والكلام في كفالة المتفاوضين يأتي في أربعة مواضع:
١ - ما هو من ضمان التجارة.
٢ - ما يشبه ما هو من ضمان التجارة.
٣ - ما يشتريه لنفسه خاصة.
٤ - ما لا يشبه ضمان التجارة.
أولًا: ما هو من ضمان التجارة:
تثبت الكفالة بين المتفاوضين فيما هو من ضمان التجارة، وذلك كثمن المشترى في البيع الجائز، وقيمته في الفاسد، وأجرة ما استأجره للتجارة، وأثر ذلك هو توجه المطالبة نحوهما، وذلك لتحقق المساواة التي هي مقتضى المفاوضة (^١).
ثانيًا: ما يشبه ما هو من ضمان التجارة:
وكذلك تثبت الكفالة بين المتفاوضين فيما يشبه ما هو من ضمان التجارة، وذلك كضمان الغصب، والإتلاف، والمخالفة، والوديعة، والعارية، والإقرار بهذه الأشياء، فكل ذلك يلزم شريكه (^٢)، لأن تقرر الضمان في هذه المواضع يفيد تملك الأصل للضامن فيكون بمعنى التجارة (^٣).
ولو كفل أحدهما بمال عن مدين بأمر المكفول لزم صاحبه، ولو كانت الكفالة بغير أمر المكفول عنه لا يلزم صاحبه في الصحيح، لانعدام معنى المفاوضة انتهاءً؛ إذ لا يتمكن من الرجوع عليه، وعامة المشايخ جروا على الإطلاق، ولم يتعرضوا للتفرقة بين كونها بأمره أولا.
_________________
(١) فتح القدير ٥/ ٩ - ١٠.
(٢) المصدر السابق ٥/ ١١، والفتاوى الهندية ٢/ ٣٠٩.
(٣) المصدر السابق، وفتح القدير ٥/ ١٠.
[ ١٢١ ]
«وكل وديعة كانت عند أحدهما فهي عندهما جميعًا، فإن مات المستودع قبل أن يبين لزمهما جميعًا» (^١).
وهذا كله مذهب أبي حنيفة، أما ضمان الغصب والاستهلاك فإن محمدًا مع أبي حنيفة في أنه يلزم شريكه.
وخالف أبو يوسف فيهما، لأنه ضمان وجب بسبب غير تجارة، فلا يلزم شريكه، كأروش الجنايات، ولأنه بدل المستهلك، والاستهلاك لا تحتمله الشركة.
ولهما: أن ضمان الغصب والاستهلاك كضمان التجارة (^٢)، ودليل أبي يوسف يخرج الضمان عن كل ما ليس من جنس التجارة، كالكفالة والإقرار، وقصروا مذهبه على إخراج الغصب والاستهلاك فقط.
وذهب الحنابلة إلى إخراج جميع الغرامات عن الشركة، فلو اشترط شيء منها فسدت الشركة، لأنه غرر يؤدي إلى أن يلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر خاصًا به، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به (^٣). وهذا هو الراجح.
ثالثًا: ما يشتريه لنفسه خاصة:
ما يشتريه كل واحد منهما مما يخصه أو يخص أهله كطعامهم وكسوتهم، وكذا استئجاره للسكنى، والركوب كالحج وغيره، يكون الآخر كفيلًا عنه، حتى كان لبائع الطعام والكسوة له ولعياله أن يطالب الآخر، ويرجع الكفيل على شريكه بما أدى عنه فيما اشتراه لنفسه (^٤).
_________________
(١) الفتاوى الهندية ٢/ ٣٠٩.
(٢) فتح القدير ٥/ ١١.
(٣) المغني ٥/ ٢٥.
(٤) فتح القدير ٥/ ٩، الفتاوى الهندية ٢/ ٣٠٨.
[ ١٢٢ ]
رابعًا: ما لا يشبه ضمان التجارة:
أما ما لا يشبه ضمان التجارة كأروش الجنايات، والمهر، والنفقة وبدل الخلع، والصلح عن قصاص، فلا يؤاخذ به شريكه (^١).
وهي جائزة عندهم استحسانًا وفي القياس لا تجوز، وجه القياس أنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس، والكفالة بمجهول وكل ذلك بانفراده فاسد.
ووجه الاستحسان أمران: أحدهما ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: فاوضوا فإنه أعظم للبركة.
والثاني: أن الناس يتعاملون بها من غير نكير وبه يترك القياس لأن التعامل كالإجماع (^٢).
وقال الحنفية إذا تخلف شيء من شروط المفاوضة تنقلب عنانًا (^٣).
أما الحديث السابق فقد رده صاحب فتح القدير بقوله: «هذ الحديث لم يعرف في كتب الحديث أصلًا ولا يثبت به حجة على الخصم» (^٤).
وأما دعوى أن الناس يتعاملون بها من غير نكير ففيه نظر؛ لأنه وجد من العلماء من ينكر إمكانية التعامل بهذه الصورة. كما سيأتي بيانه في الصفحة التالية فالحنفية يضيفون إلى الشروط المذكورة في شركة العنان ما يلي (^٥):
١ - لا تنعقد إلاّ بلفظ المفاوضة، أو بما يدل عليها.
٢ - يشترط في الشريك المفاوض أن تكون له أهلية الكفالة بالإضافة إلى أهلية الوكالة.
٣ - اشتراط إدخال الشركاء جميع أموالهم التي تصلح أن تكون رأس مال للشركة.
_________________
(١) الفتاوى الهندية ٢/ ٣١٠
(٢) فتح القدير ٥/ ٧٠٦.
(٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٢، لعلي حيدر.
(٤) فتح القدير ٥/ ٧٠٦.
(٥) بدائع الصنائع ٦/ ٦١.
[ ١٢٣ ]
٤ - اشتراط التساوي في رأس مال الشركة، وبناءً عليه لو حصل لأحدهم نقود عن طريق الهبة أو الإرث، أو بأي طريق أخرى فسدت المفاوضة وانقلبت عنانًا.
٥ - اشتراط التساوي في الربح والخسارة والتصرف والدين.
٦ - أن تكون عامة في جميع التجارات، فلا يختص أحدهما بتجارة دون الآخر (^١).
والحقيقة أن هذه الشركة بالشروط التي ذكرها الحنفية غير واقعية، ويستحيل وجودها، على هذه الصورة، وإن وقعت فمن المتعذر بقاؤها، لأنه يبعد تساوي أموال عمرو وزيد بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر بريال واحد، ولا يمكن أن يبقي ذلك مدة العقد في مجرى العادة. وقد صرح بهذا بعض فقهاء الحنفية قال علي حيدر: (فهذا النوع من الشركة كالمعدوم في زماننا) (^٢).
وقال الشيخ علي الخفيف: والواقع أن شركة المفاوضة على ما ذهب إليه الحنفية لا تعد شركة واقعية، وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت (^٣).
وعلى فرض وجودها فإن شروط الكفالة التي ذكرت لا تصح، إلا ما كان خاصًا بنشاط الشركة.
وبعد خلوها من كفالة الشريكين إلاّ ما كان خاصًا بأعمال الشركة، نقول إنها فرد من أفراد شركة العنان، لا على أنها نوع خاص بشروط خاصة.
والحنفية يقسمون الشركات إلى عنان ومفاوضة، والمفاوضة إما أن تكون بمال حاضر كالعنان، وسبق بيانها وشروطها، وقد تكون وجوه أو شركة أعمال (^٤)، وسيتم بيانهما في موطنهما.
_________________
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٦١.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣) الشركات لعلي الخفيف ص ٦٣.
(٤) المبسوط ١١/ ١٧٩.
[ ١٢٤ ]