إنِّي رجلٌ غريبٌ من أهل البصرة، وإنَّ قومًا قد اختلفوا عندنا في أشياء، وأحبُّ أنْ أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه. قال سَلْ عمَّا أحببت، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون، كيف ترى في الصَّلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلُّون خلف من يقنت، وخلف من لا يقنت، فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها.
فَصْلٌ
وشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير، فيقولوا: «اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ» (^١).
«فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها».
قوله: «فصْلٌ: وشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير » الصلاة على النبي ﷺ ركن وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعية.
واستدلوا بأدلة، منها:
١ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]
٢ حديث أبي مسعود، وفيه: «أمرنا الله أن نُصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟»، ثم قال: «قولوا: اللهم صل على محمد …»، رواه مسلم، وفي رواية:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٩٧)، ومسلم (٤٠٦).
[ ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟»، رواه أحمد، والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، تفرد به ابن إسحاق، لكنه أمر إرشاد وليس أمرًا ابتدائيًا.
٣ حديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: «لا صلاة لمن لم يُصل على نبيه ﷺ»، رواه الدارقطني، والبيهقي، وهو عند ابن ماجه والحاكم مرفوعًا بلفظ: «ولا صلاة لمن لم يُصل علي»، ولكنه ضعيف بعبد المهيمن بن عباس.
٤ وعن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله ﵁ قال: «يتشهد الرجل، ثم يُصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه»، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، والحاكم في المستدرك. وصحَّحه ابن حجر.
وعن أحمد: أنها واجبة.
واستدلوا:
بحديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته ولم يُصل على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «عَجِل هذا»، ثم دعاه فقال: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليُصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حسن صحيح».
قالوا: لو كانت ركنًا لأمره بالإعادة.
وعند أبي حنيفة، ومالك: أنها سنة، وبه قال ابن حزم.
واستدلوا: بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ من أربع: من عذاب جهنم …»، رواه مسلم.
[ ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأن عمر ﵁ علَّم الناس التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ، وعن عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فعلمني التشهد: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد»، إسناده صحيح.
الصلاة على النبي ﷺ وردت بصيغ متنوعة:
١ حديث كعب بن عجرة ﵁، وفيه: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري بهذا اللفظ في الأنبياء/ باب حدثنا موسى بن إسماعيل.
٢ حديث كعب بن عجرة ﵁ أيضًا، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري، ومسلم.
٣ حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد»، أخرجه مسلم.
[ ١١٠ ]
وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال (^١).
٤ حديث أبي حميد الساعدي ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري، ومسلم.
٥ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم»، أخرجه البخاري.
٦ حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد»، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة.
قوله: «وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال» أي: إذا انتهى من الصلاة يستعيذ بالله من هذه الأربع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال»، رواه مسلم، وهو في الصحيحين من حديث عائشة من فعله ﷺ. ولعظم خطرها.
والرأي الثاني: الوجوب، وبه قال طاووس، وبعض الظاهرية كابن حزم، وهو رواية عن أحمد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).
[ ١١١ ]
وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» (^١).
وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» (١).
لكن عندنا كما تقدم صارف يصرف عن الوجوب: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «فليقل: التحيات لله والصلوات …، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي » أي إذا انتهى من الاستعاذة بالله من هذه الأربع، أو قبل الاستعاذة بالله من هذه الأربع يتخير من الدعاء ما شاء، يتخير من الدعاء أعجبه من خير الدنيا والآخرة.
والأحسن أن يأتي بالوارد عن النبي ﷺ، وذكر المؤلف ﵀ حديث الصديق ﵁ قال: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم»، هذا الحديث في [الصحيحين].
قوله: «وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» الحديث في صحيح مسلم من حديث علي ﵁.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١).
[ ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما ورد في صحيح السنة من الأدعية بعد التشهد الأخير، وقبل السلام:
١ التعوذ بالله من أربع، وقد سبق.
٢ «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، متفق عليه.
٣ «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، متفق عليه.
٤ «اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار»، رواه مسلم.
٥ «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وقال الحافظ في البلوغ: «بسند قوي».
٦ «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر»، رواه البخاري.
٧ «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وإسناده جيد.
وذكر ابن تيمية ﵀ ضابطًا بأن ما جاء مقيدًا بدُبر الصلاة فإن كان دعاءً
[ ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون قبل السلام، وما كان ذكرًا فإنه يكون بعد السلام.
وعلى هذا حديث معاذ ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يَا مُعَاذُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، يقال قبل السلام لأنه دعاء.
ولم يذكر المؤلف ﵀ كيفية الجلوس في التشهد الأخير، وكما سلف أن هذه الكيفيات لها صفتان:
* صفة مجزئة.
* وصفة كاملة.
أما الصفة المجزئة: فكيفما جلس.
وأما الصفة الكاملة: صفة التورك:
الأولى: وقد رواها البخاري من حديث أبي حميد ﵁: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته»، رواه البخاري.
اليمنى تكون تارة منصوبة وأصابعها جهة القبلة، وتارة يجعل أصابع قدمه اليمنى خلفه فارشًا لها في الخلف.
الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن، ويجعل أليتيه على الأرض، وهذه الصفة رواها أبو داود، وابن حبان، والبيهقي عن أبي حميد، وصحَّحه الألباني في صفة الصلاة.
[ ١١٤ ]