قال ابن رجب في آخر كتابه: «اعلم أن ما قضى به عمر على قسمين:
أحدهما: ما لم يعلم للنبي ﷺ فيه قضاء بالكلية، وهذا على نوعين:
أحدهما: ما جمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه، فأجمعوا معه عليه.
فهذا لا يشك أنه الحق، كهذه المسألة، والعمريتين، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه، وعليه القضاء والهدي، ومسائل كثيرة.
والثاني: ما لم يجمع الصحابة، بل مختلفين فيه في زمنه، وهذا يسوغ فيه الاختلاف، كمسائل الجد مع الإخوة.
القسم الثاني: ما روي عن النبي ﷺ فيه قضاء، بخلاف قضاء عمر، وهو على أربعة أنواع:
أحدها: ما رجع فيه عمر إلى قضاء النبي ﷺ، فهذا لا عبرة فيه بقول عمر الأول.
[ ٤٤٥ ]
الثاني: ما روي عن النبي ﷺ فيه حكمان، أحدهما موافق لقضاء عمر، فإن الناسخ من النصين ما عمل به عمر.
الثالث: ما صح عن النبي ﷺ إنه رخص في أنواع من جنس العبادات، فيختار عمر للناس ما هو الأفضل والأصلح، ويلزمهم به، فهذا يمنع من العمل بغير ما اختاره.
الرابع: ما كان قضاء النبي ﷺ لعلة، فزالت العلة، فزال الحكم بزوالها، أو وجد مانع يمنع ذلك الحكم».
قال: «فهذه المسألة إما أن تكون من الثاني، وإما أن تكون من الرابع».
وقال: «لا يعلم من الأمة أحد خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكمًا ولا قضاء، ولا علمًا ولا إفتاء، ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جدًا، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية الإنكار، وكان أكثرهم يستخفي بذلك، ولا يظهره، فكيف يكون إجماع الأمة على إخفاء دين الله الذي شرعه على لسان رسوله، واتباعهم اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك؟ هذا لا يحل اعتقاده البتة، وهذه الأمة كما أنها معصومة من الاجتماع على ضلالة، فهي معصومة من أن يظهر أهل الباطل منهم على أهل الحق، ولو كان ما قاله عمر في هذا حقًا، للزم في هذه المسألة ظهور أهل الباطل على أهل الحق في كل زمان ومكان، وهذا باطل قطعًا.