الصيغة
صيغة عقد الشركة تتحقق في الأصل باللفظ، وهي الصيغة القولية، وكما تتحقق باللفظ تتحقق أيضًا بالفعل، والكتابة، والرسالة، والإشارة، واللفظ يكون بالماضي، أو المضارع، أو الأمر.
والمراد بالصيغة القولية (الإيجاب والقبول)، وهو: ربط بين عبارتين تصدر إحداهما عن طرف، وتصدر ثانيتهما عن طرف آخر، ويترتب على هذا الربط أثره الشرعي.
وما صدر ابتداءً من الطرف الأول دالًا على معنى الشركة يعتبر إيجابًا، كأن يقول رجل لآخر شاركتك في تجارة هذه الحبوب، أو في الاتجار في الحبوب، برأس مال قدره كذا، أدفع منه كذا، وتدفع أنت منه كذا، والربح بيننا بنسبة كذا، أو يقول شاركتك على أن نتقبل الأعمال، والربح بيننا مناصفة، وما صدر عن الآخر دالًا على الرضا فهو قبول.
ويتم عقد الشركة بكل لفظ يدل على المشاركة عرفًا عند جمهور الفقهاء (^١)، وعلى هذا لو لم يذكرا لفظ الشركة بأن قال أحدهما للآخر: ما اشتريت اليوم، أو من هذه الأشياء؛ فهو بيني وبينك؛ فإنه يكون شركة (^٢) وإن اختلفت اللغتان
_________________
(١) المغني ٣/ ٥٠٢، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢١، كشاف القناع ٣/ ١٤٦، بدائع الصنائع ٥/ ١٣٣، فتح القدير ٥/ ٤، رد المحتار على الدر المختار ٤/ ١٢، حاشية الرهوني ٦/ ٣٦، التاج والأكليل ٥/ ١٢٢، فتح العزيز ١٠/ ٤٠٥، حاشية الشرواني ٥/ ٥.
(٢) البحر الرائق ٥/ ١٨١، بدائع الصنائع ٦/ ٥٦، فتح القدير ٥/ ٤، المعاملات المالية والأدبية لعلى فكري ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه ٢٩/ ٧: "وتنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول، أو فعل، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ، والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم، وليس لذلك حد لا في الشرع، ولا في اللغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم.
[ ٤٩ ]
فيقبل قول المترجم الحاذق العالم بأسرار اللغتين (^١). وقد اشترط الشافعية والمالكية في اللفظ الدال على الاشتراك أن يكون دالًا على الإذن في التصرف (^٢)، ولكنهم اختلفوا في مدى وضوح هذه الدلالة، فذهب المالكية وبعض الشافعية إلى أنه يكفي أي لفظ يفهم منه ذلك ولو كناية تشعر بالمراد (^٣).
وذهب بعض الشافعية إلى اشتراط لفظ صريح يفيد ذلك (^٤)، فلو اقتصر على اشتركنا لم يكف في الأصح (^٥)، لأن نية الاشتراك وإن اعتبرها القانونيون ركنًا، فإن الفقهاء لم يعتبروها ركنًا، اكتفاءً بالصيغة، لأن الأصل في اللفظ أو نحوه أن يدل على قصد المتكلم، فإذا عبر بالشركة وقبل الآخر دل هذا على أنهما يقصدان الشركة.
أما إذا قام دليل على خلافه كأن يأتي بلفظ الشركة هازلًا أو مكرهًا أو حاكيًا فإنها لا تعبر شركة، ومثل أن يشترط الربح للعامل، فإنه يكون قرضًا لا شركة، وفي هذا المثال لو نوى الشركة فإن هذه النية لا تنفعه، لأنه لم يعبر بالشركة، ولا بما يدل على معناها، نعم إذا عبر في عقد الشركة بلفظ يتبادر منه غيرها، وأراد الشركة فلابد من قرينة تدل على ذلك.
وينعقد عقد الشركة كما قلنا بلفظ الماضي والمضارع والأمر، فصيغة الماضي كأن يقول أحد الشركاء لغيره شاركتك، أو شاركتكم في كذا أو نحو ذلك ثم يجيب من وجه إليه الإيجاب من بقية الشركاء بالقبول، فينعقد بها عقد الشركة بلا خلاف.
_________________
(١) شرح المجلة العدلية لسليم رستم باز ١/ ٤٢.
(٢) التاج والإكليل بحاشية مواهب الجليل ٥/ ١٢٢، فتح العزيز ١٠/ ٤٠٥.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) فتح العزيز ١٠/ ٤٠٦، حاشية الشرواني ٥/ ٥.
(٥) مغني المحتاج ٢/ ٣١٢ - ١٣٣.
[ ٥٠ ]
لأن هذه الصيغة وإن كانت للإخبار عن الماضي وضعًا لكنها نقلت إنشاء للحال في عرف أهل اللغة.
والمضارع كأن يقول أشاركك أو نتشارك في كذا فيقبل من وجه إليه الإيجاب، وقد نويا عقد الشركة بينهما، وإنما اعتبرنا النية ههنا لأن صيغة أفعل تستعمل للحال والاستقبال فيحتمل الكلام العقد والوعد (^١)، فلابد من نية الحال لتعيينه، ويمكن تعيينه بالقرينة، كقوله أشاركك الآن، بل هو أولى لظهوره.
إذا تقدم المضارع لا يجوز عند الحنابلة بصيغة استفهام أو بدون استفهام، نصوا على هذا، ومفهومه أنه يجوز إذا لم يتقدم.
وصيغة الأمر كأن يقول أحدهما شاركني، أو يقولون شاركنا، فيقبل من وجه إليه الإيجاب. قال مالك والشافعي: ينعقد بها العقد (^٢).
وقال الحنابلة والحنفية لا ينعقد بها العقد (^٣).
إلاّ أن الحنفية استثنوا ما إذا كانت بطريق الاقتضاء (^٤)، فإذا دلت بطريق الاقتضاء على إيجاب الشركة، كقوله اتجر معي في هذا المال على أن الربح بيننا مناصفة فقال رضيت فإن هذه العبارة تدل على إيجاب مطوي (^٥).
يقول الحنابلة صيغة الأمر لا ينعقد بها عقد البيع، إلاّ أن يتقدم القبول على الإيجاب، مثل أن يقول المشتري بعني فيقول البائع بعتك ففيه روايتان أرجحها الصحة، ولكن الشركة ليس فيها تقدم للقبول على الإيجاب، فالأول منهما موجب
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٩ مصور دار احياء التراث العربي لطبعة بولاق.
(٢) المهذب ١/ ٢٥٧، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣.
(٣) كشاف القناع ٣/ ١٧٤، الإنصاف ٤/ ٢٦٣، المغني ٣/ ٥٠٢.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٤/ ١٠ مصور دار احياء التراث.
(٥) هو شاركتك بطريق الاقتضاء، أي شاركتك فاتجر معي … الخ.
[ ٥١ ]
والثاني منهما قابل على كل الأحوال. أما ما تمحض للاستقبال كالمضارع المقرون بالسين، أو سوف، أو الاستفهام فلا ينعقد به عقد الشركة، كأن يقول سأشاركك، أو سوف أشاركك، أو أتشاركني؟ ونحو ذلك لأنه وعد لا عقد، وعلى الجملة فالمعتبر في ذلك كله عرف العاقدين.
الصيغة الفعلية:
يمكن أن تكون الصيغة في عقد الشركة بالفعل، وهذا في القبول لا في الإيجاب، بأن يوجب الطرف الأول بالقول فيقبل الطرف الثاني بالفعل، كأن يأخذ حصة شريكه من رأس المال ويضع عليها حصته من الشركة ويباشر نشاطه، أو يدفع قسطه من رأس المال إلى شريكه دون أن يعلن قبوله لفظًا (^١).
والقبول بالفعل ذكره الحنابلة في باب المضاربة (^٢).
التعاقد يكون بالكتابة والرسالة والإشارة:
كما يكون التعبير عن الإرادة باللفظ والفعل يكون أيضًا بالكتابة والرسالة والإشارة.
وصورة الرسالة هي أن يرسل العاقد للعاقد الآخر رسولًا يبلغه الإيجاب شفاهًا. «والمنقول عن الإمام أحمد أنه إذا كان المتعاقدان غائبين أو أحدهما غائبًا والآخر حاضرًا (فنقل) الإيجاب أحدهما بواسطة رسول أو كتاب إلى الآخر (فقبل) في مجلس البلاغ (جاز)، بخلاف ما إذا كانا حاضرين (^٣)،» فإذا قبل في مجلس وصول الكتاب، أو الرسالة إليه تم العقد بينهما، لوجود المجلس حكمًا؛ إذ
_________________
(١) جاء في فتح القدير ٥/ ٤، والفقه على المذاهب الأربعة ١/ ٨١، والمعاملات المالية والأدبية ١/ ٢٢٦ ما يدل على انعقاد الشركة بالفعل.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢١ طبعة مصر.
(٣) فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٤١١، كشاف القناع ٣/ ١٤٨.
[ ٥٢ ]
تعتبر قراءة الرسالة، أو استماعه كلام الرسول بمنزلة الإيجاب من الكاتب، أو المرسل، فإن قبل في ذلك المجلس (أو كتب بالقول) فقد صدر الإيجاب والقبول في مجلس واحد (^١)، ونقل ابن عابدين في حاشيته عن خواهر زاده نحو هذا الكلام (^٢)، وفي التعاقد بالكتابة عند الشافعية وجهان، وصحح الشيرازي في المهذب القول بعدم الانعقاد بالكتابة؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى العدول عن التعاقد بالقول ولو بالوكالة (^٣)، ومفاده أنه إذا دعت الضرورة صح العقد بالكتابة.
التعاقد بالإشارة:
تنعقد الشركة بإشارة الأخرس، إذا كانت مفهمة، وكذلك بكتابته الواضحة، لا فرق بين أن يكون خرسه أصليًا أو طارئًا، لأن كلًا من الإشارة المفهمة والكتابة تقوم مقام الكلام عند الضرورة، وهذا هو المعتمد من المذاهب الأربعة (^٤)،
قال الحنابلة فإن عجز عن الإشارة والكتابة قام وليه مقامه (^٥)، كأنهم يقيسونه على السفيه، لأن الخرس مع العجز عن الإفهام شبيه بنقص الأهلية.
_________________
(١) شرح المجلة العدلية لسليم رستم باز ١/ ٧٤ م ١٨، بدائع الصنائع ٥/ ١٣٨، فتح القدير ٥/ ٧٩.
(٢) رد المحتار ٤/ ١٣ وما بعدها.
(٣) المهذب ١/ ٢٥٧.
(٤) كشاف القناع ٣/ ٢٠١، المغني ٣/ ٥٠٧، فتح الوهاب ٢/ ٧٤، شرح المجلة العدلية لسليم رستم باز ١/ ٤١ م ٧٠، الخرشي على خليل ٥/ ٥.
(٥) كشاف القناع ٣/ ٢٠١.
[ ٥٣ ]