أطلق الفقهاء القول بالمنع، أو الجواز للاشتراك بالعروض، ولتحديد موضع النزاع سبق بيان اتفاق الفقهاء على عدم جواز الشركة في أعيان العروض، بمعنى أن يقدم كل شريك عرضه على أنه حصته من رأس المال، فيشتركون في أعيان
_________________
(١) العروض جمع عرض، قال في المصباح: العرض بكسر الراء المتاع (باب عرض)، وجاء في المطلع على أبواب المقنع ص ١٣٦ «قال أبوزيد: هو ما عدا العين، وقال الأصمعي: ما كان من مال غير نقد. وفي حاشية المطلع قال أهل اللغة: «هو جميع أصناف الأموال غير الذهب والفضة».
[ ٦١ ]
العروض، وفيما ينتج منها من ربح، أو خسارة. فهذه الصورة ممنوعة عند الفقهاء إلاّ من أجاز الشركة بالمثلي.
أما مدار الخلاف بين المانعين والمجيزين فهو ما إذا قومت هذه العروض وعلمت قيمتها فهل يصح أن يقدم الشريك هذه العروض في الشركة؟ فتدخل في ملك الشركاء لتكون من مجال نشاط الشركة بالبيع والشراء وطلب الربح وتكون قيمتها هي حصته مقدمها، هذا هو موضع النزاع.
وعلى هذا فقد اختلف الفقهاء في صحة انعقاد الشركة بقيمة العروض من أحد الشركاء أو منهم جميعًا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: قال المالكية وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد أنها تجوز بالعروض مقومة، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ قال جائز، اختار هذا أبوبكر وأبو الخطاب وابن تيمية وابن أبي ليلى، وبه قال في المضاربة طاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان (^١)، واستثني بعض المالكية المضاربة فمنعوا صحتها بالعروض المقومة، وقال بعضهم تجوز، لأن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع القراض بغيرها (^٢).
القول الثاني: تصح الشركة في المثليات من العروض عدا المضاربة، وبه قال: الشافعية في الأظهر عندهم (^٣)، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وذلك بعد اختلاطها، وكونها من جنس واحد، وهنا تصح الشركة بأعيان العروض (^٤).
القول الثالث: لا تصح الشركة بقيمة العروض وهو مذهب الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة (^٥).
_________________
(١) المغني ٥/ ١٥، فتاوى ابن تيمية ٣٠/ ٩١، الخرشي على خليل ٦/ ٤ ط ٢، مواهب الجليل ٥/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٤٥٤.
(٣) مغني المحتاج ٢/ ٢١٣، حاشية البجيرمي على شرح المنهج ٢/ ٤٦٢.
(٤) فتح القدير ٥/ ١٦ - ١٧.
(٥) فتح القدير ٥/ ١٤، المغني ٥/ ١٤.
[ ٦٢ ]
الأدلة:
استدل المجيزون للشركة بالعروض المقومة، بقياس العروض بعد تقويمهما على الأثمان.
فقالوا: تجعل قيمتها وقت العقد راس المال، لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعًا، وكون ربح المالين المعلومين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها كالأثمان، وحينئذ يستطيع كل واحد منهما أن يرجع عند القسمة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها (^١).
واستدل الشافعية على جواز الشركة في المثليات: بأن المثلي إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين، وليس المثلي كالمتقوم، لأنه لا يمكن الخلط في القيمي، وربما يتلف مال أحدهما ويبقى مال الآخر فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما، وفي المثليات يكون التالف بعد الخلط تالفًا عليهما جميعًا، ولأن قيمتها ترتفع وتنخفض، وربما تنقص قيمة مال أحدهما دون الآخر أو تزيد فيؤدي إلى ذهاب الربح في رأس المال، أو دخول رأس مال في الربح (^٢).
واستدل محمد بن الحسن: بأن المكيل والموزون عرض من وجه، ثمن من وجه، بدليل أن الشراء بهما دينًا في الذمة صحيح فكان ثمنًا، وأن بيع عينهما صحيح فكانت مبيعة، وما تردد بين الأصلين يوفر حظه عليهما، فلشبههما بالعروض قلنا لا تجوز الشركة بهما قبل الخلط، ولشبههما بالأثمان قلنا تجوز الشركة بهما بعد الخط (^٣).
_________________
(١) المغني ٥/ ١٥.
(٢) فتح العزيز ١٠/ ٤٠٧، حاشية الشرقاوي على التحرير، لزكريا الأنصاري ٢/ ١١.
(٣) المبسوط ١١/ ١٦١، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٧٦.
[ ٦٣ ]
ويمكن أن يقال ثمن من وجه باعتبار أنها تثبت دينًا في الذمة، ويؤخذ في مقابلها مال، ومن وجه آخر عروض لأن هذه الأشياء تتعين بالعقد بالتعيين، فيعمل في الحالين بالشبهين فإذا خلط تعتبر ثمنًا، وإذا لم تخلط تعتبر عروضًا.
واستدل الحنفية والحنابلة المانعون الاشتراك بالعروض بما يلي:
أولًا: لا تصح الشركة بالعروض، لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض، أو على قيمتها، أو على أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند انقضاء العقد برأس المال، أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر؛ فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها (^١).
ثانيًا: الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة لا تصح في العروض، ووجه عدم صحتها في العروض أن كل شريك وكيل عن صاحبه في التصرف، ولا يصح للإنسان أن يتصرف في عروض مملوكة له على وجه الوكالة عن غيره في هذا التصرف؛ إذ إن الولاية عليه له وحده دون غيره (^٢).
ثالثًا: الربح في العروض قد يظهر قبل التصرف فيها، وذلك بارتفاع سعرها بعد عقد الشركة، فإذا كان هذا الربح مشتركًا بين الشركاء بمقتضى عقد الشركة فإن غير المالك يستحق منه حصة، وكيف يستحقها وليست إلاّ زيادة فيما لا ملك له فيه ولا ضمان؟ وكذلك إذا ظهرت الخسارة فإنها تكون على الشركاء بمقتضى عقد الشركة، وكيف يلزم غير المالك بجزء منها من غير اشتراك ولا ضمان في الأصل؟ (^٣).
_________________
(١) المغني ٥/ ١٤ - ١٥.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٥٩.
(٣) المبسوط ١١/ ١٦١.
[ ٦٤ ]
رابعًا: لو تمت الشركة في العروض لأدى ذلك إلى جهالة الربح عند القسمة، لأن رأس المال يكون قيمة العروض، ولا تعرف إلاّ بالظن فيظل الربح مجهولًا، فيؤدي إلى النزاع (^١).
مناقشة الأدلة:
أولًا: قول المانعين للاشتراك بقيمة العروض إن قيمتها غير متحققة القدر فيفضي إلى النزاع، فيه نظر، فالقائلون بها لا يجيزون الشركة بها إلاّ إذا تم الاتفاق على القيمة، أما إذا وجد نزاع حصل بسببه عدم الاتفاق على القيمة فلا ينعقد عقد الشركة، كما أنها لا تنعقد عند الإخلال بأحد أركانها الأخرى.
ثانيًا: قولهم لا يصح للإنسان أن يتصرف في عروضه المملوكة له، على وجه الوكالة عن غيره، فيه نظر أيضًا، فبعد أن تقوم العروض وتجعل قيمتها حصة مالكها، وتنتقل ملكية ما زاد عن نصيبه إلى باقي الشركاء، فيتصرف فيها بالأصالة عن نفسه في الجزء الذي يملكه على قدر حصته في الشركة، ووكيلًا عن غيره من الشركاء فيما زاد عن حصته حيث إن ملكيتهم ثابتة في هذه العروض على قدر حصصهم في الشركة.
ثالثًا: قولهم قد يظهر الربح أو الخسارة قبل التصرف وكيف يستحقها وليست إلاّ زيادة فيما لا ملك له فيه ولا ضمان؟
يقال لهم: استحقاق الربح أو الخسارة بعد انعقاد الشركة وقبل التصرف هو استحقاق فيما ثبتت الملكية والضمان فيه، وهو المعتمد من مذهب المالكية والحنابلة، وهو صيرورة رأس المال مشتركًا بين الشركاء بمجرد العقد، ودخوله في ضمانهم جميعًا، وبهذا يكون حصول الشريك في ربح العروض التي قدمها غيره
_________________
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٥٩.
[ ٦٥ ]
من الشركاء ربحًا لما ثبتت ملكيته فيه ولما يلزمه ضمانه، وليس كما قالوا ربحًا لما لم يملكه ولما لم يضمن.
ولا دليل على أن ملك الشركاء يتأخر إلى أن يتحقق الشراء برأس المال فيما يشترى على ملكهما، بل الظاهر أنه يترتب على عقد الشركة الاشتراك في رأس المال ملكًا من حين العقد، كما يترتب عليه الاشتراك في الربح.
وأما قولهم إنها تؤدي إلى جهالة الربح، لأن رأس المال يكون قيمة العروض، ولا تعرف إلاّ بالظن، فهذا القول يتحقق لو أن العروض تقوم عند القسمة، أما إذا قومت قبل عقد الشركة - وهو ما يقوله المجوزون لانعقاد الشركة بقيمة العروض- وجرى الاتفاق على أن قيمتها عشرة آلاف ريال مثلًا، ثم إن هذه القيمة تعادل عشرة أسهم، فإنه يعرف أن استحقاق صاحب هذه العروض هو ربح عشرة أسهم من مجموع أسهم الشركاء، وبهذا لا يفتقر إلى الظن المؤدي إلى النزاع.
الرد على الشافعية:
ويرد على الشافعية بأنه: ليس للتفريق بين ذوات الأمثال، كالحبوب وبين غيرها معنى، فإن الشركة إذا جازت في ذوات الأمثال جازت في غيرها، ولا عبرة للتمييز، فإن التصرف يحصل في المالين معًا.
ويرد على محمد بأن ما يصلح أن يكون رأس مال في الشركة لا يختلف الحكم فيه بالخلط وعدم الخلط كالنقود، ويقال لمحمد أيضًا إن تحصيل رأس المال عند القسمة هنا ممكن لأنها من ذوات الأمثال يشكل بما قبل الخلط، فإن هذا المعنى موجود فيه.
[ ٦٦ ]