لم تكن الأوراق النقدية معروفة لدى قدماء فقهاء المسلمين، أما المتأخرون فبعد أن انتشر تداولها في البلاد الإسلامية بحثوا حقيقتها، وفرعوا على بحوثهم حكم زكاتها، ومصارفتها، والبيع بها، إلاّ أن وجهات نظرهم كانت مختلفة تبعًا لاختلافهم في تصور حقيقتها، ويمكن حصر اختلافهم في أربعة أقوال:
_________________
(١) المغني ٥/ ١٦، الإنصاف ٥/ ٤١٠، المبسوط ١١/ ١٦٠، بدائع الصنائع ٦/ ٥٩.
(٢) الهداية ٥/ ١٤.
(٣) فتح القدير ٥/ ١٤.
(٤) المغني ٥/ ١٦.
[ ٥٩ ]
الأول: الأوراق النقدية سندات بدين على جهة إصدارها، وهذا القول يستلزم عدم جواز الشركة بها.
الثاني: الأوراق النقدية عروض من عروض التجارة، وهذا القول يستلزم جواز الشركة بها عند من يرى جواز الشركة بالعروض.
وفي هذين القولين تشديد لا مبرر له، وتضييق يتنافى مع يسر الإسلام، وفيهما إباحة للتعامل بالربا، وإسقاط الزكاة، فمثلًا رجل مسلم يملك مليون جنيه إسترليني أودعه أحد المصارف بفائدة قدرها ٨%، لم يقصد بهذا المبلغ التجارة وإنما يريده باقيًا عند المصرف بصفة مستمرة، على أن يأخذ فائدته ليقوم بصرفها على نفسه، فبناءً على هذه الأقوال لا بأس بصنيعه هذا، لأن هذا المبلغ ليس نقدًا فيجري فيه الربا، ولا زكاة فيه لكونه عرضًا لم يقصد به التجارة، فأي تفريط أبلغ من إسقاط أحد أركان الإسلام، وأي تفريط أبلغ من رفع الربا عن نقد يعتبر الآن النقد الوحيد في جميع بلدان العالم أو يكاد.
الثالث: إلحاقها بالفلوس:
وأصحاب هذا القول يرون أن الأوراق النقدية كالفلوس، فما ثبت للفلوس من جواز عقد الشركة أو عدم جواز ذلك ثبت للأوراق النقدية.
الرابع: النظرية البدلية:
وهذا القول يعني أن الأوراق النقدية بدل لما استيعض بها عنه، وهما النقدان الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقًا، وهذه الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة، حالة محلها، جارية مجراها (^١).
_________________
(١) هذه الأقوال الأربعة اقتباس من كتاب الورق النقدي للشيخ عبد الله بن منيع، ص ٩٦، ٥٠ ومن تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ٢/ ٧٨ - ٧٩ للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام.
[ ٦٠ ]