عقد الشركة على العروض إما أن يكون على الاشتراك في أعيانها، بمعنى أن تكون ملكًا للشركاء، وهذا يكون بالتقويم، أو الحيلة عند من يمنع الشركة بقيمة العروض.
وإما أن يكون الاشتراك معقودًا على منفعة العين، مع بقاء ملكية كل شريك في العين التي قدمها.
[ ٧٠ ]
وصورة الاشتراك في منفعة العروض كأن يقدم أحد الشركاء جملًا، والآخر راوية، ومن الثالث العمل، والربح بينهم شركة.
ومثال ذلك أيضًا: أن يتفق الشركاء على تأسيس مصنع للورق، على أن يكون من أحدهم المبنى الذي يقام المصنع فيه، وأن يقدم الثاني الآلات، وأن يقوم الثالث بالعمل، وأن تكون المواد الخام التي يصنع منها الورق عليهم جميعًا أو على شخص رابع.
فالشريك الأول قدم المبنى للانتفاع به لا على تمليكه لبقية الشركاء وله ثلث الأرباح أو ربعها أو ما يتفق عليه، وعليه من الخسارة بمقدار ماله من الأرباح، وكذلك الثاني قدم الآلات للانتفاع بها لا على سبيل تمليكها لمجموع الشركاء، وله حصة من الربح وعليه حصته من الخسارة، وهكذا.
حكمها:
ذهب الفقهاء في الاشتراك في كسب منفعة العروض إلى رأيين، الرأي الأول: يجوز ذلك وهو مذهب الحنابلة والمالكية، وأحد قولين في مذهب الشافعية، ونقل عن الأوزاعي ما يدل على الجواز (^١)، وعند الشافعية قول آخر بالجواز، قاله الشيرازي (^٢)
وقد اشترط المالكية لصحة ذلك أن يشرط عمل كل شريك ممن قدم عرضة للانتفاع به، كما يشترط اتحاد الصنعة.
الرأي الثاني: لا يجوز ذلك وهو مذهب الحنفية والشافعية (^٣).
_________________
(١) المغني ٥/ ٧ - ٨، كشاف القناع ٣/ ٥٢٥، فتاوى ابن تيمية ٢٥/ ٦٢، ٣٠/ ١١٤، التاج والإكليل ٥/ ١٢٤، المجموع ١٣/ ٥١٩.
(٢) المهذب مع المجموع ١٣/ ٥١٩.
(٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر ٣/ ٣٧٧، رد المحتار على الدر المختار ٣/ ٤٨٤، مغني المحتاج ٢/ ٢١٦.
[ ٧١ ]
الأدلة:
استدل الحنابلة على جواز الاشتراك في كسب منفعة العروض بأنها: عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، قال أحمد: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر «أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر …» الحديث (^١).
واستدل المالكية بقولهم: «ألا ترى لو أن هؤلاء الثلاثة أرادوا أن يشتركوا والمتاع لأحدهم فاكتروا منه ثلثي ما في يديه لجازت شركتهم إذا اعتدلت هذه الأشياء، فكذلك إذا كان لكل واحد منهم شيء على حده، وكراؤه معتدل؛ إذ كل واحد منهم كأنه أكرى متاعه بمتاع صاحبه (^٢).
واستدل المانعون بما يأتي:
قال الحنفية: شركة المنافع كالعروض، فكما لا تكون العروض رأس مال للشركة، لا تكون المنافع أيضًا رأس مال للشركة (^٣).
وقال الشافعية: لا تجوز، لأنها منافع أشياء متميزة (^٤). ومعلوم أن الشركة لا تصح عند الشافعية حتى تختلط أموال الشركاء بحيث لا يتميز المال المقدم من أحدهم من المال المقدم من الآخر.
الترجيح:
الذي يترجح لي هو القول بجواز الاشتراك في كسب منفعة العروض، لأنه يؤيده الدليل، وبيان ذلك ما يأتي:
_________________
(١) المغني ٥/ ٩.
(٢) المدونة الكبرى ٥/ ١٢/ ٤٦.
(٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٧/ ٣.
(٤) مغني المحتاج ٢/ ٢١٦.
[ ٧٢ ]
أولًا: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن رويفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح (^١).
قال الشيخ محمود خطاب السبكي في كتابه المنهل العذب: قال في المرقاة سنده حسن (^٢).
وجه الدلالة في هذا الحديث: هو أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأخذون الإبل من أصحابها ليركبوا عليها عند ما يذهبون للغزو، على ان يشتركوا في الغنيمة، فإذا غنموا تقاسم الغازي وصاحب الناقة الغنيمة بالنصف، فاستحقاق الغازي بعمله، واستحقاق صاحب الناقة مقابل منفعة ناقته، وهذا دليل على جواز الاشتراك في كسب منفعة العروض.
ثانيًا:
إن الاشتراك في منفعة العروض مقيس على الاشتراك في منفعة المساقاة والمزارعة الثابت بالحديث الصحيح وهو «أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر» ففي المزارعة والمساقاة العقد معقود على منفعة الأرض أو الشجر ومنفعة العامل، والنماء بينهما، فالعروض مقيسة عليهما، فكما يجوز الاشتراك في منفعة الأرض والشجر والعامل، يجوز الاشتراك في منفعة العروض، وكما أن ملكية صاحب الأرض أو الشجر باقية له، فكذلك ملكية صاحب العروض باقية له.
_________________
(١) سنن أبي داود ١/ ٣٩، مسند الإمام أحمد ٤/ ١٠٨، النضو: بالكسر المهزول من الإبل، والنصل: حديدة السهم. والريش: هو الذي يكون على السهم، والقدح: بكسر القاف السهم. ليطير له النصل والريش: أي يصيبهما في القسمة.
(٢) المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ١/ ١٣٨.
[ ٧٣ ]
ثالثًا:
المال إما عين وإما منفعة، فكما يجوز الاشتراك في العين، يجوز أيضًا في المنفعة، والاشتراك في المنفعة في شركة الملك ثابت فكذا يثبت في شركة العقد.
الأحكام التي تترتب على الاشتراك في كسب منفعة العروض هي ما يأتي:
١ - يحدد ربح كل من الشركاء بما يتفقون عليه، ويمكن تعيين ربح كل بتقويم المنفعتين المدة التي يشتركون فيها.
٢ - تبقى ملكية الشريك للعين التي قدمها، وليس للشركة أن تتصرف فيها تصرفًا يؤثر على ملكيتها.
٣ - إذا هلكت العين هلكت على صاحبها، وعليه أن يقدم عينًا أخرى، وإذا تعيبت بحيث تقل الفائدة منها فعليه إصلاحها، بحيث تؤدي الغرض منها.
٤ - يلزم الشريك بالضمان إذا ظهر عيب أو تدخل من الغير يحول دون انتفاع الشركة بالحصة.
٥ - لا يحق للشريك أن يتصرف في العين بشيء من التصرفات التي تؤثر على فائدة الشركة فيها؛ كالبيع أو الإجارة أو الرهن أو العارية أو الوديعة أو الحوالة أو نحو ذلك.
٦ - بعد فسخ الشركة أو انتهاء مدة الانتفاع يأخذ كل شريك عينه التي قدمها.