ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السُّجود ارتفع أعلى ما فيه أوَّلًا، ثُمَّ الذي دونه، حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه. والله أعلم.
فَصْلٌ
ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويَدَيه ورُكْبَتيه وأطراف قَدَمَيه (^١)،
قوله: «فصلٌ: ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه …» هنا شرع المؤلف ﵀ في بيان هيئة السجود، وهو ركن من أركان الصلاة بالإجماع فقال ﵀: «فصلٌ: ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه» السجود على الأعضاء السبعة واجب؛ لقول ابن عباس: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين» متفق عليه.
ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه»، متفق عليه.
ولحديث أبي حميد ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».
وأيضًا السجود له صفتان:
* صفةٌ مجزئة.
* وصفةٌ كاملة.
أما الصفة المجزئة: كيفما سجد على هذه الأعضاء السبعة، قال العلماء: يكفي بعض العضو، فبعض الرجل يكفي، وبعض اليد والأنف يكفي، إلى آخره.
الصفة الكاملة: هي التي سيبينها المؤلف ﵀.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠).
[ ٦٩ ]
ويستقبل بأصابع يَدَيه ورِجْلَيه القبلة وكان يعتمد على إِلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه عن جَنْبَيه، حتى يبدو بياض إبْطَيْه،
قوله: «ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة» أي يستقبل بأصابع يديه القبلة كما جاء في حديث أبي حميد في [صحيح البخاري]. والكفان في السجود لهما صفتان:
الصفة الأولى: أن تكون حذو المنكبين؛ لما روى أبو حميد «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه»، رواه أبو داود، والترمذي وصحَّحه، وتقدم.
الصفة الثانية: تضعهما حذو الأذنين كما جاء في حديث وائل بن حُجْر في [صحيح
مسلم]: «سجد بين كفيه».
قوله: «وكان يعتمد على إِلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه …» باتفاق الأئمة؛ لما روى عبد الله بن بحينة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه»، متفق عليه.
ولحديث ميمونة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمَة أن تمر بين يديه لمرَّت»، أخرجه مسلم.
وعن آدم بن علي قال: «رآني ابن عمر ﵄ وأنا أُصلي لا أتجافى عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع، وادَّعِم على راحتيك، وأَبْد ضَبْعَيْك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك»، أخرجه عبد الرزاق في المصنف. وإسناده صحيح.
وعن أبي إسحاق قال: «ما رأيت سجدةً أعظم من سجدته يعني ابن
[ ٧٠ ]
ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفَخِذَيه عن ساقيه، ويعتدل في سجوده، ويمكِّن وجهه من الأرض،
الزبير ﵄»، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف. وإسناده صحيح.
وهذا إذا لم يكن هناك أذية، إذا كان مأموم قد يكون هناك أذية، لكن إذا كان يصلي منفردًا.
قوله: «ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفَخِذَيه عن ساقيه» باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي حميد ﵁ عند أبي داود: «إذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه»، رواه أبو داود، وأشار إلى تعليله.
ولما رواه أحمد، عن وائل الحضرمي «أنه رأى النبي ﷺ صلى فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده»، إسناده حسن.
وقوله في الحديث: «وخوَّى في سجوده»، خَوَّى البعير تَخْوِيَةً: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده.
قال ﵀: «ويعتدل في سجوده»؛ لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، متفق عليه، ومن الاعتدال ألَّا يمتد في سجوده، ولا ينضم بأن يجعل بطنه على فخذيه، وفخذيه على ساقيه.
قوله: «ويمكِّن وجهه من الأرض»؛ لحديث أبي حميد ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».
[ ٧١ ]
مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة (^١).
قوله: «مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة» أي: تباشر أعضاء السجود تباشر الأرض؛ لحديث أنس ﵁ في البخاري قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدَّة الحر مكان السجود»، هذا يدل على أنهم كانوا يباشرون الأرض.
وفي صحيح مسلم من حديث خبَّاب بن الأرت ﵁ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يُشكِنا»، هذا يدل على أنهم يباشرون الأرض.
واعلم أن الحائل ينقسم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الحائل من أعضاء السجود، فهنا لا يُجزئ السجود، كما لو وضع رجلًا على رجل، أو سجد على يده.
القسم الثاني: أن يكون الحائل من غير أعضاء السجود وهو منفصل عن المصلي، فلا بأس كسجادة الحصير، إلى آخره؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ صلَّى على الحصير»، رواه البخاري ومسلم.
وصلَّى على الخُمرَة رواه البخاري ومسلم من حديث ميمونة ﵂، لكن قال العلماء: يُكرَه أن يخص جبهته بشيءٍ يسجد عليه؛ لأن هذا تشبه بالرافضة.
القسم الثالث: أن يكون متصلًا بالمصلي مثل العمامة أو الطاقية ونحو ذلك فهذا يُكرَه كما تقدم من حديث أنس وحديث خبَّاب إلا عند الحاجة، كما لو كان هناك حاجة غبار أو شوك أو شدة برد أو شدة حر فإن هذا جائز ولا بأس بذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٠)، ومسلم (٤٩٥).
[ ٧٢ ]
قال أبو حُمَيْد السَّاعدي وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ويرفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه، فإذا أراد أنْ يركع رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيه، ثُمَّ قال: «الله أكبر»، فرفع ثُمَّ اعتدل، فلم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعه، ووضع يَدَيه على ركبتيه، ثُمَّ قال: «سمع الله لمن حمده»، ثُمَّ رفع واعتدل، حتى رجع كُلُّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثُمَّ هوى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثُمَّ جافى وفتح عضدَيْه عن بطنه، وفتح أصابع رِجْلَيه، ثُمَّ ثَنَى رِجْله اليُسْرى، وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كُلُّ عظمٍ موضعه معتدلًا، ثُمَّ هَوَى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثم ثَنَى رجله وقعد عليها، حتى يرجع كُلُّ عضوٍ إلى موضعه،
قوله: «قال أبو حُمَيْد السَّاعدي وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ويرفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه » حديث أبي حميد ﵁ حديث جامع في صفة صلاة النبي ﷺ، رواه البخاري، وأحمد وأبو داود، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه يزيد بعضم على بعض.
فينبغي لطالب العلم أن يحفظ الأحاديث الجوامع، هيئات العبادة وردت فيها أحاديث جوامع؛
* الوضوء حديث عثمان ﵁ في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين.
* التيمُّم حديث عمَّار ﵁ في الصحيحين.
* الغسل حديث عائشة وحديث ميمونة ﵄ في الصحيحين.
* صفة الصلاة حديث أبي حميد، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي مسعود،
[ ٧٣ ]