ٤٤٢).
(٥) ليست في الأصل، وزيدت من «الإصابة».
(٦) الحديث عند أبي يعلى (٢٢٧٢) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، دون الطريق الثاني.
[ ١٦ / ٣٦٢ ]
داود وأحمد والدارقطني (^١)، ولم يذكر في حديثه تلك الزيادة.
الوجه الحادي عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك عن جابر: عمرو بن دينار، وحديثه في الصحيحين (^٢) وغيرهما. وأبو الزبير، وحديثه عند مسلم والشافعي وابن ماجه (^٣)، ولم يذكرا في حديثهما تلك الزيادة.
الوجه الثاني عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك: أبو سعيد الخدري ﵁، وحديثه عند الترمذي وأحمد والشَّافعيِّ وابن ماجه (^٤)، ولم يذكر تلك الزِّيادة.
والحاصل: أنَّ إسناد الحديث عن أبي هريرة انفرَد به حفصُ بن غياث عن الأعمش، وانفرَد به الأعمش عن أبي صالح، وانفرَد به أبوصالح عن أبي هريرة، وانفرَد بإدخال هذه الزِّيادة فيه داود بن رُشَيد عن حفص بن غياث.
وانفرَد بإدخال الزِّيادة في حديث جابر: داود بن رُشَيد عن حفص، وحفص عن الأعمش، والأعمش عن أبي سفيان، وأبوسفيان عن جابر.
وقد روى الحديثَ عن حفصٍ محمدُ بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، فلم يذكراها.
ورواه عن الأعمش عيسى بن يونس وأبو معاوية وسفيان، فلم يذكروها.
_________________
(١) أبو داود (١١١٧) وأحمد (٣/ ٢٩٧) والدارقطني (٢/ ١٣).
(٢) البخاري (٩٣٠) ومسلم (٨٧٥/ ٥٤).
(٣) مسلم (٨٧٥/ ٥٨) و«الأم» للشافعي (٢/ ٣٩٩) وابن ماجه (١١١٢).
(٤) الترمذي (٥١١) و«المسند» (٣/ ٢٥) و«الأم» (٢/ ٣٩٩) وابن ماجه (١١١٣).
[ ١٦ / ٣٦٣ ]
ورواه عن أبي سفيان الوليدُ ين مسلم بن شهاب التميمي العنبري فلم يذكرها.
ورواه عن جابر عَمْرو بن دينار وأبو الزُّبير فلم يذكراها.
ورواه عن النبي - ﵌ - أبو سعيد الخدري فلم يذكرها.
[ص ١٩] والظاهر ــ والله أعلم ــ أنَّ داود بن رُشيد أو حفص بن غِياث فَهِم من قوله في عامة الروايات: «أصليت» أنَّ المراد: «أصليتَ قبل أن تجيء»، فأدرج هذه الزيادة تفسيرًا أو غلطًا.
وسبب الفهم أنَّ أكثر الروايات تُشعِر أنَّ سبب خطاب النَّبي - ﵌ - لسُليك هو أنَّه رآه دخل المسجد ولم يُصلِّ، فلمَّا قال له: «أصلَّيْتَ؟» لم يمكن أن يكون المراد: أصليتَ في المسجد؟ فلم يبقَ إلَّا أن يكون المراد: أصليتَ قبل أن تجيء؟
وهذا الفهم فيه نَظَرٌ من وجوه:
الأول: أنَّ الذي يدلُّ عليه حديث أبي سعيد ﵁ أنَّ سبب خطاب النَّبي - ﵌ - لسُلَيك هو أنَّه رآه بهيئة بذَّةٍ، فدعاه رجاءَ أنْ يراه الناس بتلك الهيئة فيتصدَّقوا عليه، ثم سأله: «أصلَّيت؟» لاحتمال أنْ يكون صلَّى قبل أن يدعوه، فقال: لا، فأمره بالصلاة.
وهذا لفظ الحديث عن الإمام أحمد (^١): عن أبي سعيد قال: «دخل رجلٌ المسجدَ يومَ الجمعة والنَّبي - ﵌ - على المنبر، فدعاه فأمره أن يُصلِّي
_________________
(١) في «المسند» (٣/ ٢٥).
[ ١٦ / ٣٦٤ ]
ركعتين. ثم دخل الجمعةَ الثانية ورسول الله - ﵌ - على المنبر، فدعاه، فأمره. ثم دخل الجمعةَ الثالثة، فأمره أن يصلِّي ركعتين، ثم قال: «تصدقوا» ففعلوا، فأعطاه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قال: «تصدَّقوا»، فألقى أحد ثوبَيْهِ، فانتهره رسول الله - ﵌ -، وكرِهَ ما صَنَع. ثم قال: «انظروا إلى هذا! فإنَّه دخل المسجد في هيئةٍ بذَّةٍ، فدعوتُه، فرجوتُ أن تُعطوا له، فتصدَّقوا عليه وتَكْسُوه، فلم تفعلوا، فقُلت: تصدَّقوا فتصدَّقوا، فأعطيتُه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قلت: تصدَّقوا، فألقى أحدَ ثوبيه. خُذْ ثوبك»، وانتهره.
وظاهره: أنَّ الأمرَ بالصدقة وإعطاء سُليك الثَوْبَيْن وإلقاءه أحدهما كان في المرَّة الثالثة. ورواية الشافعي (^١) تُخالف ذلك، فراجِعْها.
والمقصود بيان خطأ من ظنَّ أنَّ المراد: أصلَّيتَ قبل أنْ تجيء.
[ص ٢٠] الوجه الثاني: أنَّه قد يقال: سلَّمنا أنَّ النَّبي - ﵌ - رآه حين دخل المسجد، ولكن جوَّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، وإنَّما خرج إلى باب المسجد لحاجةٍ كأن يتنخَّم، ثم عاد. فبناءً على ذلك التجويز سأله هل صلَّى؟
الوجه الثالث: أن يُقَال: سَلَّمْنا أنَّ النَّبي ﷺ رآه حين دخل المسجد، وأنَّه لم يُجوِّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، ولكنَّا نقول: إن قوله: «أصَلَّيْتَ» ليس للاستفهام الحقيقي، وإنَّما هو بمعنى الأمر، كما في قوله ﷾: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]. والمعنى: وقل للَّذين أوتوا الكتاب والأميين:
_________________
(١) في «الأم» (٢/ ٤٠٠)، فسياقها يدل على أن ذلك في المرة الثانية.
[ ١٦ / ٣٦٥ ]
أسْلِموا، ذكره في «المغني» (^١).
فإن قيل: فما تصنعون بجواب سُلَيْك بقوله: لا؟
فالجواب: أنَّه فهم أنَّ الاستفهام على بابه، ولذلك أعاد النَّبي صلى عليه وآلِهِ وسلَّم الأمر صريحًا، فتأمّل.
فإنْ أبيت إلَّا أنْ تجعل المعنى: أصَلَّيت قبل أن تجيء، فقد حمله أبو شامة على أن المراد: قبل أن تجيء إلى هنا من مؤخر المسجد. ومع هذا فقد قال الحافظ المزي وابن تيمية: إن هذه الكلمة «تجيء» تصحفت في «سنن أبي داود»، والصواب: «قبل أن تجلس». وردَّه بعض المعاصرين، فإن بعض المتقدمين إسحاق بن راهويه أو غيره بنى عليها مذهبه، فقال في تحية المسجد: إن كان الرجل قد صلَّى في بيته فلا يُصلِّها، وإلَّا فليصلِّها.
وهذا الجواب قوي إن صحَّ النقلُ، ولكن ذلك لا يفيد القائلين بقبلية الجمعة شيئًا، لما مرَّ إيضاحه، ولله الحمد.
وعلى كل حالٍ فلا يمكن أن يكون المراد قبليَّة للجمعة؛ لأنَّ الأدلَّة الصريحة قد قامت على أنَّ الجمعة لا قبليَّة لها؛ لما مرَّ آنفًا من أنَّ محلَّ القبليَّة بعد دخول الوقت، وبين الأذان والإقامة. وقد عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - كان يخرج أوَّل دخول الوقت ــ إن لم يكن قبله ــ عامدًا إلى المنبر، فيؤذِّن المؤذِّنُ، فيقوم النَّبيُّ - ﷺ - للخطبة. وليس بين خروجه - ﵌ - وبين فريضة الجمعة إلَّا الخطبتان، والصَّلاة حينئذٍ حرامٌ إلَّا ركعَتَي التَّحيَّة.
فكيف تكون للجمعة قبليَّة ويكون أداؤها في وقتها الذي هو أول الوقت
_________________
(١) «مغني اللبيب» (١/ ١٣).
[ ١٦ / ٣٦٦ ]