حكم اشتراط أكثر من ربح رأس المال
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن يشترط أحد من الشركاء من الأرباح أكثر من ربح رأس ماله، وهذا الاتفاق بالنظر إلى رأس المال.
أما إذا شرط لأحد من الشركاء في شركة العنان زيادة في الأرباح على رأس ماله مقابل عمله جاز، فباعتبار العمل يجوز اشتراط الزيادة في الأرباح، سواء عملوا جميعًا أم عمل المشروط له الزيادة وحده، وسواء استووا في العمل أم كان المشروط له الزيادة أكثر عملًا أو أحذق وأمهر من صاحبه، لأن الربح كما يكون مقابل رأس المال يكون أيضًا مقابل العمل، وهذا مذهب الحنابلة والحنفية وكذا الشافعية في أحد الوجهين (^١).
وقال الحنفية: الاستحقاق للربح إنما يكون بالنظر إلى الشرط الذي أورد في عقد الشركة، وليس بالنظر إلى العمل، فعليه لو لم يعمل الشريك المشروط عمله يعد كأنه عمل، فمثلًا إذا شرط عمل الشريكين، وعمل أحدهما فقط ولم يعمل الآخر لعذر أو لغير عذر فبما أنهما وكيلان يعد عمل أحدهما عملًا من الآخر (^٢).
وذهب المالكية والظاهرية وزفر والشافعية في أصح الوجهين: إلى أن الربح يكون تابعًا لرأس المال، تساويا في العمل أو تفاوتا فيه (^٣). فلو شرط زيادة في الربح لأحدهما، فإن الشرط في هذه الحالة غير صحيح. والحكم عند الشافعية والمالكية أنه تفسد الشركة بشرط التفاوت (^٤).
_________________
(١) المغني ٥/ ٢٦، تبيين الحقائق ٣/ ٣١٨ م دار المعرفة، مصور ط ا، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٤١٣.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٨٣، مجلة الأحكام العدلية م ١٣٤٩.
(٣) المجموع ١٣/ ٥١٤، فتح العزيز ١٠/ ٤٢٥، التاج والإكليل ٥/ ١٢٩، المحلى ٨/ ١٤٤، فتح القدير ٥/ ٢٨ وما بعدها.
(٤) مغني المحتاج ٢/ ٢١٥، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣١٨، التاج والإكليل ٥/ ١٢٩.
[ ٩٣ ]
الأدلة:
استدل الحنفية والحنابلة بأن الربح يكون استحقاقه إما بالمال لأنه نماء له فوجب أن يكون لمالكه، أو بالعمل لأنه ناتج عنه، أو بالضمان للحديث «الخراج بالضمان» (^١)، وقد يكون أحد الشريكين أكثر عملًا أو أبصر من صاحبه فجاز أن يشترط له زيادة في الربح مقابل عمله، كما يكون الربح في شركة المضاربة مقابل العمل (^٢).
واستدل المالكية والشافعية والظاهرية على عدم جواز التفاضل في الربح بأن الربح يكون تابعًا للمال فقط، ولا يتبع العمل شيء منه، وهو شبيه بمنفعة الملك فيكون على قدر رأس المال (^٣)، ثم إن الخسارة على قدر المال، ولا تصح أن تكون خلاف ذلك، فالربح يجب أن يكون كذلك (^٤).
الترجيح:
الراجح هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة من جواز أن يشترط لأحد الشركاء أكثر من ربح ماله، ليكون الزائد في مقابل عمله، فالربح كما يكون للمال يكون أيضًا للعمل، بدليل استحقاق المضارب نصيبًا من الربح وليس إلاّ مقابل عمله، ففي أنواع الشركات الأخرى كذلك، ولا يقاس الربح على الوضيعة لأنها لا تتعلق إلاّ بالمال.
فشركة المضاربة إذا خسرت لا يتحمل المضارب شيئًا من الخسارة بالاتفاق، وقولهم هو شبيه بمنفعة الملك صحيح، ولكن لا على سبيل القصر، بل هو أيضًا لمنفعة العمل كما، في شركة الأعمال.
_________________
(١) سنن الترمذي ٤/ ٢٨٥.
(٢) المغني ٥/ ٢٦.
(٣) فتح العزيز ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٤) بداية المجتهد ٢/ ٢٠٩.
[ ٩٤ ]
أما شركة المفاوضة فالحنفية لا يجيزون التفاضل في الربح فيها، فيشترطون التساوي في الربح، بناءً على أنها قائمة عندهم على التساوي في رأس المال وفي الربح (^١).
وقال المالكية الربح على قدر رأس مال كل شريك (^٢)، وقال الحنابلة: الربح على ما شرطا من مساواة أو تفاضل (^٣)، لأنهم قد يتفاضلون في العمل.
وأما شركة الوجوه فالربح على ما شرطاه من مساواة أو تفاضل، لأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه، فكذلك هذه، ولأنها تنعقد على العمل وغيره، فجاز ما اتفقا عليه كشركة العنان، وهذا مذهب الحنابلة (^٤).
وقال الحنفية والقاضي أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة: الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشترى، لأن الربح يستحق في شركة الوجوه بالضمان؛ إذ الشركة وقعت عليه خاصة؛ إذ لا مال عندهما، والضمان لا تفاضل فيه، فلا يجوز التفاضل في الربح (^٥).
وقد رد الحنابلة على هذا «بأنها شركة فيها عمل فجاز ما اتفقا عليه من الربح كشركة العنان، والقول بأنه لا مال لهما يعملان فيه، يرد عليه بأنهما يشتركان ليعملا فيما سيتخذانه بجاههما، كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها فيما يأتي فكذا ههنا» (^٦)، وجواز التفاضل الذي قال به الحنابلة ليقابل العمل، أو زيادة العمل من أحد الشركاء إذا وجد ذلك، فقد يشترك الوجيهان في شراء بضائع ويتولى أحدهما البيع، أو يكون أحدهما أبصر بالبيع، فإذا شرط للبائع أو للأبصر
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٧٠
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣١٨.
(٣) المغني ٥/ ٢٥.
(٤) المصدر السابق ٥/ ٢٦، الإنصاف ٥/ ٤٥٨.
(٥) المغني ٥/ ٢٦، الهداية شرح العناية ٥/ ٣١، فتح القدير ٥/ ٣٠.
(٦) المغني ٥/ ٢٦ - ٢٧.
[ ٩٥ ]
زيادة في الربح أكثر من رأس ماله فلا بأس بذلك، لأن هذا النوع من الشركة ينعقد على الضمان والعمل، فجاز ما اتفقا عليه كشركة العنان.
شركة الأبدان:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز التفاضل في العمل، فيجوز ما يتفقون عليه من مساواة أو تفاضل (^١).
قال صاحب فتح القدير: ولو شرطا العمل نصفين، يعني التساوي في العمل، والربح أثلاثًا جاز، بشرط كون المشروط له الزيادة مشروطًا عليه أن يعمل، وذلك لأن المأخوذ من هذه الشركة ليس ربحًا حقيقة، لأن حقيقة الربح إنما تكون عند اتحاد جنس الربح وما به الاسترباح، وهو هنا مختلف، لأن رأس المال عمل والربح مال، وإنما يقال له ربح مجازًا، فهو بدل عمله، والعمل يتقدر بالتقدير أي بحسب التراضي، ولأن الربح لضمان العمل لا بحقيقة العمل، ولذا لو مرض أحدهما أو غاب فلم يعمل وعمل الآخر كان الربح بينهما بلا خلاف يعلم (^٢).
وذهب المالكية إلى أنه لا يجوز التفاضل في الربح في شركة الأبدان، وقالوا: الربح فيها بقدر العمل، ويغتفر التفاوت اليسير، جاء في حاشية الدسوقي: "الشرط أن يأخذ كل واحد من الغلة بقدر عمله، أو قريبًا من عمله، وأما التساوي في العمل حقيقة فلا يشترط (^٣).
الترجيح:
والذي يقوى عندي هو مذهب الحنفية والحنابلة، لأن هذا الكسب هو بدل عمل كل من الشركاء، والعمل يتفاوت، فجاز تفاوت الكسب، ولذا رجحت فيما سبق في شروط الشركة بيان مقدار نصيب كل شريك من الأرباح، فجاز ما اتفقوا عليه، من مساواة أو تفاضل في مقدار الربح.
_________________
(١) المغني ٥/ ٢٦، كشاف القناع ٣/ ٥٢٨، فتح القدير ٥/ ٢٨.
(٢) فتح القدير ٥/ ٢٨ - ٢٩ بتصرف.
(٣) حاشية الدسوقي ٣/ ٣٢٤.
[ ٩٦ ]