حكم الشركة من حيث الجواز أو اللزوم
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة وابن حزم (^١)، وبعض فقهاء المالكية كابن رشد واللخمي (^٢) إلى أن عقد الشركة بعد تمامه عقد جائز، يحق لكل واحد من الشريكين فسخه كالوكالة، وفي حكم الفسخ انسحاب الشريك من الشركة.
أما المالكية فالمذهب عندهم أن الشركة عقد لازم بمجرد العقد، وهو المشهور المعول عليه عندهم، فلو فسخ أحدهما العقد وامتنع الآخر فالقول للممتنع، حتى ينض المال بعد العمل، وبهذا قال: ابن يونس وابن عبد السلام وعياض وهو مذهب ابن القاسم ومقتضى قول ابن الحاجب (^٣).
أما شركة المضاربة فمذهب المالكية أنها عقد جائز غير لازم (^٤)، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء.
لكن يشترط للفسخ شروط تحقق العدالة، وتصون أموال الشركاء من العبث، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: علم الشريك بالفسخ: اشترط عامة الفقهاء لصحة الفسخ علم الشريك الآخر بالفسخ، سواء كان مضاربًا أم رب مال، أو أحد الشركاء في الشركات الأخرى (^٥)، لأن الفسخ من غير علم الشريك إضرار به، والضرر ممنوع بالحديث الشريف «لا ضرر ولا ضرار».
_________________
(١) فتح القدير ٥/ ٦، نهاية المحتاج ٥/ ١٠، كشاف القناع ٣/ ٥٠٦، ومغني المحتاج ٢/ ٣١٩.
(٢) مواهب الجليل ٥/ ١٢٢.
(٣) مواهب الجليل ٥/ ١٢٢ - ١٢٣ الشرح الصغير ٢/ ١٦٥، بلغة السالك على أقرب المسالك ٢/ ١٦٥، حاشية الدسوقي ٣/ ٣١٣ توزيع دار الفكر.
(٤) الشرح الكبير ٣/ ٤٧٨.
(٥) فتح القدير ٥/ ٣٤، بدائع الصنائع ٦/ ٨٦، و١١٢.
[ ١٠٩ ]
قال ابن رجب: المشهور (من مذهب الحنابلة) أنها تنفسخ قبل العلم (^١).
وقال ابن عقيل: لا يحل لأحد المتعاقدين في الشركة والمضاربة الفسخ مع كتم شريكه (^٢).، وقال: «الأليق بمذهبنا في المضاربة والشركة ألا تنفسخ بفسخ المضارب، حتى يعلم رب المال، والشريك، لأنه ذريعة إلى عامة الإضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح» (^٣).
ثانيًا: عدم الإضرار بالشركاء:
فجواز الفسخ مقيد بعدم الإضرار بالشركاء، وبالمتعاملين مع الشركة، فإذا لم يكن هناك ضرر على أحد من الشركاء، أو على المصلحة العامة للوطن والمواطنين، فحكم الشركة هو الجواز، أما إذا كان يترتب بفسخ الشركة ضرر على أحد الشركاء أو على المصلحة العامة للأمة فإنه يَعرِضُ للشركة اللزوم إلى حين إمكان ارتفاع هذا الضرر، سواء بانتهاء سنة مالية يمكن تصفية موجودات الشركة فيها، أو بانتهاء أعمالها.
جاء في قواعد ابن رجب: «التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز ولم ينفذ» (^٤). والفقهاء الآخرون وإن لم ينصوا على هذا الشرط في فسخ الشركة لكن قواعدهم لا تأباه بل تستلزمه، لحديث: «لا ضرر ضرار» (^٥).
ويظهر تحقق الضرر واضحًا في الشركات التي تتشابك فيها مصالح الشركة بمصالح الأمة، كأن تتوسع أعمالها في الصناعة والتجارة، ولا سيما في الشركات
_________________
(١) قواعد ابن رجب، ق ٦٢ ص ١١٥
(٢) الإنصاف ٥/ ٤٤٩، قواعد ابن رجب، ص ١١٢.
(٣) الإنصاف ٥/ ٣٧٤.
(٤) قواعد ابن رجب ق ٦٠ ص ١١٠.
(٥) الموطأ ٢/ ٧٤٥.
[ ١١٠ ]
التي يقوم عليها اقتصاد البلاد، ويصيب فسخها الصالح العام بالضرر البالغ، مثل أن تكون شركة للإسمنت، أو الحديد والصلب، أو تكون شركة كهرباء، أو ماء، أو استيراد للمواد الغذائية، كالقمح أو الأرز، فإن استجابة طلب فسخ أحد الشركاء قد يؤدي على خسائر جسيمة بالنسبة للشركاء من جهة، ويعطل التقدم الصناعي والاقتصادي من جهة أخرى، فلابد من الحكم بعدم صحة الفسخ في هذه الحالة، والقول باللزوم في هذه الحالة هو الذي يتفق مع روح الشريعة الإسلامية، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأنه يجب تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
ثالثًا: يتم فسخ الشركة بفسخ أحدهما إذا كان الشركاء اثنين فقط.
إذا كان الشركاء اثنين فقط، فإن فسخ أحدهما يترتب عليه فسخ الشركة؛ إذ لم يتبق من أعضائها سوي واحد، لأن الواحد لا يمثل شركة، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء «تبطل بالفسخ من أحدهما» (^١)، وقولهم: تنفسخ الشركة بفسخ أحد الشريكين" (^٢)، لأن الشركة في هذه الأقوال مضافة إلى اثنين، فإذا فسخ أحدهما العقد لم يبق لها ما يجعلها شركة، أما إذا كانوا أكثر من اثنين ثم فسخ أحدهم العقد، فإن الشركة تنفسخ في حق الفاسخ، وتبقى قائمة في حق الشركاء الآخرين، جاء في رد المحتار والفتاوى الهندية: «فلو كانوا (أي الشركاء) ثلاثة فمات أحدهم حتى انفسخت في حقه، لا تنفسخ في حق الباقين» (^٣).
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ٥٠٦.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٩٠ م ١٣٥٣.
(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ٣٣٥.
[ ١١١ ]