مشروعيتها
الشركة جائزة شرعًا، فقد وردت السنة النبوية بالتأييد والترغيب للشركاء في الشركة، لما في ذلك من تعاون، وتحقيق مصالح اجتماعية.
قال الشيخ علي الخفيف: «إنها مشروعة، وإنها فوق ذلك مطلوبة على وجه الندب عند الحاجة إليها، إذ جُعلت سببًا، ووسيلة لما يمنحه الله ﷾ للشركين من معونة وتوفيق، لأن الله ﷾ معهما، وما ظنك باثنين الله ثالثهما» (^١).
وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة، واستفاضت السنة النبوية المطهرة بما يفيد جواز هذا النوع من المعاملات المالية، وقد كانت الشركة معروفة لدى العرب قبل البعثة النبوية، كما كانت معروفة عند كثير من الأمم، فلما جاء الإسلام أقر هذا النوع من المعاملات، مع إلغاء كل ما يخالف الشريعة الإسلامية فيها، ثم تعامل المسلمون بها في مختلف عصورهم، وأجمع عليها العلماء، فهي ثابتة بالقرآن، والسنة، والاجماع.
أما القرآن: فمنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ص: ٢٤، والخلطاء هم الشركاء، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الزمر: ٢٩. فقد دلت الآية على وجود الشركة في العبد، وهو دليل على جوازها، لأن الله تعالى ضرب هذا المثل، وذكر فيه اشتراك الشركاء في العبد دون أن ينكر عليهم هذه الشركة فيه، وإن وصفهم سبحانه بالمشاكسة.
_________________
(١) الشركات، لعلي الخفيف، ص ٢١.
[ ٢٥ ]
الأدلة من السنة:
تواترت السنة الشريفة قولًا، وتقريرًا من الرسول ﷺ بما يفيد جواز هذا النوع من المعاملات المالية، وفيما يلي بعض الأحاديث الدالة على ذلك:
(١) ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال قال: ﷺ إن الله تعالى يقول: «أنا ثَالِثُ الشَرِيَكيْنِ ما لَمْ يَخُنْ أحدُهُما صاحِبَهُ؛ فإذا خانَ خَرَجْتُ من بَينِهِما» (^١)، وفي بعض النسخ من بينهم.
(٢) ما رواه أبو داود، وابن ماجة، والإمام أحمد والحاكم «من حديث السائب ابن أبي السائب قال للنبي ﷺ: كنتَ شَرِيكِي في الجاهلِيَّةِ، فكنتَ خيرَ شريكٍ؛ لا تُدَارِيِني وَلَا تُمَارِيِنِي» (^٢).
وعند أبي داود «لا تداري، ولا تماري» قال الحاكم هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
_________________
(١) سنن أبي داود ٣/ ٣٤٨، سبل السلام ٣/ ٨٦ م المنيرية.، نيل الأوطار ٥/ ٢٦٤، المستدرك ٢/ ٦٠. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي دار الكتب العلمية، بيروت.، وانظر السنن الكبرى للبيهقي، تحقيق الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي ١١/ ٥٧١، وكذلك إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ٥/ ٢٨٨، ميزان الاعتدال ٢/ ١٣٢ للذهبي، وشركة الله إياهما هذه من المعية الخاصة؛ وهي بالبركة، والفضل، والربح، ومثله قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) النحل: ١٢٨، وقوله تعالى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) طه: ٤٦، وقوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) الأنفال: ١٢، وقوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التوبة: ٤٠، وقوله تعالى: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) الشعراء: ٦٢، أما المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة، وعلمه، ونفوذ قدرته. انظر تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٩٣، لابن كثير، الناشر المكتبة التجارية الكبرى، مصر، أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٤٦٣، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، وخروجه من بينهما أي زوال البركة بإخراج الحفظ عنهما. وحديث أبي هريرة هذا أعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان وبالإرسال؛ فلم يذكر فيه أبا هريرة، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان، وسكت أبو داود والمنذري عن هذا لحديث. فإعلال الحديث في أمرين: الأول: الجهل بحال سعيد بن حيان، ومجهول الحال هو الذي لم يوثق، كما في تقريب التهذيب ١/ ٥ فإذا وثق ارتفعت جهالته، وفي تهذيب التهذيب ٤/ ١٩، سعيد بن حيان التيمي قال العجلي: كوفي ثقة، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي فزعم أنه مجهول، أهـ. وبهذا التوثيق من العجلي يحكم بعدم جهالة حاله؛ فيرتفع القدح عنه، بل إنه ثقة. الثاني: الإرسال فيقال فيه: إنه قد روي من وجه آخر موصولًا، والوصل زيادة، وزيادة العدول مقبولة، كما تقرر ذلك في الأصول، وعلوم الحديث اهـ. على أن مرسل الثقة حجة عند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. قال محمد أمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان ٤/ ٥٢: ومن المعروف عن أبي داود أنه لا يسكت عن الكلام في حديث، إلاّ وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج.
(٢) سنن ابن ماجة ٢/ ٧٦٨، المستدرك ٢/ ٦١، مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٢٥، لا تداري: لا تخالف، ولا تمانع، ولا تماري: يريد المراء والخصومة.
[ ٢٦ ]
(٣) ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم عن أبي المنهال قال: (اشتريت أنا، وشريك لي شيئًا يدًا بيد، ونسيئة؛ فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: (فعلت أنا، وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه» (^١).
وفيه إقراره ﷺ للبراء بن عازب وزيد بن أرقم المذكورين على الاشتراك، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث في صحيحه بقوله: (باب الاشتراك في الذهب والفضة).
(٤) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا له مِنْ عَبْدٍ، أوْ شِرْكًا، أوْ قالَ: نَصِيبًا، وكانَ له ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بقِيمَةِ العَدْلِ فَهو عَتِيقٌ، وإلَّا فقَدْ عَتَقَ منه ما عَتَقَ» (^٢).
وقد ثبت نحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وفيه التصريح منه ﷺ بالاشتراك في الرقيق.
وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه، لحديث ابن عمر، وأبي هريرة المذكورين بقوله: (باب الشركة في الرقيق).
قال صاحب فتح القدير: (ولا شك أن مشروعيتها أظهر ثبوتًا؛ إذ التواتر، والتعامل بها من لدن رسول الله ﷺ، وهلم جرا متصل، لا يحتاج فيه، لإثبات حديث بعينه (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٥/ ٩٥ - ٩٦، صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ٤٥.
(٢) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٥/ ٩٤، مسند الإمام أحمد ١/ ٥٦.
(٣) فتح القدير، لابن الهمام ٥/ ٣.
[ ٢٧ ]
الإجماع:
أما الإجماع: فقد حكاه جمهرة من العلماء؛ إذ كان الناس يتعاملون بالشركة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير (^١). قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة) (^٢). ولم ينكروها - أي إجماع سكوتي - وأن أحدًا من العلماء، لم يخالف في جوازها (^٣).
_________________
(١) المبسوط ١١/ ١٥٥.
(٢) المغني ٥/ ٣.
(٣) المجموع ١٣/ ٥٠٦، كشاف القناع ٣/ ٤٩٥، جواهر العقود ١/ ١٨٦.
[ ٢٨ ]