واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته بعد القراءة كلِّها؟ فقال يونس، عن الحسن، عن سمرة: «حَفِظْتُ سكتتين، سكتةً إذا كبَّر الإمام حتى يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع»، وصدَّقَهُ أُبَيُّ بن كعبٍ على ذلك (^١). ووافق يونسَ: أشعثُ الحمراني، عن الحسن فقال: «سكتة إذا استفتح، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلِّها» (^٢). وخالفهما قتادة، فقال: عن الحسن، أنَّ سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا، فحدَّث سمرة أنَّه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقط، فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبَيِّ بن كعب، فكان في كتابه إليهما: «أنَّ سمرة قد حفظ» (^٣).
قوله: «واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته بعد القراءة كلِّها؟ …»، تكلم في هذه الجملة عن السكتات في الصلاة: الذي ثبت سكتة الاستفتاح ما بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة من حديث أبي هريرة ﵁، أبو هريرة ﵁ قال للنبي ﷺ: «أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فقال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» في [الصحيحين]؛ فهذه السكتة بمقدار الاستفتاح.
بقي سكتتان مختلف فيهما:
سكتة بعد قراءة الفاتحة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٧٩)، وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٧، ٧٧٨)، وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٧٩)، وابن ماجه (٨٤٤)، وضعفه الألباني.
[ ٣٤ ]
وقال قتادة أيضًا: عن الحسن، عن سمرة: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ، إذا دخل في الصَّلاة، وإذا فرغ من القراءة»، ثم قال بعدُ: «وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾» (^١). فقد اتَّفَقَت الأحاديث أنَّها سكتتان فقط: إحداهما: سكتة الاستفتاح، والثَّانية مختلف فيها؛ فالذي قال: إنَّها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة، وقد اختلف عليه، فمرَّةً قال ذلك، ومرَّةً قال: «بعد الفراغ من القراءة». ولم يختلف على يونس وأشعث أنَّها بعد فراغه من القراءة كلِّها، وهذا أرجح الرِّوايتين، والله أعلم.
وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان
وسكتة بعد القراءة كلها قبل الركوع. وقد جاء في هذا حديث سمرة بن جندب قال: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ، قيل لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي واللفظ له وحسنه، وابن ماجه. وهو منقطع؛ من رواية الحسن عن سمرة.
والأقرب: أنها سكتة لطيفة؛ بعد قراءة الفاتحة لكي يترادَّ إليه نفسه، ولكي يتأمل ما يقرأ، ولكي يفرِّق بين القراءة الواجبة الفاتحة وبين القراءة المستحبة.
وسكتة لطيفة بعد الانتهاء من القراءة قبل الركوع، لكي يفصل بين القراءة وبين الركوع، ولكي يترادَّ إليه نفسه؛ لأن حديث سمرة كما سلف منقطع بين الحسن وبين سمرة ﵁.
قوله: «وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٧٨٠)، وضعفه الألباني.
[ ٣٥ ]