قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه، فأمَّا في الفجر فبعد الركوع، والذي فعله رسول الله ﷺ هو القُنُوت في النَّوازل، ثُمَّ تَرَكَه، فَفِعْله سُنَّةٌ، وتَرْكُه سُنَّةٌ، وعلى هذا دَلَّت جميع الأحاديث، وبه تتَّفِق السُّنَّة.
وقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.
قوله: «قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه …» أي: الإمام أحمد يرى القنوت في النوازل في الفجر وغيرها، ويكون بعد الركوع، وفي الوتر بعد الركوع، ومَن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل أصحاب رسول الله ﷺ كما ستأتي الآثار قريبًا.
قوله: «وقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس» تقدم نوعان من أنواع القنوت:
النوع الأول: القنوت في النوازل في الفرائض.
[ ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنوع الثاني: القنوت في صلاة الفجر.
النوع الثالث: القنوت في الوتر، وأضيق الناس في ذلك هم المالكية، الإمام مالك لا يرى القنوت في الوتر، مع أنه كما تقدم يرى القنوت في صلاة الفجر، لكنه يخفف في ذلك، يجعله سرًّا؛ لأن الذين وصفوا وتر النبي ﷺ، كعائشة، وحذيفة، وابن عباس، وغيرهم لم يذكروا القنوت.
وورد عن ابن عمر، كما في مصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
قال ابن خزيمة في صحيحه: «ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر».
أبو حنيفة وأحمد: كل ليلة طول العام، يرون شرعية القنوت، واستدلوا: بحديث أُبي بن كعب ﵁ في القنوت في الوتر، في سنن أبي داود، وفيه ضعف.
وحديث الحسن بن علي ﵄ الذي أورده المؤلف أيضًا: «علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر »، أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحَّحه النووي، وهذا يشمل جميع السنة.
ولوروده عن ابن مسعود ﵁، رواه عبد الرزاق، وهو ضعيف.
ولقول علقمة: «إن ابن مسعود ﵁ وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنوت في الوتر قبل الركوع»، رواه ابن أبي شيبة. وحسَّنه الحافظ.
وورد عن عمر ﵁، كما في مختصر كتاب الوتر للمروزي.
وابن عمر، وابن عباس ﵃: «أنهما قنتا في الوتر»، رواه ابن أبي شيبة،
[ ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا مطلق.
وعند الشافعية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد: أنه يُستحب في النصف الأخير من رمضان.
واستدلوا: بأن عمر جمع الناس على أُبي بن كعب ﵄، وفيه: «ولا يقنت إلا في النصف الثاني»، رواه أبو داود، وهو ضعيف.
وورد عن علي ﵁، رواه البيهقي. وهو ضعيف.
ولما ثبت عن ابن عمر ﵄: «أنه كان لا يقنت إلا في النصف يعني من رمضان»، رواه ابن أبي شيبة.
وثبت عن أُبي بن كعب ﵁، رواه عبد الرزاق.
وورد عن أُبي، وتميم الداري: «لما صليا بالصحابة قنتا في النصف الأخير من رمضان»، رواه أبو داود.
وابن تيمية ﵀: يرى أنه يقنت في بعض الأحيان، ويترك القنوت في بعض الأحيان جمعًا بين الأدلة.
وإن شاء قنت قبل الركوع: لأن هذا هو الثابت عن الصحابة ﵃ في قنوت الوتر، كعمر ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وعثمان، وعلي بن أبي طالب ﵄، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
وابن مسعود ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وابن عباس ﵄، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
[ ١٠٥ ]
وقال إسحاق الحربيُّ: سمعت أبا ثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل. فقال له أبو ثورٍ: أيُّ نوازل أكثر من هذه النَّوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك فالقنوت. وقال الأثرم: سألتُ أبا عبد الله عن القنوت
وأُبي بن كعب ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وأنس بن مالك ﵁، رواه ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس.
والبراء بن عازب ﵄، رواه ابن أبي شيبة.
وإذا قنت قبل الركوع كبَّر، ثم أخذ في القنوت، ثم كبَّر حين يركع، وإن شاء قنت بعد الركوع؛ لحديث أبي هريرة، وأنس ﵄ في قنوت النوازل: رواهما البخاري ومسلم.
ولثبوت قنوت الوتر بعد الركوع عن أبي بكر الصديق ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وعمر ﵁، رواه ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس.
وعلي ﵁، رواه ابن المنذر، وابن جرير.
وعلى هذا فيكون محل القنوت من السنن المتنوعة يُؤتى بهذا تارة، وبذاك تارة.
قوله: «وقال إسحاق الحربيُّ: سمعت أبا ثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل …» الإمام أحمد ﵀ يرى: أنه يقنت في الفرائض في النوازل، فقال: «إن قنت رجل في الفجر اتباع ما روي عن النبي ﷺ أنه قنت دعاءً للمستضعفين
[ ١٠٦ ]
في الفجر، فقال: نعم، في الأمر يحدث، كما قَنَت النَّبيُّ ﷺ يدعو على قومٍ. قلتُ له: ويرفع صوته؟ قال: نعم، ويؤمِّن مَنْ خَلْفه، كذلك فعل النَّبيّ ﷺ. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعتُه قال لَمَّا سُئِلَ عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خَلْفه. ثُمَّ قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني بابك. وقال عبد القدوس بن مالك العطَّار: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقلت:
فلا بأس، فإن قنت رجل بالناس يدعو لهم ويستنصر الله تعالى، فلا بأس».
قوله: «قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعتُه قال لَمَّا سُئِلَ عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خَلْفه. ثُمَّ
قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني بابك» بابك: بابك الخرمي قاد الطائفة الخرمية ضد الدولة العباسية في أذربجان، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
والطائفة الخرمية تجمع على القول بالرجعة، وأن الرسل يحصلون على روح واحدة، وأن الوحي لا ينقطع، وأن كل ذي دين مصيب.
قوله: «وقال عبد القدوس بن مالك العطَّار: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون، كيف ترى …» عبدوس بن مالك العطار، سأل الإمام أحمد ﵀ عن الذين يقنتون في الفجر هل يتابعهم؟ قال الإمام أحمد ﵀: «تابعهم»، يعني أنك لا تخالف، وهذا فيه مسلك تربوي لا ينبغي للإنسان أن يخالف؛ لأن المسألة اجتهادية، والقانت يعتقد أنه على هدى ودليل، فلا تظهر المخالفة.
لكن يرى في جملته الأخيرة أنه يُقتصر على الوارد في القنوت، ولهذا قال:
[ ١٠٧ ]