قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الصلاة:
فَصْلٌ
فهاك سياق صلاته ﷺ من حين استقباله القبلة وقوله: «الله أكبر» إلى حين سلامه، كأنَّك تشاهده عيانًا، ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت.
قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصلاة واستقبل القبلة
قوله: «فهاك» أي: اسم فعل أمر بمعنى خذ.
قوله: «سياق صلاته ﷺ، من حين استقباله القبلة …» هنا أراد ﵀ أن يُبيِّن صفة صلاة النبي ﷺ من التسليم إلى التكبير، وقد ذكر ﵀ جملة صفة صلاة النبي ﷺ وإن كان هناك مسائل ما ذكرها ﵀ إلا أنه من حيث العموم أتى على جملة صفة صلاة النبي ﷺ.
قوله: «ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت» يعني مع التنزّل أن الإنسان له الاختيار، وإلا فإن المسلم سيختار هدي النبي ﷺ؛ لأن هذا هو الأصل في المسلم، أنه يأخذ بما دلَّ عليه الدليل، قال الله ﷿: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فقوله ﵀: «اختر لنفسك بعدُ ما شئت» يعني خُذْ بهدي النبي ﷺ وليس مراده أنك تأخذ بقولٍ ولو خالف هدي النبي ﷺ؛ لأنه إنما قال ذلك؛ لأن الأصل في المسلم إنما يأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وأن هذه الصفة التي كتبها على وفق هديه ﷺ.
قوله ﵀: «كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصَّلاة» القيام ركن من أركان
[ ٩ ]
ووقف في مصلاه رفع يديه إِلى فروع أُذنيه» (^١).
الصلاة في الفرض بالاتفاق، وفي النفل مستحب، قال الله ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر» (^٢)، متفق عليه.
والحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع فهو في حد القيام.
قوله: «وَوَقف في مصلَّاه رفع يَدَيْهِ إِلى فروع أُذُنَيْه» رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سنَّة باتفاق الأئمة؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يُحاذي منكبيه»، متفق عليه.
وعن سعيد بن جبير: أنه سُئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هو شيء يزين به الرجل صلاته، كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الافتتاح، وعند الركوع، وإذا رفعوا رؤوسهم، رواه البيهقي في السنن الكبرى (^٣). وإسناده صحيح.
وسيأتينا أن رفع الأيدي في الصلاة ثبت عن النبي ﷺ في أربعة مواضع فقط، أما الموضع الخامس: عند كل خفضٍ ورفع هذا موضع خلاف سنشير إليه وأضيق المذاهب في هذه المسألة هو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀.
قال المؤلف ﵀: «إِلى فروع أُذُنَيْه» يعني ترفع إلى فروع أذنيك، أعلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٧)، ومسلم (٣٩١).
(٢) أخرجه: البخاري رقم (١٠) ومسلم رقم (٤).
(٣) السنن الكبرى (٢/ ٧٥).
[ ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأذنين، ورفع الأيدي ورد فيه صفتان:
الصفة الأولى: إلى فروع الأذنين؛ لما روى مالك بن الحويرث ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» فعل مثل ذلك، رواه مسلم (^١)، وفي
لفظ: حتى يُحاذي بهما فروع أذنيه، رواه مسلم.
وعن وائل بن حجر ﵁ قال: قدمت المدينة، فقلت: لأنظرن إلى صلاة النبي ﷺ، قال: فكبر ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه (^٢).
الصفة الثانية: إلى حذو المنكبين؛ لما رواه البخاري قال أبو حميد الساعدي ﵁: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه.
ولحديث ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر (^٣). متفق عليه.
وعن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يُكبر بيديه حين يستفتح، وحين يركع، وحين يقول: سمع الله لمن حمده، وحين يرفع رأسه من الركوع، وحين يستوي قائمًا. قلت لنافع: كان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا. مصنف عبد الرزاق، وجزء رفع اليدين للبخاري. وإسناده صحيح.
فهاتان صفتان، والصفات الواردة على وجوه متنوعة، للعلماء في ذلك مسلكان:
_________________
(١) رواه مسلم (٣٩١).
(٢) أخرجه مسلم (٤٠١)، وأحمد (١٨٨٥٠) واللفظ لأحمد.
(٣) رواه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠).
[ ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* مسلك الجمع.
* ومسلك الترجيح.
فمسلك الترجيح: يذهب إليه كثير من الأئمة، فتجد أن بعض الأئمة يرجح هذه الصفة ويختارها، ويُرجِّح هذا الذكر ويختاره … إلخ.
والمسك الثاني: مسلك الجمع، ويختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهو مسلك الجمع، وهو العمل بجميع أنواع العبادات الواردة في سنَّة النبي ﷺ، وقد تطرق ابن رجب ﵀ إلى هذا في كتابه [القواعد].
* ومسلك ابن تيمية ﵀ هو الصواب لما في ذلك من العمل بكل سنَّة النبي صلى الله
عليه وسلم، هذه فائدة.
* والفائدة الثانية: حفظ العلم.
* والفائدة الثالثة: حضور القلب، القلب يحضر إذا كنت في هذه الصلاة تطبِّق هذه السنَّة، والصلاة التالية تطبِّق هذه السنَّة، ففي ذلك حفظ العلم، وفيه أيضًا حضور القلب، وفيه أيضًا العمل بكل السنَّة الواردة عن النبي ﷺ.
فَرع: زمن الرفع: يرفع يديه أولًا فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر؛ لحديث ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبَّر، رواه مسلم. لكن لفظه عند البخاري: فرفع يديه حين يكبر، ولفظ مسلم أكثر رواة.
وفي حديث أبي حميد مرفوعًا: يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، أبو داود، إسناده صحيح.
[ ١٢ ]