فسل هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً﴾ وهل دخل في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ وهل دخل في قوله ﷺ: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج»؟
[ ٤٩٣ ]
وهل دخل في قوله ﷺ: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة؟ وهل دخل في قوله ﷺ: «أربعٌ من سنن المرسلين: النكاح، والتعطر، والختان، وذكر الرابعة»؟ وهل دخل في قوله ﷺ: «النكاح سنتي، ومن رغب عن سنتي فليس مني»؟ وهل دخل في قول ابن عباس: «خير هذه الأمة أكثرها نساءً»؟ وهل له نصيب من قوله ﷺ: «ثلاثةٌ حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، [والمكاتب يريد الأداء]،
[ ٤٩٤ ]
وذكر الثالث»؟ أو إنما دخل في لعن الله ورسوله؟ فهل يلعن الله ورسوله من يفعل مستحبًا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرة، أم لعنته مختصة بارتكاب الكبيرة؟
وسله: هل كان في الصحابة محلل، أو أقر رجل منهم على التحليل؟ وسله: لأي شيء قال عمر: لا أوتى بمحللٍ أو محللٍ له إلا رجمتهما»؟ فإذا كان نكاح المتعة الذي يتم الشهرين، بل الثلاثة والسنة حرامًا. فكيف المحلل الذي يقيم ساعة ولا غرض له في النكاح البتة؟! فكيف يحل في شرع تحليل هذا؟ فهذا لا يباح في ملة من الملل قط، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به. فألزم عمر بالثلاث إذا جمعوها، ليكفوا عنه، إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل إلا إلى عودها بالتحليل. فإنه لما تغير الزمان، وبعد العهد بالسنة، وآثار القوم، وقام سوق التحليل، ونفق في الناس، فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي ﷺ وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل أو يقلله ويخفف شره. وإذا عرض على من وفقه الله، وبصره بالهدى، وفقهه في الدين مسألة كون الثلاث واحدة، ومسألة التحليل، ووازن بينهما، تبين له التفاوت، وعلم أي المسألتين أولى بالدين، وأصلح للمسلمين.
فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك، وقد أهديت -إن قبلتها- إليك. وما أظن عمى التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه،
[ ٤٩٥ ]
ولا يدع التوفيق يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تطلع العالم على ما وراءها. وبالله التوفيق.