إذا تأمَّلتَ ما ذُكِرَ علمتَ أنَّ الظَّاهِرَ [ص ٨] أنَّ الإبراد بالجمعة سُنَّة، وأنَّه لا يُنافي ندبَ التنفُّل قبلها إلى أن يخرج الإمام، وحينئذٍ فيكون تأخير الأذان مع الإبراد بالجمعة إلى خروج الإمام كتأخيره في الظُهر إلى البرد، فقد ثبت الأمرُ بذلك في «الصحيحين» (^١) عن أبي ذرّ قال: «أذن مؤذّن النَّبي - ﵌ - الظهر، فقال: أبرِدْ أبرِدْ، أو قال: انتظِرْ انتظِرْ » الحديث.
فالسُنَّة في الظهر أن يؤذَّن لها إذا أُريد حضورُ المُصَلِّين، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد. والسُنَّة في الجُمعة أن يؤذَّن لها إذا خرج الخطيب، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد أيضًا.
إذا تقرَّر ما ذُكِر فاعلم أنَّ تأخير أذان الجُمعة إلى خروج الخطيب دليلٌ ظاهرٌ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبلية؛ لأنَّ صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوع.
فلو كانت ثابتةً لسُنَّ الأذان قبل خروج الخطيب حتى يتمكَّن النّاس من فعلها بعد الأذان؛ عملًا بحديث «الصحيحين» (^٢) وغيرهما عن عبدالله بن مغفَّل المُزَني ﵁ أنّ رسول الله - ﵌ - قال: «بين كلِّ أذانينِ صلاة، ثلاثًا، لمن شاء».
وقد حمل الأئمة هذه الصلاة على الرَّواتب القبليَّة. وعليه، فيكون وقتها ــ أي الرَّواتب القبليَّة ــ بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمَت لم تقع الموقع.
فتأمَّل هذا تَجِدْهُ ظاهرًا في نفي أنْ تكون للجُمعة سُنَّة قبلِيَّةٌ.
_________________
(١) البخاري (٥٣٥) ومسلم (٦١٦).
(٢) البخاري (٦٢٤) ومسلم (٨٣٨).
[ ١٦ / ٣٤٧ ]
ويؤيِّدُه حديث البخاري (^١) عن ابن عمر ﵄، من رواية مالكٍ عن نافعٍ عنه، قال: «صَلَّيتُ مع رسول الله - ﵌ -، كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلِّي ركعتين».
وهذا في «صحيح مسلم» (^٢) مختصرًا.
وأخرجاه (^٣) في التطوُّع، من رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: «سجدتين، سجدتين».
[ص ٩] وإفراده للجمعة ههنا يردُّ على من زعم أنَّ حكمها حكم الظُّهر، وذكرُه الرَّكعتين بعدها فقط يدلُّ على أنَّه لا قبليَّة لها.
ومن الباطل جواب ابن بطَّال (^٤) عن هذا بأنَّ ابن عمر إنَّما أعاد ذكر الجمعة بعد ذكر الظُّهر من أجل أنَّه كان - ﵌ - يصلِّي سُنَّة الجمعة في بيته بخِلافِ الظُّهر. فَمِن أين له أن النبي - ﵌ - كان يصلي قبلية الظهر أبدًا في بيته وبعدِيَّتَّها في المسجد أبدًا، حتى تَثبت مخالفتُها للجمعة في الثانية وموافقتها لها في الأولى، فيقال: ذَكَر ابنُ عمر ما خالفت فيه الجمعةُ الظهرَ وما وافقتها فيه؟
على أنَّ قضيَّة جوابه أنَّ الجمعة تسمَّى ظهرًا، وهذا واضحُ البطلان.
_________________
(١) رقم (٩٣٧).
(٢) رقم (٨٨٢/ ٧١).
(٣) البخاري (١١٧٢) ومسلم (٧٢٩).
(٤) في شرحه على «صحيح البخاري» (٢/ ٥٢٦).
[ ١٦ / ٣٤٨ ]
فتبيَّن أنَّ حديث ابن عمر يردُّ على مَن زعم أنَّ حُكْم الجمعة حُكْم الظُّهر، ويدلُّ على أنَّه لا قبليَّة للجمعة، فتأمَّل.
وممَّا يؤيِّد ذلك: ورود الأمر بالصلاة بعد الجُمعة، وهو حديث أبي هريرة ــ عند مسلم (^١) ــ قال: قال: رسول الله - ﵌ -: «إذَّا صلَّى أحدكم الجُمعةَ فليُصَلِّ بعدها أربعًا»، وفي رواية: «فإن عَجِلَ بك شيءٌ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت».
فقد فُهِم من هذا الحديث نفيُ قبليَّة الجُمعة، إذ لو كانت لذُكِرَتْ، وليس هذا عمدتنا في ذلك.
وظاهر من هذا الحديث أن هذه الأربع مؤكدة، بل ظاهره كما قال بعضُهم الوجوب، لولا أن في الرواية الأُخرى (^٢): «من كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا».
وهذا بخلاف بعديَّة الظهر، فإنَّ المؤكَّد منها ركعتان فقط. ولا ينافي تَأَكُّدَ الأربعِ حديثُ ابن عمر السابق في اقتصاره - ﵌ - على ركعتين؛ إذ قد يُقال: إنَّ الأربع تتأكَّد في حق المأمومين كما يقتضيه الأمر، ولا تتأكَّد في حق الإمام، لأنَّه قد حصل له مزيد الأجر بنصبه في الخطبة بخلافهم.
وليس لقبليتها حديث صحيح، بل الأحاديث تُفيد عكسَ ذلك كما مرَّ. وبهذه الدلائل يُخصَّص عموم حديث ابن حبان (^٣): «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتانِ»، كما سيأتي إن شاء الله.
_________________
(١) رقم (٨٨١).
(٢) «صحيح مسلم» (٨٨١/ ٦٩).
(٣) في «صحيحه» (٢٤٥٥، ٢٤٨٨) من حديث عبد الله بن الزبير. وإسناده قوي.
[ ١٦ / ٣٤٩ ]