وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي» (^١).
فَصْلٌ
ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه، ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى،
الحديث الثاني: حديث حذيفة ﵁ ذكر صفة صلاة النبي ﷺ وفيه قال: وكان يقول في سجوده «سبحان ربي الأعلى»، وكان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي رب اغفر لي»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، إسناده صحيح.
قوله: «وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي»» تكلَّمنا عليه فيما تقدم من حديث أنس ﵁.
قوله: «فصْلٌ: ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه» أي لا يرفع يديه عند السجود؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، وسبق الكلام عليه.
قوله: «ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى»؛ كما جاء في حديث المسي صلاته «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، غير الاستفتاح.
وظاهر كلامه: أنه يستعيذ في الركعة الثانية، ولو استعاذ في الأولى، والمذهب: أنه إذا استعاذ في الأولى لا يستعيذ في الثانية.
قال ﵀: «ثم يرفع رأسه مكبِّرًا» يعني يقوم للركعة الثانية مكبرًا، ويكون التكبير أثناء الانتقال كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «ثم يكبر حين يرفع»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٧٩ ]
ثُمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه (^١).
قوله: «وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه» أي ينهض على صدور القدمين، ولا يجلس للاستراحة؛ لما روى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ: «وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه»، أبو داود، مرسل ضعيف.
وعند مالك، ومذهب الشافعية: الأفضل أن يعتمد على الأرض بيديه؛ لحديث مالك بن
الحويرث، وفيه: «فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام»، رواه البخاري.
وعن الأزرق بن قيس قال: «رأيت ابن عمر ﵄ ينهض في الصلاة ويعتمد على يديه»، أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
وأما القيام عجنًا فلم يثبت عن النبي ﷺ.
وقيل: ينهض بالاعتماد على اليدين المقبوضتين على هيئة العاجن، ذهب إلى هذا بعض الشافعية؛ عن الأزرق بن قيس، قال: «رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله». غريب الحديث، ذكر العجن فيه لا يثبت.
وقيل: إن جلس للاستراحة قام معتمدًا على يديه، وإن لم يجلس للاستراحة قام معتمدًا على صدور قدميه وركبتيه، وهذا دل له كلام الإمام أحمد، وهذا أقرب.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٨)، وصححه الألباني.
[ ٨٠ ]
وقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا» (^١). فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة، ولا ريب أنَّه ﷺ فعلها، ولكن هل فَعَلها على أنَّها من سنن الصَّلاة وهيئاتها كالتَّجافي وغيره، أو لحاجته إليه لما أسنَّ وأخذه اللَّحم؟ وهذا الثَّاني أظهر؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر، وأبي هريرة: «أنَّه كان ينهض على صدور قدميه». الثَّاني: أنَّ الصَّحابة الذين كانوا أحرص النَّاس على مشاهدة أفعاله وهيْئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم؛ فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صُدُور قدميه في الصَّلاة، ولا يجلس.
قوله: «وقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا». فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة …» عطية العوفي ضعيف المؤلف يختار أنه لا يجلس للاستراحة، وهو قول أكثر أهل العلم:
أولًا: أن أكثر الذين وصفوا صلاة النبي ﷺ لم يذكروا هذه الجلسة.
ثانيًا: حديث أبي حميد في صفة صلاته ﷺ، وفيه: «أنه قام ولم يتورك»، رواه أبو داود، وإسناده ضعيف.
ثالثًا: حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان ينهض على صدور قدميه»، رواه الترمذي، والبيهقي، وضعَّفه بخالد بن إياس ﵁.
رابعًا: أن أقرب الصحابة وألزمه صحبة للنبي ﷺ وأشدهم اقتفاء له لم يكونوا يجلسون هذه الجلسة، كابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن الزبير،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٣).
[ ٨١ ]
رواه البيهقي عنه. ورواه عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأبي سعيد الخدري، من رواية عطيَّة العوفي عنهم، وهو صحيحٌ عن ابن مسعودٍ (^١).
وأبي سعيد ﵃، أخرج هذه الآثار: البيهقي في سننه، وصحَّحه عن ابن مسعود وابن عمر ﵃.
فقد ورد عن ابن مسعود «أنه كان ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة، ولا يجلس»، رواه البيهقي بسند صحيح. وروى أيضًّا بسند صحيح عن ابن عمر بنحوه.
وعن النعمان بن أبي عياش قال: «أدركت غير واحد، من أصحاب النبي ﷺ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس»، رواه ابن أبي شيبة، صحيح.
وعند الشافعي، ورواية عند الحنابلة، وابن حزم: تُشرع مطلقًا.
واستدلوا: بحديث مالك بن الحويرث ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا»، رواه البخاري. قال أحمد عن حديث مالك بن الحويرث: «ليس لهذا الحديث ثانٍ»، نقلها ابن رجب في فتح الباري.
وبحديث أبي حميد حيث ذكرها في صفة صلاة النبي ﷺ قال: «ثم هوى إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه وفتخ أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٢٧٦٣).
[ ٨٢ ]