قال في «أعلام الموقعين» و«الهدى»: (إذا جمع الطلاق الثلاث بفم واحد، جعلت واحدة، كما ثبت في «صحيح مسلم» عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: «كان الطلاق [الثلاث] على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدةً، فقال عمر [بن الخطاب]: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم، وهذا الحديث لا دافع له؛ فإن مسلمًا قد رواه في «صحيحه»، ومسلم ملتزم الصحة، وإن كان ابن رجب قد قال فيه شيئًا، فهو خطأ؛ لأنه ليس شاذًا، ولا منكرًا، ولا غريبًا، ولا فيه أحد منكر؛ لأنه لو كان فيه علة، لم يكن في «صحيح مسلم».
وفي «صحيحه» أيضًا عن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ:
[ ٤٥٥ ]
ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباسٍ: نعم»).
قلت: وهذا الحديث أيضًا لا دافع فيه، فإن مسلمًا قد رواه في «صحيحه». والله أعلم.
وفي «صحيحه» عنه: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازهم. وهذا الحديث أيضًا لا دافع فيه؛ لكونه في «صحيح مسلم».
فهذه ثلاثة أحاديث في «صحيح مسلم» صحاح؛ لأن مسلمًا شرطه الصحة، ومن قال غير هذا، فقد أخطأ، ونحن لنا هذه الثلاثة أحاديث من «مسلم»، فأتونا أنتم بحديث واحد منه أو من «الصحيح».
وفي سنن أبي داود عن طاوس: «أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباسٍ، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ، وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيه، قال: أجيزوهن عليهم».
[ ٤٥٦ ]
وفي «مستدرك» الحاكم من حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة، «أن أبا الجوزاء أتى ابن عباسٍ فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله ﷺ إلى واحدةٍ؟ [قال: نعم] قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح». هذا الحديث قد صححه الحاكم، وتصحيح الحاكم له يدل على أنه ليس فيه علة، لكنهم لا يتنازعون فيه كل النزاع، وهذه الطريق غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.
وقال الإمام أحمد في «مسنده»: «حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي
[ ٤٥٧ ]
عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة -مولى ابن عباس- عن ابن عباسٍ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد -أخو بني المطلب- امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ. قال: نعم. فقال: إن تلك واحدةٌ، فأرجعها إن شئت، قال: فراجعها، فكان ابن عباسٍ يرى الطلاق عند كل طهرٍ».
وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، وحسنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على ابن أبي العاص بمهرٍ جديدٍ، ونكاحٍ جديدٍ». هذا حديث ضعيف،
[ ٤٥٨ ]
أو قال: واهٍ، لم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي [والعزرمي] لا يساوي حديثه شيئًا.
والحديث الصحيح الذي روى: «أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول»، وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد هذا، وقد
[ ٤٥٩ ]
قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي، فهو حجة، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره وأقوى منه؟
قال أبو داود: «حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافعٍ مولى النبي ﷺعن عكرمة- مولى ابن عباس - قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأةً من مزينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها، ففعل، قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
وقال أبو داود: «حديث نافع بن جبير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه عن جده، أن ركانة طلق امرأته، فردها إليه النبي ﷺ،
[ ٤٦٠ ]
أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله، وأعلم به، وأن ركانة إنما طلق امرأته البتة، فجعلها النبي ﷺ واحدة». وأما قول ابن رجب: إسناد حديث ركانة مجهول، فهذا ليس بمجهول، ومن أين جهله؟ فوا عجبًا لإمام يقول هذا، لا يبين الجهل، وقد قال النبي ﷺ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناسٌ دماء قومٍ وأموالهم». وأما قوله: إنه لم يطلقها ثلاثًا، فهذا خطأ بإجماع المسلمين؛ فإن أهل بيته رووا عنه الحديث، وذكروا فيه الثلاث، فعجب لك تقول: مجهول، ثم تثبته وتقول: ليس الثلاث فيه؟!
وأما قولك: إنه ولو صح فليس فيه أنه طلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، فيحتمل أن تكون ثلاثًا متفرقة، ويكون قبل حصر الثلاث، فهذا ليس مسلمًا؛ فإن النبي ﷺ لم يثبت عنه أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثٌ، وفي زمنه كان واحدة، ومن أين لك أنه كان قبل حصر الثلاث؟
وأما قولك: البتة، فليس البتة واحدة، بل قال غير واحد من العلماء: كانت البتة عندهم ثلاثًا، وأنت قد صححت هذا الحديث).
قال في «أعلام الموقعين» بعد ذكر هذا الحديث وتصحيحه: (قال
[ ٤٦١ ]
شيخنا [﵀]: وأبو داود [لما] لم يرو في «سننه» الحديث الذي في «مسند» أحمد -يعني الذي ذكره [آنفًا]- فقال: حديث «البتة» أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الأكابر العارفين بعلل الحديث والفقه؛ كالإمام أحمد، وأبي عبيد، والبخاري ضعفوا حديث «البتة»، وبينوا أن رواته قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد ثبت حديث الثلاث، وبين أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، وأهل المدينة يسمون الثلاث: البتة)، قلت: فانظر إلى ابن رجب كيف ضعف الحديث الذي قوته الأئمة، وقوى الحديث الذي ضعفوه، وهذا يكفيه.
قال الأثرم: «قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعفه».
(والمقصود: أن عمر بن الخطاب لم يخف عليه أن هذا هو السنة،
[ ٤٦٢ ]
وأنه توسعة من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة، لم يملك المطلق إيقاع مراته كلها جملة واحدة، كاللعان، فإنه لو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة [وقال: أقسم] بالله خمسين أن هذا قاتله، كان ذلك يمينًا واحدة، ولو قال المقر بالزنا: أنا أقر أربع مرات [أني] زنيت، كان مرة واحدة، فمن اعتبر الأربع، لا يجعل ذلك إلا مرة واحدة. وقال النبي ﷺ: «من قال في يومه: سبحان الله وبحمده، مئة مرةٍ، حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر»، فلو قال: سبحان الله وبحمده مئة مرة، لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذلك قوله: «من سبح الله [في] دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وكبره ثلاثًا وثلاثين -الحديث، لا يكون عاملًا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، لا يجمع الكل بلفظ واحد، وكذلك قوله: «من قال في يومه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ مئة مرةٍ، كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي»، لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة، وهكذا قوله: ﴿يأيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث
[ ٤٦٣ ]
مراتٍ﴾، وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثٌ، فإن أذن لك، وإلا فارجع»، لو قال الرجل ثلاث [مرات] هكذا، كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة، وهكذا كما أنه في الأقوال والألفاظ، فكذلك هو في الأفعال سواء؛ كقوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾.
إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول ابن عباس: «رأى محمدٌ ربه بفؤاده مرتين»، وكذلك قول النبي ﷺ: «لا يلدغ المؤمن من جُحرٍ [واحدٍ] مرتين»، فهذا المعقول من اللغة والعرف والأحاديث المذكورة.
وهذه النصوص المذكورة من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، كلها من باب واحد، ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، كما أن حديث اللعان يفسر قوله: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله﴾.
فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ، والصحابة كلهم معه من عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدهم العاد
[ ٤٦٤ ]
بأسمائهم واحدًا واحدًا، [لوجد] أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة، إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك، فإنه لم يكن منكرًا للفتوى به، بل كانوا ما بين مفتٍ، ومقر بفتيا، وساكت غير منكر، وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا).
قلت: فألوف كثيرة، فكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا قال بعض أهل العلم: هذا إجماع قديم، ولم تجتمع الأمة على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، ولله الحمد، انتهى.