ثم يقرأ فاتحة الكتاب،
السميع العليم من الشيطان الرجيم، رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق. وإسناده صحيح.
وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المصلي حتى يكون حاضر القلب في صلاته في قيامه وركوعه وسجوده، حاضر القلب وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ إذ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.
قوله: «ثم يقرأ فاتحة الكتاب» ثم بعد ذلك يقرأ فاتحة الكتاب، وليت المؤلف قدم البسملة
على الفاتحة، وفاتحة الكتاب ركن من أركان الصلاة، ويدل لذلك حديث عُبادة بن الصامت في [الصحيحين] أن النبي ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (^١).
وأيضًا حديث أبي هريرة في [صحيح مسلم] أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بفاتحةِ الكِتَابِ فَهِي خِدَاجٌ»، والخداج: فُسِّر بالشيء الناقص، وفُسِّر بالشيء الفاسد.
والمصلي لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون غير مأموم كما لو كان إمامًا أو منفردًا، فهذا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة جهرية كانت الصلاة أو سرية فريضة أو نافلة.
الأمر الثاني: أن يكون مأمومًا، فهذا موضع خلاف طويل بين أهل العلم ﵏؛ هل الإمام يتحمل عن المأموم قراءة الفاتحة أو لا يتحملها؟ هذا فيه خلاف وأُفرد
_________________
(١) رواه مسلم (٣٩٤).
[ ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مؤلفات مستقلة. المذهب، ومذهب المالكية: لا يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة السرية ولا الجهرية، ويتحملها عنه الإمام، لكن يستحب للمأموم أن يقرأ في إسرار إمامه في الصلاة السرية، وفي سكوته في الصلاة الجهرية.
وعند أبي حنيفة: لا يجب على المأموم أن يقرأ لا في السرية ولا الجهرية، بل القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم.
وعند الشافعية، وابن حزم، وهو رواية عن الإمام أحمد: يجب على المأموم قراءة الفاتحة مطلقًا في السرية والجهرية.
وقيل: تجب القراءة فيما يسر به الإمام دون ما يجهر به.
واستدل من قال بعدم وجوب القراءة على المأموم بأدلة، منها:
١ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود: «أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة».
٢ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، قال مسلم في صحيحه: «وهو صحيح عندي». وعن ابن أبي حاتم قال: سمعت أبي وذكر هذا الحديث، فقال أبي: «ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان».
٣ حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». رواه أحمد، وابن ماجه، وهو في الموطأ من قول جابر ﵁، وصححه البيهقي.
٤ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها
[ ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟»، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول ما لي أُنازع القرآن؟!»، قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وانفرد به أكيمة الليثي وهو مجهول، وأيضا أُعل بأن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة ..» مدرج من الزهري.
٥ حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: «يكفيك قراءة الإمام خافت أو قرأ»، رواه الدارقطني. قال الإمام أحمد لما سُئِل عن هذا الحديث: «هذا منكر».
٦ عن ابن عمر ﵂ قال: «من صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام» رواه البيهقي في السنن.
واستدل من قال بالوجوب بأدلة، منها:
١ حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، متفق عليه.
٢ حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام»، فقيل لأبي هريرة: «إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك»، رواه مسلم.
٣ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا …، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» متفق عليه، وهذا يشمل الإمام والمأموم والمنفرد.
[ ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٤ حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟»، قلنا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وفيه ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، وصححه أبو داود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي.
لكن ضعّفه الإمام أحمد، وذكر شيخ الإسلام: أن الحديث الصحيح قول النبي ﷺ: «لا صلاة إلا بأم القرآن»، ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة، وأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة.
٥ وعن ابن عمر بقال: «إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أُصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن» رواه البيهقي في السنن.
واستدل من أوجب القراءة في السرية دون الجهرية: بحمل أدلة القائلين بالوجوب على الصلاة السرية، وحمل أدلة القائلين بعدم الوجوب على الصلاة الجهرية.
والأقرب في هذا: أنه لا يتحمل الإمام عن المأموم في الركعات التي يُسِر بها الإمام، مثل صلاة الظهر والعصر، وكالركعتين الأخريين من صلاة العشاء إلى آخره، المهم:
* الركعات التي يُسِر فيها الإمام لا يتحملها يجب على المأموم أن يقرأ.
[ ٢٧ ]