تعرض الفقهاء ﵏ لنفقة المضارب الخاصة به، فيما إذا كان له الحق في الإنفاق على نفسه من مال المضاربة؟ ومتى؟ وكيف ذلك؟ والكلام في نفقة المضارب في مواضع:
أولًا: الآراء في وجوبها:
ذهب الحنابلة إلى أنه ليس للمضارب نفقة إلاّ بشرط، سواء أكانت تجارته في الحضر أم في السفر، وبهذا قال ابن سيرين وحماد ابن أبي سليمان (^٤).
وقال ابن تيمية: أو عادة (^٥).
_________________
(١) المغني ٥/ ٦٣، رد المحتار ٤/ ٦٧٠، الشرح الصغير ٣/ ٩٦٤ للدردير طبع الإمارات العربية المتحدة.
(٢) بلغة السالك مع الشرح الصغير ٣/ ٩٦٤، طبع الإمارات العربية.
(٣) المغني ٥/ ٦٣.
(٤) المغني ٥/ ٣٥، كشاف القناع ٣/ ٥١٦.
(٥) فتاوى ابن تيمية ٣٠/ ٩٠.
[ ١٦٧ ]
وقال مالك والحنفية: ينفق على نفسه من مال المضاربة سفرًا ولا ينفق منه في الحضر (^١)، وقد وضعوا لذلك شروطًا منها:
١ - خروج المضارب من المصر الذي أخذ المال منه، وزاد المالكية: أو احتاج لأخذ ما يلزمه في السفر قبل شروعه فيه.
٢ - ألا يكون له بالبلد الذي سافر إليه زوجة قد بنى بها.
٣ - أن يكون سفره لغرض المضاربة.
٤ - وزاد المالكية: بأن يكون المال يحتمل الإنفاق، وذلك بأن يكون كثيرًا عرفًا، أما اليسير فلا نفقة له فيه.
وقال اللخمي من المالكية: «إذا كان القراض يشغل العامل عن الوجوه التي يقتات منها. كما لو كانت له صنعه فعطلها لأجل القراض فله الإنفاق على نفسه من مال القراض حضرًا» (^٢).
وقال الشافعية: لا ينفق منه على نفسه حضرًا جزمًا، وكذلك سفرًا في الأظهر، وقالوا لو شرط له النفقة في العقد فسد، والرواية الثانية: ينفق منه سفرًا (^٣).
الأدلة:
استدل القائلون بأنه ليس للمضارب نفقة إلاّ بالشرط، «بأن نفقته تخصه فكانت عليه، (كلو لم يكن مضاربًا)، ولأنه دخل على أنه يستحق (جزءًا مسمى من الربح) فلا يكون له غيره، ولأنه لو استحق النفقة أفضى إلى أنه قد يختص بالربح إذا لم يربح سوي النفقة، فأما إن شرط له النفقة صح وله ذلك، لقول رسول الله ﷺ: المؤمنون عند شروطهم» (^٤).
_________________
(١) بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٤٧ م الإمام، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٤.
(٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٤٧٤، الشرح الصغير ٣/ ٧٠٢، طبع الإمارات العربية.
(٣) مغني المحتاج ٢/ ٣١٧، نهاية المحتاج ٥/ ٢٣٥، المجموع ١٤/ ٢٠٩.
(٤) الشرح الكبير ٥ لابن قدامة/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ١٦٨ ]
واستدل القائلون بأن للمضارب النفقة في السفر، بأن النفقة تجب بإزاء الاحتباس، والمضارب في المصر ساكن بالسكن الأصلي، وإذا سافر صار محبوسًا بالمضاربة فيستحق النفقة فيه (^١).
واستدل الشافعية بأن النفقة قد تستغرق الربح فيلزم انفراده به، وقد تزيد عليه فليزم أخذه من رأس المال، وهو ينافي في مقتضى العقد (^٢).
الترجيح:
الراجح عندي هو رأي القائلين بأنه ليس للمضارب نفقة إلاّ بشرط، أو عادة جارية، لأن اشتراط النفقة عند عقد المضاربة أبعد عن الغرر، وأسلم من حدوث المنازعة، أما إذا كان هناك عادة جارية وعرف صحيح للبلد بإثبات النفقة للمضارب، وكان هذا العرف مشهورًا، فإنه يجب الأخذ به، لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والقول بأن النفقة تجب بإزاء الاحتباس لا دليل عليه هنا.
كما أنه يجب التفريق بين نفقة المضارب الخاصة به، والنفقات التي تحتاجها الشركة، كأجر الحمال وإضاءة المتجر، فإن هذه النفقات تجب في مال الشركة.
ثانيًا: في تفسير قدرها:
ذهب الحنابلة إلى أن له ما قدر من مأكول وملبوس ومركوب وغيره (^٣).
وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة - عند إطلاق النفقة - أن له نفقته من طعام وشراب وركوب وسكن وحمام وفراش ينام عليه، وعلف دابته، وأجر الخادم إن كان يخدم مثله، والمعتاد من الفاكهة واللحم، وله الكسوة.
وقيد الحنابلة والمالكية الكسوة بما إذا كان سفره طويلًا (^٤). أما ما يرجع إلى التداوي وصلاح البدن ففي ماله خاصة.
_________________
(١) نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار ٧/ ٨١، رد المحتار ٤/ ٦٧٦.
(٢) نهاية المحتاج ٥/ ٢٣٥.
(٣) المغني ٥/ ٣٥.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٤، المغني ٥/ ٣٥، بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٤٧.
[ ١٦٩ ]
واتفق الجمهور على أن قدر النفقة يكون بالمعروف، من غير إسراف، ولا تعد، ولا إضرار بالمال، فإن جاوز المعروف ضمن الفضل، وقد فسر المالكية المعروف، بأنه ما يتناسب مع حاله.
وفسره الحنابلة، بأنه ينفق على قدر ما كان ينفق على نفسه.
وفسره الحنفية، بأنه المعروف عند التجار (^١).
وأما الشافعية فقالوا: ينفق بالمعروف ما يزيد بسبب السفر، كالخف، والكراء، والسفرة (^٢).
ومما سبق نرى أن الحنفية والمالكية، وكذلك الحنابلة -في حالة عدم التقدير- يتفقون على نوع النفقة، وعلى تقديرها بالعرف، ويشترطون عدم الإسراف أو التعدي أو الإضرار بهذه النفقة في المال، ويكاد يكون تفسير المالكية والحنابلة للعرف واحدًا، وهو تقييده بما يتناسب مع حال المضارب، أو بقدر ما كان ينفق على نفسه، وهذا أظهر عندي من تفسير الحنفية له بعرف التجار، لأن عرف التجار يختلف من طائفة لأخرى.
ثالثًا: مم تحتسب النفقة؟
تحتسب النفقة من الربح إن كان في المال ربح (^٣)، فإن لم يكن فهي من رأس المال (^٤)، في مال القراض لا في ذمة ربه، فلو أنفق على نفسه من مال نفسه رجع به في مال القراض، فإن تلف فلا رجوع له على ربه، وكذا لو زادت النفقة على جميع المال فلا رجوع له على ربه بالزائد (^٥).
_________________
(١) السابق، والشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٤، بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٤٧.
(٢) مغني المحتاج ٢/ ٣١٧.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٥١٧، بدائع الصنائع ٥/ ٣٦٥٠، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٤.
(٤) بدائع الصنائع، الشرح الكبير للدردير.
(٥) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٤.
[ ١٧٠ ]