سنرى في الباب الآتي - إن شاء الله- أن الشركة إما أن تكون شركة أموال، أو أعمال، أو أموال وأعمال، والعمل ركن في جميع الشركات، ويتفاوت أثره من نوع لآخر من أنواع الشركات، وعندما نقول العمل محل فمعنى هذا أنه يمثل حصة تقابل بجزء من رأس المال، يترتب عليها التفاوت في الربح، كالنصف أو الثلث أو الربع، أو نحو ذلك، ما عدا شركة المضاربة، وسنرى أثر العمل فيما يأتي:
١ - شركة الصنائع:
تسمى شركة الأبدان والأعمال والتقبل، ومحل الشركة فيها العمل من الطرفين المشتركين، فإذا اتفق نجاران على فتح منجرة والاشتراك في العمل، بأن يتقبلا ما يعرض عليهما من العمل، ويلتزما إنجازه، على أن يقتسما الكسب الذي سيحصل بينهم، فهو جائز.
_________________
(١) فتح العزيز ١٠/ ٤٠٧، تحفة المحتاج ٥/ ٧، المحلى ٨/ ٥٤٥، فتح القدير ٥/ ٢٤.
(٢) مغني المحتاج ٢/ ٢١٣.
[ ٨٠ ]
ولا يشترط أن ينص على تقبل جميع الشركاء، وعلى عملهم جميعًا، بل يجوز عقد الشركة على أن يتقبل العمل أحد الشركاء ويعمل الآخر (^١).
وهنا يكون محل الشركة هو المال والعمل.
٢ - شركة المضاربة:
وهي الشركة التي يكون المال فيها من جانب، والعمل من جانب آخر، فمحل الشركة يتكون من المال والعمل، وقد اعتبرنا العمل محلًا لأنه إذا لم يوجد العمل من جانب والمال من جانب آخر لم تكن شركة مضاربة.
والمراد بالعمل هنا هو الاتجار من بيع وشراء، وما يلزم ذلك من عمل عرفًا.
والعمل خاص بالمضارب فلا يجوز لرب المال أن يشترطه أو يشترط بعضه له، لأن هذا الشرط يجعل لرب المال يدًا عليه، فكان شرطًا مخلًا بكمال التسليم إلى المضارب، ذهب إلى هذا الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة (^٢)، وزاد المالكية ولو كان هذا الشرط من المضارب، أو شرط رب المال أن ينصب عليه أمينًا فسدت المضاربة (^٣).
٣ - شركة الوجوه:
وهنا يكون محل الشركة هو المال المأخوذ بالوجاهة والعمل، سواء كان هذا المال نقودًا أو بضائع؛ إذ يشترط اشتراكهم في العمل، فلو عمل أحدهم دون الآخر فسدت الشركة.
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٤، المغني ٥/ ٦ - ٧.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٦٦، نهاية المحتاج ٥/ ٢٢١، المغني ٥/ ٢٤.
(٣) الشرح الكبير للدردير.
[ ٨١ ]
٤ - شركتا (العنان والمفاوضة):
وهاتان الشركتان المعتمد فيهما على الاشتراك بالمال والعمل من جميع الشركاء، والأصل أن يكون العمل على المشتركين بجانب اشتراكهم في رأس المال. فإن شرط العمل على أحدهم فله من الربح أكثر من ربح ماله ليقابل عمله ما لم يكن متبرعًا، كما أنه إذا كان العمل عليهم جميعًا ولكن بعضهم لم يعمل لعذر أو لغير عذر فإن العامل لا يستحق زيادة في الربح مقابل انفراده بالعمل، لأنهما وكيلان فبعمل شريكه يعد كأنه عمل (^١) وإذا عملوا جميعًا وجعل لأحدهم من الربح أكثر من الآخر فهذا جائز عند الحنفية والحنابلة، لأنه قد يكون أحذق وأمهر من شريكه. وقال الحنفية لا يلزم أن يكون المشروط له زيادة من الربح أكثر مهارة ما دام أن شريكه قد قبل أن قيمة عمل شريكه أزيد من قيمة عمل نفسه (^٢).
أما الشافعية والمالكية فيجعلون الربح والخسران على قدر المالين تساويا في العمل أو تفاوتا فيه، فإن شرط خلافه فسد العقد (^٣).
لأنهم يعتبرون العامل متبرعًا، ولا يصح أن يأخذ ربحًا أكثر من حصته في رأس المال، لأنه نماء مال مملوك لغيره (^٤).
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر ٣/ ٣٨٢
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٨١.
(٣) نهاية المحتاج ٥/ ١٢.
(٤) فتح العزيز ١٠/ ٤٠٧.
[ ٨٢ ]