قال الشيخ جمال الدين في كتاب «التحفة والفائدة»: «أما بعد، فإن الله -تعالى- قد أطلعني بفضله ورحمته على شيء من غوامض علمه المخزون في غوامض شريعته التي أرسل إلينا بها عبده ورسوله محمدًا ﷺ، وهي كتابه وسنة رسوله، وذلك في أصول الدين وفروعه، وذلك مع بعد ذهني، وقلة علمي وقدري، وقد أطلع الله من شاء من عباده على ما يشاء من علمه، ويسر من شاء منهم للقيام فيه بالقسط، وانظر إلى تواضعه، ولطافته؛ فإنه كان في الزهد والورع والعبادة والتأله، والصدقة والخير، على ما لا
[ ٤٧٤ ]
يعلمه إلا الله تعالى. وأما ابن رجب، فإنه كان زاهدًا ورعًا أيضًا، لكن بلغني أنه ما عمل كتابه إلا حمية، وذلك أنه كان متباغضًا هو وأولاد مفلح والحنابلة المقادسة، فعمل هذا الكتاب لأجلهم، وبلغني أنه كان شخص يقال له «الحريري»، وكان حنبليًا، وكان يفتي بهذا، فأذاه ابن رجب وضربه».
كما جرت للدوالبي على زماننا كما تقدم، والذي يظهر أن أولاد مفلح والحنابلة المراودة، والذين كانوا على زمانه كانوا يفتون بهذا، وهذا الذي فعله لا يجوز له، فإن أحدًا لا يجوز له أن يلعب في دين الله لأجل معاداة الغير. والله أعلم.
ثم قال الجد في هذا الكتاب: «فصل: وقد أجهدت نفسي في هذه المسألة، وأطلت النظر فيها من نحو العشرين سنة، ولا سيما في هذا الوقت بسبب ما وقع من الرجل الظالم في حق الرجل الصالح فيها»، قلت: وأظن الرجل الظالم ابن رجب، والرجل الصالح الحريري.
ثم قال: «ووددت أن أجد في شريعة الإسلام نصًا يصح الاعتماد عليه والاحتجاج به بين يدي الله في موقف القيامة، على صحة المنقول في المذاهب، من القول بوقوع الطلاق الثلاث جملة».
ثم قال في آخر هذا الكتاب: «فصل: وقد ألجأني الغضب لله -﷾-، ولرسوله في هذه المسألة، ولنفسي أيضًا، واللجاج من حدة النفس إلى أن جعلت على نفسي جعالة شرعية ألف درهم لمن يعرف
[ ٤٧٥ ]
شريعة من شرائع الإسلام يصح الاحتجاج بها بين يدي الله على صحة القول بوقوع الطلاق الثلاث جملة شرعًا، أو على جواز العقوبة بإمضائه في هذا الوقت، مثل جوازها لعمر، أو على جواز التمسك في ذلك بالمنقول في المذاهب بعد بيان مخالفة دلائل الشرع له، فيتحقق بها، ويعلمني أنها بالتحرير والتحقيق، ولم أجعل ذلك لوهم تلبد، ولا لمشاغب مصادر، يماري ويكابر بدعوى التقليد بالتلفيق، من غير تحرير ولا تحقيق، ولذلك جعلت على نفسي في مسألة الحلف بالطلاق بأداة الشرط والجزاء وغيرها مما وهم فيه الغالطون على شيخ الإسلام ابن تيمية مثل مسألة الوقف المترتب على الذرية إذا مات منهم أحد قبل قبول الوقف إليه، وخلف ولدًا، ومسألة الزيارة، ومسألة الحوادث، فكل منها قد جعلت على نفسي فيه مثلما جعلت على نفسي في هذه المسألة على هذا الوجه، وهذا القدر المجعول هو قدري بالنسبة إلى حالي، لا قدر هذه الدلائل، ولا قدر من يعرفها ويعلمها؛ فإن الدنيا لا تقوم عندي لذلك؛ لما أجده في قلبي من الهم والحزن من تعطل هذه المسائل عن العمل فيها بمقتضى دلائل الشرع ظاهرًا، ولا أجد للحق ناصرًا، حتى إن خوفي من إظهار الحق في ذلك أشد من خوفي من أرباب المنكر المجمع على تحريمه، وليس فيه إلا ما قدره الله، وحكمته اقتضت بتسلط الشيطان على هذا النوع الآدمي من خلقه، حتى صاروا حطبًا إلى النار، إلا واحدًا من كل ألف إلى الجنة، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، والله الموفق».
[ ٤٧٦ ]