الحكم الثاني: المضارب حر في تصرفاته، إلاّ ما يتنافى ومصلة المضاربة.
الحكم الثالث: المضارب وكيل، وأمين.
الحكم الرابع: نفقة المضارب الخاصة به.
الحكم الأول: الشركة في الربح، والخسارة على رب المال
المضاربة عقد على الاشتراك في الربح، فرب المال يستحق الربح بماله، والمضارب يستحقه بعمله، والخسارة تكون على رأس المال في جميع الأحوال، فلا يصح أن يشترك العامل في الخسارة، «لعدم مشاركته له في رأس المال؛ إذ الرجوع في الخسران على رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه في ماله دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والثمر، وإن تلف الشجر أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شيء» (^١).
وتوزيع الأرباح يكون فيما زاد على رأس المال، فتوزع على المقدار الذي اتفق عليه عند العقد.
وإذا ربح المضارب ثم خسر فإنه يرد الوضيعة على الربح، وهذه المسألة لها أربع صور:
_________________
(١) المغني ٥/ ٣١ - ٣٢.
[ ١٥٧ ]
١ - ما يفوت من رأس المال قبل العمل فيه بسبب تلف أو ضياع، وهذا تنفسخ فيه المضاربة، ويكون رأس المال هو الباقي خاصة، ولا يجبر بالربح، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، والأظهر من مذهب الشافعية (^١).
واستدل الحنفية لذلك بأنه هلك قبل تمام العقد (^٢)
واستدل الحنابلة بأنه مال هلك على جهته قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض، وفارق ما بعد القبض، لأنه دار في التجارة (^٣).
واستدل الشافعية «بأن العقد لم يتأكد بالعمل» (^٤).
وقال المالكية: ما يصيب رأس المال من تلف أو نقص أو خسارة متى كان في يد المضارب يجبر بالربح، سواء قبل العمل أم بعده (^٥).
ومن المعلوم أن الجبر إذا بقي شيء من المال، أما لو ذهب جميعه، ثم رد رب المال بدله فإن الربح لا يجبره (^٦).
الترجيح:
والراجح عندي هو مذهب الجمهور وهو أن ما تلف من رأس المال قبل العمل فيه لا يجبر بالربح، وذلك لأن الخسارة التي تجبر بالربح هي الخسارة الناتجة عن البيع والشراء وتصرف العامل في رأس المال، ثم إن القول بأنه يجبر بالربح ينتقض فيما لو تلف جميع رأس المال، فلو تلف رأس المال كله لا يمكن جبرانه بربح، فكذلك إذا تلف بعضه.
_________________
(١) مغني المحتاج ٢/ ٣١٩، المغني ٥/ ٣٢، كشاف القناع ٣/ ٥١٨.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١١٣، ٨/ ٣٥٤١ م الإمام.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٥١٨.
(٤) تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٦.
(٥) المدونة ٥/ ١٢، ٩٩، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٣، الخرشي ٦/ ٢١٦، وقد تقدم بعض هذه الأحكام في فصل الربح والخسارة.
(٦) الخرشي ٦/ ٢١٦.
[ ١٥٨ ]
٢ - أن يحصل ربح أو خسران قبل قبض رب المال لرأس ماله وقبل قسمة الربح، وفي هذه الحال يجبر الخسران بالربح اتفاقًا.
٣ - أن يظهر ربح فيقسم ويبقى رأس المال مع المضارب ليتجر فيه، ثم يحدث له بعد ذلك تلف أو خسران، وفي هذه الحالة يجبر هذا النقص بالربح فيسترد من العامل ما أخذ من الربح جبرًا للنقص، ويحتسب ما أخذه رب المال من رأس المال وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة، وذلك لأن استقرار ملك العامل عندهم جميعًا لا يكون إلاّ بقبض رأس المال جميعه (^١).
وقال ابن حزم: «إذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له، فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا، وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح، فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه» (^٢).
وهذا هو الأظهر عندي، للدليل الذي ذكره ابن حزم، لأنه لو استمرت هذه المضاربة خمسين سنة وهي تربح كل سنة، ثم في السنة الأخيرة حصل خسارة تستغرق أرباح السنين الماضية فمن غير المعقول أن ترد أرباح كل هذه السنين، والأئمة لم يوردوا نصوصًا من الكتاب والسنة تجعلنا نرجح رأيهم.
٤ - أن يحدث ربح فيقسم الربح، ويتسلم رب المال ماله، أو يتحاسبا حسابًا كالتسليم، تتوقف بموجبه أعمال التجارة، ثم يرده إلى المضارب ليعمل به، أو يأذن له بالعمل فيه، فيصيبه التلف أو الخسران، وفي هذه الحال لا يجبر هذا النقص بما قسم من الربح قبل ذلك اتفاقا (^٣)، لأن ذاك عقد وهذا عقد آخر، فلا تجبر خسارة العقد الثاني من ربح العقد الأول.
_________________
(١) المدونة ٥/ ١٢/ ٩٩، بدائع الصنائع ٦/ ١٠٧، كشاف القناع ٣/ ٥١٨، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٣٣، تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٦، المجموع ١٤/ ٢١٠.
(٢) المحلى ٩/ ١١٨.
(٣) رد المحتار ٤/ ٦٧٥، البحر الرائق ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣، المدونة ٥/ ١٢/ ٩٩، المغني ٥/ ٥١، مغني المحتاج ٢/ ٣١٩.
[ ١٥٩ ]
أما ما يحدث باعتداء يستوجب الضمان، فلا يجبر بالربح، سواء كان الضامن المضارب أم غيره، ويكون الباقي بعد الجناية أو الأخذ هو رأس المال والربح لهذا الباقي (^١).
وإذا تبين للمضارب أن الشركة قد حققت أرباحًا، فليس له أخذ شيء من هذه الأرباح إلاّ بإذن رب المال (^٢).
قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا (^٣). وإنما لم يملك ذلك لأمور ثلاثة:
أحدها: أن الربح وقاية لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابرًا له، فيخرج بذلك عن أن يكون ربحًا.
الثاني: أن رب المال شريكه فلم يكن له مقاسمة نفسه.
الثالث: أن ملكه عليه غير مستقر.
وإن أذن رب المال في أخذ شيء جاز، لأن الحق لهما لا يخرج عنهما (^٤).