فَصْلٌ
ثُمَّ يكبِّرُ ويخرُّ ساجدًا، ولا يرفع يَدَيه،
والعظمة»، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم» ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من قيامه، يقول: «لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه» رواه أبو داود.
قوله: «فصلٌ: ثم يُكبِّر ويخرُّ ساجدًا ولا يرفع يديه» أي: يكبر أثناء الانتقال كما تقدم، وتقدم دليله قريبًا.
لما أنهى ما يتعلق بصفة الركوع والقيام بعده شرع الآن في بيان صفة السجود قال: «ثم يُكبِّر ويخرُّ ساجدًا ولا يرفع يديه» هذا الموضع الرابع؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: «وكان لا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود» رواه البخاري. ولمسلم: «ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود»، وله أيضًا: «ولا يرفعهما بين السجدتين».
ولما روى علي ﵁ عن رسول الله ﷺ: «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبَّر»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحَّحه أحمد، وقوله:
«وإذا قام من السجدتين» أي: التشهد الأول.
والرأي الثاني: أنه يرفع يديه إذا أراد السجود، وهو رواية عن أحمد، وبه قال القاسم بن محمد، وسالم، والحسن البصري، وعطاء، وقول لمالك، وقول
[ ٦٣ ]
وكان يَضَع رُكْبَتَيه قبل يَدَيه، هكذا قال عنه وائل بن حجر (^١)، وأنس بن
للشافعي، وبه قال ابن المنذر.
والرأي الثالث: أنه يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وهو رواية عن أحمد. واستدلوا: بما روى ميمون المكي «أنه رأى عبد الله بن الزبير يُشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام … وفيه: قال ابن عباس: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله ﷺ فاقتد بعبد الله بن الزبير» رواه أبو داود.
وبحديث وائل بن حُجر ﵁ مرفوعًا، وفيه: «وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه حتى فرغ من صلاته» رواه أحمد، وأبو داود، وقال: «روى هذا الحديث همام عن أبي جحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود».
وأيضًا: حديث مالك بن الحويرث: «أنه رأى نبي الله ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع من رأسه من سجوده حتى يُحاذي بهما فروع أذنيه» رواه النسائي.
قال البخاري في جزء رفع اليدين: «ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد»، إشارة إلى ضعف ما ورد في الرفع من السجود، وقد تقدم عن ابن عمر ﵄ كما في الصحيحين نفي الرفع بين السجدتين.
قوله: «وكان يضع ركبتيه قبل يديه هكذا قال عنه وائل بن حُجْر …» هذه المسألة التي أطال فيها المؤلف ﵀، وذكر تناظر العلماء في هذه المسألة وما استدل به كل فريق، وهي: إذا انحطَّ من قيامه إلى سجوده هل يبدأ بيديه أو يبدأ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٨)، وضعفه الألباني.
[ ٦٤ ]
مالك (^١). وقال عنه ابن عمر: «إنَّه كان يضعُ يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (^٢). واختُلِفَ على أبي هريرة، ففي السُّنَن، عنه، عن النبي ﷺ: «إذا سجد أحدُكُم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (^٣). وروى عنه المقبري، عن النَّبيِّ ﷺ: «إذا سجد أحَدُكم فليبدأ برُكْبَتَيْه قبل يَدَيْه» (^٤). فأبو هريرة قد تعارضت الرِّواية عنه، وحديث وائل وابن عمر قد تعارَضَا.
بركبته؟ هل يبدأ باليدين أو يبدأ بالركبتين؟ وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، واختاره ابن عبد البر.
وعند مالك، وابن حزم، والأوزاعي: السنة تقديم اليدين على الركبتين.
وعن الإمام مالك: أنه مخيّر؛ لاختلاف الآثار.
استدل أهل الرأي الأول: بحديث وائل بن حجر: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن السكن في صحيحهما، وقال البخاري والترمذي وأبو داود: «تفرد به شريك»، وذكر ابن القيم أن فيه قلبًا على الراوي.
وله شاهد عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁ قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه» رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصحَّحه الحاكم على شرطهما، لكن قال البيهقي: «تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول».
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١٣٠٨)، وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود (٨٤٠)، والنسائي (١٠٩١)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه البيهقي (٢٦٣٥)، وضعفه الألباني في أصل صفة صلاة النبي ﷺ.
[ ٦٥ ]
فرجَّحَت طائفةٌ حديث ابن عمر، ورجَّحَت طائفةٌ حديث وائل بن حجرٍ، وسَلَكت طائفةٌ مسلك النَّسخ، وقالت: كان الأمر الأوَّل وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين، ثم نُسِخ بوضع الرُّكبتين أولًا. وهذه طريقة ابن خزيمة قال: «ذكر الدَّلائل على أنَّ الأمر بوضع اليَدَين عند السجود منسوخٌ؛ وأنَّ وضْعَ الرُّكبتين قبل اليَدَين ناسخٌ». ثُمَّ روى من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد قال: «كُنَّا نَضَع اليَدَين قبل الرُّكْبَتَين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين قبل اليَدَين» (^١).
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين»، وفي إسناده إسماعيل بن يحيى بن سلمة، وهو متروك.
وورد عن عمر ﵁ عند عبد الرزاق بإسناد صحيح، وابن مسعود ﵁ عند الطحاوي، وابن عمر ﵄، كما في مصنف ابن أبي شيبة.
واستدل أهل الرأي الثاني: بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأعلَّه البخاري، والترمذي، والدارقطني. قال الترمذي: «غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه». فالحديث تفرد به الدراوردي، وفيه أيضًا محمد بن عبد الله العلوي، قال البخاري: «محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه».
ولحديث أبي هريرة ﵁ شاهد من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا، صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم. وذكره البخاري معلقًا موقوفًا على ابن عمر ﵄.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٨)، وضعفه الألباني.
[ ٦٦ ]
وهذا لو ثَبَت لكان فيه الشِّفاء، لكن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاريُّ: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيءٍ، لا يُكْتَب حديثه»، وقال النَّسائي: «متروك الحديث». وهذه القِصَّة مِمَّا وُهِّمَ فيها يحيى أو غيره، وإنَّما المعروف عن مصعب بن سعد، عن أبيه نسخ التَّطبيق في الرُّكوع بوضع اليَدَين على الرُّكبتين، فلم يحفظ هذا الرَّاوي، وقال: «المنسوخ وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين». قال السَّابقون باليَدَين: قد صحَّ حديث ابن عمر؛ فإنَّه من رواية عبيد الله، عن نافع، عنه. قال ابن أبي داود: «وهو قول أهل الحديث».
قالوا: وهم أعلم بهذا من غيرهم؛ فإنَّه نقلٌ محضٌ. قالوا: وهذه سُنَّةٌ رواها أهل المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم. قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان: أحدهما: محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. والثَّاني: الدَّراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قالوا: وحديث وائل بن حُجْر له طريقان، وهما معلولان، في إحداهما شريكٌ، تفرَّد به. قال الدَّارقطنيُّ: «وليس بالقويِّ فيما يتفرَّدُ به». والطَّريق الثَّاني: من رواية عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، ولم يسمع منه. قال السَّابقون بالرُّكبتين: حديث وائل بن حُجْر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر.
وقال ابن حجر: «وحديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل بن حجر».
عندنا قاعدة وهي: «أن حركات الصلاة على مقتضى الطبيعة» إلا فيما دلَّ له الدليل، ومقتضى الطبيعة أن تقدم الأسافل قبل الأعالي، إلا عند الحاجة، إذا كان الإنسان يحتاج إلى هذا ككبير السن يحتاج أنه يقدم يديه على ركبتيه أو مثلًا إذا كان ثقيلًا يعني أخذه اللحم يحتاج أن
يقدِّم ركبتيه على يديه.
وأيضًا مما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور أهل العلم، مما يؤيد ذلك: أن الشارع
[ ٦٧ ]
قال البخاريُّ: «حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة=لا يُتَابَع عليه محمد
بن عبد الله بن الحسن». قال: «ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا؟». وقال الخطَّابيُّ: «حديث وائل بن حُجْر أثبت منه». قال: «وزَعَم بعض العُلماء أنَّه منسوخٌ؛ ولهذا لم يحسِّنه التِّرمذي، وحكم بغرابته، وحسَّن حديث وائلٍ». قالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: «لا يبرك كما يبرك البعير»، والبعير إذا برك بدأ بَيَدَيه قبل ركبتيه، وهذا النَّهْي لا يمانِعُ قوله: «وليضع يَدَيه قبل ركبتيه»، بل ينافيه. ويدلُّ على أنَّ هذه الزيادة غير محفوظةٍ، ولعلَّ لفظها انقلب على بعض الرُّواة. قالوا: ويدلُّ على ترجيح هذا أمران آخران: أحدهما: ما رواه أبو داود، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أنْ يعتمد الرجل على يَدَيه في الصَّلاة». وفي لفظٍ: «نهى أن يعتمد الرَّجل على يَدَيْه إذا نهَض في الصَّلاة» (^١)، ولا ريب أنَّه إذا وضع يَدَيه قبل رُكْبَتيه اعتمد عليهما، فيكون قد أوقع جُزْءًا من الصَّلاة معتمِدًا على يَدَيه بالأرض. وأيضًا فهذا الاعتماد في السُّجود نظير الاعتماد في الرَّفع منه سواء؛ فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك. الثَّاني: أنَّ المصلِّي في انحطاطه ينحطُّ منه إلى الأرض الأقرب إليها أوَّلًا، ثُمَّ الذي مِنْ فَوْقِهِ، حتى ينتهي إلى أعلى
نهى عن التشبُّه بالحيوان وخصوصًا في الصلاة، فالنبي ﷺ نهى عن التفاتٍ كالتفات الثعلب، وعن نقرٍ كنقر الغراب، ولا شك أنه إذا قدَّم يديه شابه في الهيئة، شابه نزول البعير، هذا ما فيه إشكال.
فالذي يظهر والله أعلم: أنه يقدم ركبتيه إلا عند الحاجة، فإنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٩٢)، وابن خزيمة (٦٩٢)، وضعفه الألباني.
[ ٦٨ ]