ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله» (^١)، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا.
وقال الخرقي: يفرش اليمنى، ويجعل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض. وهذه الصفة رواها مسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄.
لكن هذه الرواية بمعنى الصفة الأولى؛ إذ في أبي داود: «جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه»؛ إذ المخرج للحديثين متحد.
يشرع التورك في التشهد الأخير إذا كان في الصلاة تشهدان، فإن كان تشهد واحد فالافتراش؛ لحديث أبي حميد ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ، وفيه: «ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض »، «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخَّر رجله اليسرى وقعد على شقِّه متوركًا، ثم سلَّم»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه.
ورواه البخاري بلفظ: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته».
قوله: «ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا» أي: بعد التشهد الأخير يُسلِّم والتسليم هذا ركن وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
واستدلوا:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٩١٤)، وصححه الألباني.
[ ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
١ بحديث جابر بن سمرة ﵄ مرفوعًا، وفيه: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه يُسلم على أخيه من على يمينه وشماله»، رواه مسلم. وما دون الكفاية لا يكون مجزئًا.
٢ حديث علي ﵁ مرفوعًا: «وتحليلها التسليم»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وإسناده حسن.
٣ مواظبته ﷺ على التسليمتين سفرًا وحضرًا، وقد قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أُصلي»، رواه البخاري،
ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه اقتصر على تسليمه واحدة، فعن ابن مسعود ﵁ «أن أميرًا كان بمكة يُسلم تسليمتين، فقال ابن مسعود: أنى عَلِقَهَا؟ إن رسول الله ﷺ كان يفعله»، رواه مسلم.
وعن سعد ﵁ قال: «كنت أرى رسول الله ﷺ يُسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده»، رواه مسلم.
٤ عن مسروق أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يُسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده، أخرجه ابن المنذر. وإسناده صحيح.
٥ عن الحسن بن عمرو قال: ذكر التسليم عند شقيق فقال: «قد صليت خلف عمر وعبد الله، فكلاهما يقولان: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
٦ وعن شقيق بن سلمة قال: «صليت خلف علي فسلَّم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، أخرجه
[ ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابن أبي شيبة. إسناده حسن.
وعند الشافعي: الفرض تسليمة واحدة، وتُسن الأخرى. واستدل:
١ بظاهر قوله ﷺ في حديث علي ﵁: «وتحليلها التسليم»، والتسليمة الواحدة يقع عليها التسليم.
٢ وأيضًا ما روي أنه ﷺ اقتصر على تسليمة واحدة، كما في حديث عائشة، وأنس، وسلمة ﵃.
قال ابن عبد البر: «أحاديث التسليم (تسليمة واحدة) معلولة، ولا يُصححها أهل العلم بالحديث».
٣ ولوروده عن جمع من الصحابة ﵃: فقد ورد عن حميد قال: «صليتُ مع أنس فكان يُسلّم تسليمة واحدة: السلام عليكم»، رواه ابن المنذر، وابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
وعن سعيد بن مرزبان قال: «صليتُ خلف ابن أبى ليلى فسلَّم واحدة، ثم قال: صليت خلف علي فسلّم واحدة»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده حسن.
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: «رأيت سلمة وهو ابن الأكوع يُسلّم تسليمة إذا انصرف من الصلاة من قِبَل وجهه إذا كان مع الإمام وغيره»، رواه ابن المنذر.
وثبت بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يُسلّم عن يمينه واحدة»، رواه عبد الرزاق.
وعن عائشة ﵂ «أنها كانت تُسلم تسليمة واحدة قبالة وجهها»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
[ ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٤ أنه ثبت في النفل، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة …»، وفيه: «ثم يسلم تسليمة»، رواه أحمد، والنسائي، قال الحافظ: إسناده على شرط مسلم. وفي لفظ: «ثم يسلم تسليمة واحدة». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. المحفوظ: «ثم يسلم تسليمًا يسمعنا».
وحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها»، رواه أحمد، وابن حبان. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقوَّاه أحمد.
وصيغة التسليم كما ذكرها المؤلف: السلام عليكم ورحمة الله، لحديث ابن مسعود ﵁ وغيره.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ يُكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، ويُسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده»، قال: «ورأيتُ أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك»، رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح.
وعن شقيق قال: قد صليتُ خلف عمر، وعبد الله، فكلاهما يقولان: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، رواه ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح.
وعن عاصم، عن أبي رزين «أن عليًّا كان يُسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم السلام عليكم»، رواه عبد الرزاق. وإسناده حسن.
[ ١١٨ ]
وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله»، ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (^١)،
وروى ابن المنذر عن حميد قال: «صليت مع أنس، فكان يُسلم واحدة: السلام عليكم»، وإسناده حسن.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني نافع، وسألته: كيف كان ابن عمر يُسلم إذا كان إمامكم؟ قال: «عن يمينه واحدة: السلام عليكم»، وإسناده صحيح.
ويكون السلام مع ابتداء الالتفات، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، أن يقول من على يمينه وشماله، كما جاء في حديث جابر بن سمرة ﵁.
قوله: «وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله»، ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» من رحمة الله ﷿ أن هذه الأركان العظيمة لها جوابر تجبرها، التوحيد له جوابر، الصلاة لها جوابر، الزكاة، الصيام، الحج، الصلاة لها ثلاثة جوابر:
* الجابر الأول: الذكر بعد السلام يجبر ما يحصل في الصلاة من سهو وغفلة ووسواس ونحو ذلك.
* الجابر الثاني: صلاة التطوع، النوافل.
* الجابر الثالث: سجود السهو.
هذه ثلاث جوابر للصلاة، المؤلف ﵀ ذكر جابرين:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٩١).
[ ١١٩ ]
«لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (^١)، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون» (^٢).
الأول: الذكر، فإذا انتهى من صلاته استغفر الله ثلاثًا، كما جاء في حديث ثوبان في [صحيح مسلم]؛ أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، هذا هو السنَّة، بعض الناس إذا انتهى من صلاته قال: أستغفر الله التواب الرحيم الجليل الكريم، هذه الصيغة لم ترد.
قوله: «لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ»، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون» كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يُسَلِّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»، وقال: كان رسول الله ﷺ يُهلّل بهنَّ دبر كل صلاة. رواه مسلم.
وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٤).
[ ١٢٠ ]