قال الشيخ جمال الدين الإمام -رضي الله تعالى عنه- في أول أحد كتبه في هذا: «وقد جعلت لله علي إن وجدت ما يقويه أصل أو دليل يردني أن أتصدق بألف أو نحوه».
ثم قال: «الطلاق الثلاث واحدة، كما صحت به السنة، واجتمعت عليه الصحابة في زمن رسول الله ﷺ، وخلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، قال الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، إلى قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾، فقد حكم الله -تعالى- في هذه الآيات الكريمات في هذه المسألة ثلاثة أحكام، فمن فهمها، وتصورها على حقيقة ما هي عليه -وقد أراد الله هدايته إلى قبول الحق إذا ظهر إلى القول به- صح كلامه.
[ ٤٦٦ ]
واعلم أن كتاب الله نص صريح أن الطلاق الثلاث واحدةٌ شرعًا، لا يحتمل خلافًا صحيحًا، وهذا هو النص شرعًا، فإن كل كلام له معنى لا يحتمل غيره، فهو نص فيه، فإن كان لا يحتمل غيره لغة، فهو نص لغة، وإن كان لا يحتمل غيره شرعًا، فهو نص شرعًا، وكتاب الله في هذه الآيات لا يحتمل شرعًا غير أن الطلاق الثلاث واحدة.
ومن تصور هذه الأحكام وفهمها، عرف موارد الشرع ومصادره، وكل واحد من هذه الدلائل السبعة على انفراده حجة، وهي: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، ومقتضى القياس، والاعتبار الصحيح، وقواعد المذاهب، ولغة العرب، وقد دلت عليه السبعة، وقد قال الله -تعالى- أيضًا: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ﴾، وقد قال الله -﷿-: ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، معناه: وإلا فلستم بمؤمنين حقًا، والألف واللام في قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ للعهد، والمعهود هنا هو الطلاق المفهوم من قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ﴾، وهو الرجعي بقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، فصار المعنى: الطلاق الذي الزوج أحق فيه بالرد مرتان فقط، فقد تقيد الرد الذي كان مطلقًا، في كل مرة من الطلاق بمرتين منه فقط، فلم يعرف، ولا فرق في الآية بين قوله في كل مرة: طلقتك واحدة، أو ثلاثًا، أو ثلاثين ألف.
فمن تصور معاني هذه الأحكام من الألفاظ، وأراد الله هدايته، علم أن لله نصًا صريحًا شرعًا في أن الطلاق الثلاث واحدة؛ لأن هذه الآيات لا تحتمل شرعًا غير ذلك عند من يفهم النص الشرعي، وينصف فيه، ويريد الله هدايته إلى قبول الحق، وينزع من قلبه الهوى والحمية في الانتصار للمذاهب، أو على ابن تيمية. وكتاب الله في هذه الآيات شرعًا
[ ٤٦٧ ]
لا يحتمل غير أن الطلاق الثلاث واحدة عند من يفهم، وينصف، ويعرف قوته من الصحة من جهة سنده، وموافقة الأصول لمعناه، ويخاف الله فيما يقضي به في دينه أو في عباده، ويعرف أن الله قد استرعى العلماء على دينه، كما أنه استرعى الحكام على عباده. «وكل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته»، ويتهيأ للاحتجاج بين يدي الله -تعالى- إذا سأله عما قضى به في دينه أو في عباده، وهو حاف عريان مكشوف الرأس بادي السوءة أقلف، يده مغلولة إلى عنقه. وليس في شريعة الإسلام ما يدل على أن الله شرع طلاق الثلاث جملة، لا لفظًا ولا معنىً ولا حكمًا، ومن زعم هذا، ولم يقم عليه دليلًا صحيحًا، فقد قال على الله بغير علم. وقد دلت الآية التي في «الأعراف» على أن القول على الله بغير علم أشد من الشرك، وهي قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ إلى قوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، وذلك عند من يفهم وينصف، ويفهم معنى هذه الآية الكريمة، وما فيها من عطف البعض على الكل، وأنه قد تكرر فيها تحريم القول على الله بغير علم، بالعطف خمس مرات، والشرك أربع مرات، والبغي بغير حق ثلاث مرات، والإثم مرتين، والفاحشة مرة».
ثم قال: «فصل: الكلام هنا على معنى الآيات الكريمات في حكم الطلاق الثلاث جملة، سواء كانت ثلاث مرات، أو مئة مرة، أو ثلاثين ألفًا». ثم قال: «وذلك أن ضمير الآية في قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل
[ ٤٦٨ ]
له﴾، أ، إن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له بعدها، المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، لا يجوز فيه شرعًا غير ذلك، وهذا الحكم مختص به شرعًا؛ أي: بتحريم المطلقة عليه حتى تنكح زوجًا غيره، ويلزم أن يكون التحريم فيما بعد المرتين الأوليين، فإن كل واحدة من الأوليين له فيها الخيار بين الإمساك والتسريح بنص الآية، فيكون التقدير: فإن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له، هذا لا يحتمل خلافًا».
قلت: فهذه الآية صريحها على هذا أن الثلاث متفرقات، والله أعلم.
ثم قال: «ويدل على التقدير لزوم أنه لا يجوز في الآية أن يقال: فإن طلقها، فلا تحل له. لا يجوز أن يكون مستقلًا بنفسه، منفصلًا عما قبله؛ لما في ذلك من لزوم نسخ مشروعية الرجعة في الطلاق من دين الإسلام، ولا قائل به، وذلك لما فيه من عود ضمير المطلق فيه إلى غير موجود في الكلام قبله، معينٍ له، مختص بحكمة، فيكون عامًا في كل مطلق ومطلقة، ولا قائل به، وذلك أن قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾، جملة مقيدة، والجملة نكرة، وهي في سياق شرط ونفي، فتعم كل مطلق ومطلقة، فيكون ذلك ناسخًا لمشروعية الرد في الطلاق في دين الإسلام، ولا قائل به، فتعين أن يكون قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ إتمامًا لما قبله؛ أي: متصلًا به، ويكون الضمير فيه عائدًا على موجود في الكلام قبله، معين له، مختص بحكم تحريمه في طلاقه إن طلق، وليس فيما قبله ما يصلح عود هذا الضمير إليه، واختصاصه بهذا الحكم من التحريم شرعًا إلا المطلق المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ لأنه لو عاد إلى من يطلق في صورة المفاداة المذكورة قبله، كان التحريم مختصًا بطلاق المفاداة، ولا قائل به، ولو عاد إلى من يطلق في صورة الإيلاء المذكورة
[ ٤٦٩ ]
قبل هذه الآيات، كان التحريم مختصًا بطلاق المؤلي، ولا قائل به، فتعين أن يكون الضمير عائدًا إلى المطلق المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، وهو في نظم الكلام متعين له شرعًا، لا يجوز عوده إلى غيره شرعًا، وأن يكون تقدير الكلام: فإن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
وقد تبين أن معنى هذا الكلام وتقديره: أن الطلاق الرجعي مرتان، فإن طلقها بعدهما مرة ثالثة، فلا تحل له به بعدها حتى تنكح زوجًا غيره، فلم يشرع الله التحريم إلا بعد المرة الثالثة من الطلاق، والمرة الثالثة لا تكون إلا بعد مرتين شرعًا ولغة، وعرفًا، وإجماعًا، إلا ما وقع في هذه المسألة بقضاء الله وقدره».
ثم قال: «فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعًا ولغة في الطلاق الثلاث وفي غيره أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام: طلقتك طلاقًا، ومعنى المصدر في الكلام، طلقتك تطليقات ثلاثًا، ومعنى المصدر في الكلام إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل، والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبرًا عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي، وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكًا، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه، أتبع بالمصدر مطلقًا، وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ عقد، سواء قيل: إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك، فإن أريد العقد أو الفسخ، أتبع المصدر مطلقًا؛ مثل: طلقتها تطليقًا، وأما إن أريد تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة
[ ٤٧٠ ]
بعد مرة، وأتبع بالعدد وحده، أو مضافًا إلى المصدر «المجموع» مثل: طلقتك ثلاثًا، وقصد به التعدد، أو قال في اللعان: أشهد بالله خمسًا أو خمس شهادات، أو قال في القسامة: أقسم بالله خمسين يمينًا، أو قال بعد الصلاة: سبحان الله مرة، ثم قال: ثلاثًا وثلاثين، وكذا: الحمد لله، وكذا الله أكبر، وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة: سبحان الله وبحمده، وأتبعها: مئة مرة، لم يكن بتكراره في الأيام والأوقات والعدد، فأما غير الطلاق، فلا خلاف فيه، وأما الطلاق، فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة».
ثم قال: «فصل: وليس في شريعة الإسلام أن الله -سبحانه- شرع للرجل في طلاق امرأته ثلاث طلقات، ولا أنه حرمها عليه بثلاث طلقات، حتى يقع الشك في جواز جمعها بمثل هذا التركيب مرة واحدة، أو أنه لا يجوز، والطلاق أبغض الحلال إلى الله، والله أعلم».
ثم قال: «فصل: والقول في هذه المسألة بوقوع الطلاق جملة قد شذ، وهو غريب منفرد عن أمثال هذه المسألة، ليس له دليل في الشرع، ولا نظير في اللغة، ولا في قواعد المذاهب، بل كل مسألة تماثل هذه المسألة فقواعد المذاهب فيها بخلافه».
ثم قال: «وإنما غلط الناس في معاني دلائل هذه المسألة، وفي معنى سنة عمر في العقوبة بإمضاء طلاق الثلاث جملة، لما أكثر الناس منه على ما فيه من التلاعب بحكم الله، كما غضب منه عمر، وغضب منه رسول الله ﷺ أيضًا.
وقد ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم في «ذم مصائد الشيطان» لما تكلم على هذه المسألة: «أن عمر -﵁- ندم على ما فعله فيها من إمضاء الثلاث».
[ ٤٧١ ]
فإن صح ذلك فهو -والله أعلم- خوفًا من مثل ما وقع فيها بسبب ذلك، من قيام سوق التحليل بتيوس اللعنة، فإنه إنما سن العقوبة بإمضاء الثلاث لما تمكن الشيطان من التلاعب بالناس في ذلك كثيرًا، بخلاف ما كان قبل ذلك في زمن النبوة، وفي خلافة النبوة، فإنه كان قليلًا في ذلك الوقت».
ثم قال: «فصل: وقد قدر الله -﷾- بحكمته البالغة التي لا تدركها عقول عباده غلط أكثر الناس بعد الصحابة -﵃- في معنى ما سنه عمر من إمضاء الثلاث، واتخذوه شرعًا محتومًا من الشارع، وقضوا به على الناس، وفي هذا حرج عظيم على الناس، ولا ريب عند من يفهم وينصف ويريد الله هدايته إلى قبول الحق إذا تبين أن دلائل الشرع تدل على أنه واحدة شرعًا بالكتاب والسنة، فجعل الله غلط الغالطين في سنة عمر سببًا لما قدره من تضييع حكم هذه المسألة، كما قد يضيع حكم غيرها».
ثم قال في آخر هذا الكتاب: «فصل: فقد اجتمع عندي من الدلائل الصحيحة على صحة القول بأن الطلاق الثلاث واحدة سبعة أبواب من دلائل صحيحة، لا يعرف اجتماع مثلها على قول في مسألة خلافية، بل ولا في مسألة إجماعية فيما عرفت، ولا أعرف للقول بمضي طلاق الثلاث في مثل هذا الوقت -وقد قامت سوق التحليل- له مجالًا في دين الإسلام، ولا فيه شبهة صحيحة ولا قوية، ولا هذا يشكل على من يفهم
[ ٤٧٢ ]
وينصف ويريد الله هدايته إلى قبول الحق إذا تبين بعد نظره في هذه الدلائل، فإن كل باب منها على انفراده يكفي حجة بين يدي الله وعند من يفهم وينصف على القضاء في دينه بأن الطلاق الثلاث واحدة، مع معرفة حديث (بريدة):
أحدهما: كتاب الله على وجه التنصيص، كما تقدم.
الثاني: السنة، وهي الأحاديث الثلاثة الصحيحة التي رواها طاوس عن ابن عباس وأبي الصهباء: «أن الطلاق الثلاث كانت واحدةً في زمن النبوة، وفي خلافة النبوة، وفي بعض زمن عمر»، ولم يصح في الباب شيء غيرها، وليس للطعن فيها مجال.
الثالث: الإجماع في زمن النبوة، وخلافة النبوة وبعض زمن عمر، ولا تشريع بعد رسول الله ﷺ، وليس في الإجماعات أصح من هذا الإجماع.
الرابع: القياس الصحيح على مواقع الإجماع في كل ما يماثل حكم هذه المسألة.
الخامس: الاعتبار الصحيح بأحكام الله في عباده، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ﴾.
[ ٤٧٣ ]
السادس: قواعد المذاهب بالحكم في كل ما يماثل هذه المسألة بما يماثل هذا القول: بأن الطلاق الثلاث واحدة.
السابع: قواعد اللغة كما تقدم».
قال: (وقد بسط الكلام في كتاب «التحفة والفائدة») ثم قال: «وقد جعلت على نفسي في كل مسألة من هذه المسائل التي أراني الله فيها أن قول ابن تيمية هو شريعة الإسلام، من يريني شريعة إسلامية يصح الاعتماد عليها في مخالفتي، أو أجد أحدًا فاهمًا لبيبًا يفهم ما يقول، وما يقال: وكيفية الاستدلال، بحيث يعرف من نفسه فيما يعرفه أنه يعرفه، فلا يتمارى فيه، وفيما لا يعرفه أنه لا يعرفه، فلا يماري فيه، ولا أجد إلا من لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فلا حول ولا قوة إلا بالله». ولم يذكر شيئًا هنا.