العاقدان
ذكرنا أن الركن الأول لعقد الشركة هو (العاقدان) الموجب والقابل، ويمكن أن يكون أطراف الشركة أكثر من اثنين، وشرط العاقدين الأهلية.
الأهلية:
لكي يمكن للإنسان أن يباشر عقد الشركة بدون حاجة إلى إذن الولي، يجب أن تتوفر له أهلية الأداء الكاملة.
وأهلية الأداء (هي صلاحية الإنسان لصدور الأفعال، والأقوال منه على وجه يعتد به شرعًا) وتتوقف عليها سائر المعاملات القولية، والتكاليف الشرعية (^١).
وقد اتفق الفقهاء على أن الشروط في أهلية عاقد الشركة هي أن يملك أهلية التوكيل والتوكل، لأن كلًا منهما وكيل عن الآخر (^٢).
وزاد الحنفية في شركة المفاوضة، أن يكون للشركاء أهلية الكفالة (^٣). وأهلية الوكالة تتحقق عند الحنابلة والمالكية، والشافعية، والحنفية بصحة التصرف؛ فكل من صحح تصرفه في شيء بنفسه صح، أن يوكل فيه (^٤). ولكن صحة التصرف تختلف عند الشافعية عن غيرهم من المذاهب الأخرى.
والشروط التي يجب توفرها في عاقد الشركة، لكي يكون أهلًا لذلك، هي ما يلي:
_________________
(١) الوسيط في أصول الفقه، للدكتور وهبة الزحيلي ص ١٧٤.
(٢) تحفة المحتاج ٥/ ٦، فتح العزيز ١٠/ ٤٠٤، مواهب الجليل ٥/ ١١٨، المبسوط ١١/ ١٥٢، كشاف القناع ٣/ ٤٩٧.
(٣) البحر الرائق ٥/ ١٨٣، بدائع الصنائع ٦/ ٦١.
(٤) رد المحتار ٤/ ٤٠٠، المغني ٥/ ٧٢، مواهب الجليل ٥/ ١١٨، المهذب ١/ ٣٤٩ ط الحلبي، قد بسطت القول في موضوع الأهلية والوكالة في كتاب: شركة المساهمة في النظام السعودي ص ٤٩، وما بعدها، طبعة العبيكان.
[ ٣٧ ]
أولًا: العقل:
يشترط في العاقد، أن يكون صحيح العقل؛ فعقد المجنون لا يصح بالإجماع.
المعتوه:
اختلوا في تفسير المعتوه، وأحسن ما قيل فيه: هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلاّ أنه لا يضرب، ولا يشتم كما يفعل المجنون، وحكم المعتوه حكم الصبي المميز كما يأتي (^١).
ثانيًا: البلوغ:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في أهلية الشريك، لمباشرته عقد الشركة، ولنفاذ ذلك العقد دون إذن ولي، أن يكون العاقد بالغًا (^٢)، أما إذا لم يكن بالغًا، لكنه مميز؛ فقد ذهب الجمهور أبو حنفية، ومالك، وأحمد إلى أن عقده صحيح إلاّ أنه يشترط لنفاذه إذن الولي (^٣)، واستثنى الحنفية شركة المفاوضة؛ فلم يجيزوا عقده لها؛ حيث إنها مبنية عندهم على الكفالة والوكالة، والصبي ليس من أهل الكفالة (^٤).
وقال الشافعية: لا يصح شيء من تصرفاته، إلاّ بعد البلوغ (^٥)، أما الصبي الذي لم يميز؛ فقد اتفق الفقهاء على أن عقده غير صحيح.
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٥/ ٩٠ دار إحياء التراث العربي بيروت.
(٢) كشاف القناع ٣/ ١٥١، بدائع الصنائع ٤/ ١٣٥، التاج والإكليل بحاشية مواهب الجليل ٥/ ٥٧، مغني المحتاج ٢/ ١٦٦.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٦٥، بدائع الصنائع ٤/ ١٣٥، مواهب الجليل ٥/ ٦٠ - ٦١.
(٤) فتح القدير ٥/ ٧ - ٨.
(٥) مغني المحتاج ٢/ ١٦٦، المجموع ٩/ ١٦٤ ذكر أبو الفرج ابن قدامة صاحب الشرح الكبير ٤/ ٥ أن هناك رواية مرجوحة عن الإمام أحمد توافق مذهب الشافعية، كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف، ونسب هذه الرواية إلى صاحب الشرح، وقال: إن الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب نفاذ عقده بعد إذن الولي. ويحصل البلوغ في حق الغلام، والجارية بكل علاماته الدالة عليه، أما البلوغ بالسن؛ فالراجح من مذاهب الفقهاء أنه يكون بتمام الخامسة عشرة، لحديث ابن عمر المذكور في - الصحيحين- ومنهم من لم ير تحديد البلوغ بالسن.
[ ٣٨ ]
ثالثًا: الرشد:
البلوغ وحده لا يكفي لمباشرة البالغ عقد الشركة بنفسه؛ فيجب أن يضاف إلى ذلك شرط آخر هو كون العاقد رشيدًا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: ٦.
والرشد: ضد السفه، «وهو الصلاح في المال لا غير» (^١)، وهو قول جمهور العلماء، وقال بعض الشافعية: «هو الصلاح في المال والدين» (^٢)، والمختار هو رأي جمهور العلماء، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: ٦، قال ابن عباس ﵁: «يعني صلاحًا في أموالهم» (^٣).
والرشيد: هو من يتصرف تصرفًا لا يغبن فيه غالبًا، مع تدبير ماله بحكمة وسداد، ووضع الأمور في مواضعها.
ويمكن معرفة الرشد بالتمرين على البيع والشراء؛ فإذا عرفت مهارته؛ فهو رشيد، وهذا هو الاختبار المذكور في الآية الكريمة بالابتلاء ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
والرشد ليست له سن معينة، ولكن لا يكون إلاّ بعد البلوغ؛ حيث إن المعاملات المالية المعاصرة، لا سيما الشركات أصبحت من الضخامة في رؤوس الأموال، وفي عدد الشركاء مع تعذر معرفة ما إذا كان الشريك رشيدًا أم غير رشيد، مما يستدعى الاحتياط في معرفة رشد الشريك، ولا يتسنى ذلك إلا بوجود سن معينة يستأنس بها، لمعرفة الرشد إذا لم يتبين خلافه، وهذه السن يعتبر صاحبها رشيدًا غالبًا، ونرجح أن تكون الثامنة عشرة للذكر والأنثى، لما رأينا
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ٤٤٤، ورد المحتار على الدر المختار ٥/ ٩٥ مصور دار التراث.
(٢) المجموع ١٣/ ٣٦٨.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٤٤٤.
[ ٣٩ ]
الغالب في كثير منهم الرشد والنضج في هذه السن، لا قبلها، وذلك بناءً على ما نشاهده في شباب المجتمع في هذا العصر (^١).
وإذا كان الشخص غير رشيد بأن بلغ وما زال سفيهًا، أو حكم عليه بالسفه، فلا ينفذ عقده ما دام كذلك حتى يؤنس منه الرشد، أو يحكم برشده، ولو كان شيخًا، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء منهم الإمام أحمد، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد (^٢).
وقال الشافعي: لا يصح عقده ما دام صبيًا، أو سفهيًا (^٣).
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ النساء: ٥، وأضيفت الأموال إلى الأولياء، لأنهم قوامون عليها، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: ٦، فيلزم من النهي عن دفع المال إليه قبل رشده عدم نفاذ تصرفاته، أو بطلانها على اختلاف الرأيين.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ السفيه خمسًا وعشرين سنة رفع عنه الحجر، ونفذ تصرفه، لأنه أصبح جدًا، ولأن في منعه من عقد العقود ضررًا معنويًا يفوق ضرره المادي (^٤).
والراجح مذهب الجمهور لظاهر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: ٦، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
_________________
(١) لمزيد من الإيضاح انظر: كتابنا شركة المساهمة في النظام السعودي دراسة مقابلة بالفقه الإسلامي، ط العبيكان
(٢) مواهب الجليل ٥/ ٦٠، والشرح الصغير ٢/ ١٣٨، والمغني ٥/ ٤١٠.
(٣) فتح الوهاب، لزكريا الأنصاري ١/ ٢٠٧ م الحلبي.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٥/ ٩٤ - ٩٥ تصوير دار إحياء التراث العربي.
[ ٤٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ معناه اختبروهم بالبيع والشراء، وغيرهما، وهو يدل على صحة عقودهم وتوقفها على إجازة الولي، ودليل عدم النفاذ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ النساء: ٦؛ فمفهومه عدم الدفع قبل إيناس الرشد، وهو يستلزم توقف التصرفات؛ إذا لو نفذت لما كانت هناك فائدة للمنع من دفع الأموال إليهم الثابت من هذه الآية بالمفهوم، والثابت بالمنطوق من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
رابعًا: الحرية:
يشترط في عاقد الشركة أن يكون حرًا، أو مأذونًا له، فعقد العبد لا ينفذ إلاّ بإذن سيده، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).
خامسًا: ألا يكون مفلسًا:
يشترط في عاقد الشركة لنفاذ عقده، ألا يكون محكومًا عليه بالحجر للفلس.
والمفلس شرعًا: من لزمته ديون حالة لا يفي ماله بها (^٢).
وقال الصاحبان: هو من دينه مساو لماله أو أزيد (^٣). وسمي مفلسًا وإن كان ذا مال، لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول إليه من أنه يصير لا مال له بعد وفاء دينه، وقيل بمعنى أن ماله أصبح فلوسًا بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، والفلوس جمع فلس، وهي أقل أنواع النقد قيمة كالهللة؛ والمليم، والبنس، والبيزة.
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ١٥١، مغني المحتاج ٢/ ٢١٣، مواهب الجليل ٥/ ١١٩، بدائع الصنائع ٤/ ١٣٥.
(٢) المغني ٤/ ٣٦٥، تحفة المحتاج ٥/ ٤١١.
(٣) شرح المجلة العدلية، لسليم رستم ١/ ٥١٣.
[ ٤١ ]
آراء الفقهاء في الحجر على المفلس:
قال جمهور الفقهاء الحنابلة، والمالكية، والشافعية، والصاحبان من الحنفية، وعامة أهل العلم: بعد طلب الغرماء الحجر على المفلس، وثبوت الفلس عليه، يحكم بالحجر عليه، ويعلن إفلاسه؛ فيمنع من التصرفات (^١).
إلاّ أن محمدًا يقول بالحجر عليه بدون حكم الحاكم؛ إذ قال: (فساده في ماله يحجره وإصلاحه فيه يطلقه) (^٢).
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ لا يحجر على المدين مفلسًا كان أم غير مفلس (^٣).
أدلة الفريقين:
استدل أهل العلم على جواز الحجر على المفلس، ومنعه من التصرف بأدلة منها: ما روى كعب بن مالك، «أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ بن جبل، وباع ماله».
وعن عبد الرحمن بن كعب قال: «كان معاذ بن جبل من أفضل شباب قومه ولم يكن يمسك شيئًا؛ فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبي ﷺ، فباع لهم رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء» (^٤).
_________________
(١) المغني ٤/ ٣٦٥، مواهب الجليل ٥/ ٣٤، ٣٩، المجموع ١٣/ ٢٧٧، مغني المحتاج ٢/ ١٤٦، المبسوط ٢٤/ ١٦٣، الدر المنتقى، ص ٣٤٥، شرح المجلة العدلية، لسليم رستم باز ٥١٣، ١٩٩٩ م، قال علي حسب الله في كتابه الولاية على المال: إن الإمام الشافعي، والصاحبين من الحنفية يقولون بالحجر على المدين مفلسًا كان، أو غير مفلس، ولكن هذا القول غير دقيق، والمزيد من التأكيد يرجع إلى المراجع المذكورة بالصفحة السابقة. كما أن قاضي زاده في كتابه كشف الرموز والأسرار (تكملة فتح القدير) ٧/ ٣٢٧ استنتج أن الصاحبين يقولان بالحجر على المدين مفلسًا، أو غنيًا، وهذا الاستنتاج يخالف الحقيقة، وعساه ناتجًا من الاشتباه عندهم بين الحجر على المدين المفلس، ولمدين المماطل، ولكن هذه مسألة، وتلك أخرى. أما الشافعية فالمذهب ما قدمناه، وعندهم وجه حكاه في المهذب، أنه إذا كان ماله يفي بدينه ولكن خرجه أكثر من دخله يحجر عليه، لأن هذا أمارة الإفلاس، وهذا أحد الوجهين في المسألة. المهذب مع المجموع ١٣/ ٢٧٧.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥/ ٩٣.
(٣) المبسوط ٢٤/ ١١٣، بدائع الصنائع ٧/ ١٦٩، تبيين الحقائق ٥/ ١٩٩.
(٤) نيل الأوطار ٥/ ١١٤، حديث كعب أخرجه أيضًا البيهقي، والحاكم وصححه، ومرسل عبد الرحمن بن كعب أخرجه أيضًا أبو داود وعبد الرازق، وقال ابن الطلاع في الأحكام هو حديث ثابت، وقد أخرجه الطبراني.
[ ٤٢ ]
واستدل أبوحنفية ﵀ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: ٦، حيث نصت الآية على دفع أموالهم إليهم عند إناس الرشد، وسكتت عن جميع الحالات، والأصل الدفع، فيعمل بالأصل، لأن أبا حنيفة لا يعمل بمفهوم المخالفة، وقد علّل بأنه لا يحجر على المدين، لأن في الحجر عليه إهدار أهليته، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (^١)، ومرده أن إهدار الأهلية يتعلق بحفظ النفس، وحق الدائن يتعلق بحفظ المال، وحفظ النفس مقدم على حفظ المال.
ومن قالوا بالحجر على المفلس اختلفوا في مسألتين:
الأولى: قال الجمهور: يحجر على المفلس في جميع أمواله، حتى ما يستجد بعد إعلان الحجر، فلا تنفذ عقوده، بل هي موقوفة حتى يرفع عنه الحجر (^٢).
وقال الشافعية في أظهر القولين تبطل تصرفاته (^٣).
وقال الصاحبان والمالكية، ووجه عند الشافعية، بل يحجر عليه في أمواله الموجودة وقت الحجر، وعقوده فيما يستجد له من أموال نافذة (^٤).
الثانية: قال الجمهور إذا حجر على المفلس منع من التصرف، فلا يعقد العقود، ومنها عقد الشركة، إلاّ في الشيء التافه.
وقال الصاحبان: يمنع من التصرف فيما فيه ضرر بالغرماء، أما ما ليس فيه ضرر بالغرماء فإن عقوده فيه صحيحة نافذة (^٥).
_________________
(١) شرح العناية على الهداية ٧/ ٣٢٤، المبسوط ٢٤/ ١٦٣.
(٢) كشاف القناع ٣/ ٤٢٣، تحفة المحتاج ٥/ ٤١٥.
(٣) تحفة المحتاج ٥/ ١٢٣ تصوير دار صادر.
(٤) شرح المجلة العدلية لسليم رستم باز م (١٠٠١) ١/ ٥١٤، تكملة فتح القدير ٧/ ٣٢٧، الدر المنتقى ص ٣٤٥، حاشية الدسوقي ٣/ ٢٤١ - ١٤٢، ورضة الطالبين ٤/ ١٣٣.
(٥) شرح المجلة لسليم رستم ١/ ٥١٤.
[ ٤٣ ]
ومعنى التصرف بما فيه ضرر الغرماء هو أن يبيع بأقل من ثمن المثل، أو أن يكون فيه تفويت للمال على الغرماء، وعلى هذا فالصاحبان لا يمنعان عقد الشركة من المفلس إذا لم يترتب عليه بيع بأقل، أو شراء بأكثر، والجمهور يمنعون عقده لها.
أما شركة الأبدان، فهي جائزة ونافذة من المفلس، لأن الحجر إنما يقع على المال، أما الشخص فلا يحجر على فعله؛ إذ ليس فيه ضرر بالغرماء، وكذلك المضاربة، إذا كان عاملًا.
الدين ليس بشرط لأهلية عاقد الشركة:
اتفق الأئمة الأربعة على جواز مشاركة المسلم للكافر، وبه قال: الحسن والثوري وأبو يوسف وابن حزم الظاهري (^١)، ما عدا شركة المفاوضة عند الأحناف، فقد اختلفوا في اشتراط التساوي في الدين فيها، فذهب أبو حنيفة ومحمد إلى عدم جواز مشاركة المسلم للكافر في المفاوضة، لعدم التساوي في الدين (^٢).
وقال أبو يوسف بجواز ذلك مع الكراهة للتساوي بينهما في الوكالة، والكفالة (^٣).
أما الإمام الشافعي ﵀ فقد كره مشاركتهم مطلقًا، لأن أموالهم ليست طيبة، فإنهم يبيعون الخمر، يتعاملون بالربا، فكره معاملتهم لذلك (^٤).
_________________
(١) المغني ٥/ ٣، رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٦، المدونة ٥/ ١٢/ ٧٠، المحلي ٨/ ٥٤٧.
(٢) المبسوط ١١/ ١٩٦، البحر الرائق ٥/ ١٨٣، بدائع الصنائع ٦/ ٦١.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) مغني المحتاج ٢/ ٢١٣، المجموع ١٣/ ٥٠٤، يقول الدكتور عبد العزيز الخياط في كتابه الشركات ١/ ٩٦، وظاهر من مذهب الشافعية جواز الشركة بين المسلم وغير المسلم من غير كراهية، ولكن هذا الاستنتاج غير دقيق.
[ ٤٤ ]
وقد استدل بما روى أبو جمرة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا تشاركن يهوديًا، ولا نصرانيًا، ولا مجوسيًا قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون، والرباء، لا يحل (^١).
أما المجوسي، والوثني، ومن في معناهما ممن يعبد غير الله تعالى؛ فقد كره أحمد مشاركته، قال في المجوسي: ما أحب مخالطته، ومعاملته، لأنه يستحل مالا يستحل (الكتابي) (^٢).
وقد اشترط الحنابلة، والمالكية، والظاهرية، أن يكون التصرف بيد المسلم، أو ألا يخلو الكتابي بالمال، على ان لا ينفرد بالتصرف، وإذا توفر هذا الشرط فهو عند المالكية والظاهرية جائز بدون كراهة، لأنه لم يأت قرآن، ولا سنة بالمنع من ذلك (^٣)، وقال الحنابلة بالجواز مع الكراهة، إلاّ أن يلي المسلم التصرف؛ فلا تكره للأمن من الربا (^٤).
لكن الضرورة في هذا العصر أصبحت ماسة في كثير من الأحيان للاستعانة بخبرات ذوي الخبرة ممن لا يدينون بالإسلام، لمشاركتهم فيما يعود بالمصلحة على المسلمين، ومتى كان الداعي للكراهة هو الخوف من التعامل بالمعاملات الفاسدة شرعًا؛ فيمكن الاحتراز من هذا الاحتمال بأن يشترط في العقد، أن يكون التعامل على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وبهذا يزول الداعي إلى القول بالكراهة، سواء أكان التصرف بيد المسلم، أم بيد الكافر، وسواء أكان هؤلاء يقيمون في
_________________
(١) المجموع ١٣/ ٥٠٤ أبو جمرة هو نصر بن عمران الضبعي صاحب ابن عباس، انظر رواة هذا الأثر وما قيل عنه، في كتابنا شركة المساهمة في النظام السعودي ص ٧٢ ط العبيكان.
(٢) كشاف القناع ٣/ ٤٩٦.
(٣) المحلى ٨/ ٥٤٧، المدونة الكبرى ٥/ ١٢/ ٧٠.
(٤) كشاف القناع ٣/ ٤٩٦.
[ ٤٥ ]
بلادهم، أم في بلاد الإسلام، إذا كان بيننا وبينهم معاهدة، أو أمان، أو كانت العلاقة بيننا وبينهم ليست علاقة حرب، أو عقد الأمان بين الدولة وبعض الأفراد.
ومن الأدلة على هذا ما يأتي:
١ - ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها (^١). فدل الحديث على جواز مشاركة المسلم للكافر في المزارعة من غير كراهة، لأنها لو كانت مكروهة لما شاركهم رسول الله ﷺ، والشركة مقيسة عليها.
٢ - قال ابن المنذر: (توكيل المسلم حربيًا مستأمنًا، وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا، لا خلاف في جوازه) (^٢).
٣ - الشريعة مبنية على جلب المصالح، ودرء المفاسد، ومصلحة المسلمين في هذا ظاهرة.
ويرد على القائلين بالكراهة مطلقًا، وهم الشافعية، بأن علة الكراهية هي معاملتهم بالربا، وهذا منتفٍ باشتراط التعامل على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وقولهم إن أموالهم ليست طبية غير مسلم لهم؛ فإن النبي ﷺ قد عاملهم، ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لأهله، وأضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة (^٣)، ولا يأكل النبي ﷺ ما ليس بطيب، ويرد عليهم أيضًا بمشروعية أخذ الجزية من أموال الكفار.
_________________
(١) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٥/ ١٢.
(٢) فتح الباري ٤/ ٥٦١، م دار الريان للتراث.
(٣) المصدر السابق ٥/ ٩٩، الإهالة: بكسر الهمزة ما أذيب من الشحم والألية، وقيل هو كل دسم جامد، وقيل ما يؤتدم به من الأدهان. سنخ: بفتح السين، وكسر النون أي المتغير الرائحة.
[ ٤٦ ]
أما أثر ابن عباس فهو محمول على ما إذا كان احتمال التعامل بالربا موجودًا، بدليل تصريحه بذلك، وهذا منتف فيما حضره المسلم، أو وليه، أو اشترط عدم التعامل به، يؤيده معاملة رسول الله ﷺ يهود خيبر على الشطر.
مشاركة المرتد:
إن شارك المسلم المرتد فشركته موقوفة؛ فإن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحًا، وإن قتل، أو مات، أو لحق بدار الحرب كان باطلًا، وهذا مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة (^١).
وأما على قول أبي يوسف ومحمد فشركته صحيحة، لأن من أصلهما أن تصرف المرتد بعد ردته قبل لحاقه بدار الحرب نافذ، غير المفاوضة عند محمد (^٢).
الأدلة:
القائلون بالوقف يقولون: إن الردة تؤثر في عصمة دمه وماله، لأن بها القدرة على التصرف، والعصمة موقوفة على إسلامه، أو قتله.
والقائلون بالنفاذ يستدلون بتمام أهليته، لأن الردة إنما تؤثر في إباحة دمه، لا في تصرفاته المالية (^٣).
_________________
(١) المغني ٨/ ٥٤٦، وما بعدها، المبسوط ١١/ ١٩٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تبيين الحقائق ٣/ ٢٨٥، مصور من الطبعة الأولى، نشر دار المعرفة بيروت.
[ ٤٧ ]