الحكم فيما إذا لم ينص على مقدار
ربح كل شريك
سبق أن بينا حكم الشركة وهو الاشتراك في الربح والخسارة، ثم ذكرنا حكم التفاضل في الربح، فنذكر هنا الحكم عند عدم ذكر نصيب كل شريك من الأرباح.
والكلام هنا في ثلاثة مواضع:
الأول: شركة العنان والوجوه والمفاوضة:
يجب بيان نصيب كل شريك من الربح عند عقد الشركة، كالربع، أو النصف، أما إذا بقي مبهما فإن حكم الشركة يكون فاسدًا عند الحنفية والحنابلة، ويترتب عليه فسخها، لأن إبهامه يفضي إلى جهالة الربح، وحينئذ فإن الربح يقسم على مقدار رأس المال عندهم (^١)، ولأن الربح في شركة الوجوه يستحق بالضمان، والضمان على قدر الملك في المشترى.
وإذا فسدت الشركة يرجع كل شريك بأجر عمله في مال شريكه، فإن تساوى عملهما تقاصا الأجرة، وإن كان قيمة عمل أحدهما أكثر من قيمة عمل الآخر، كأن تكون قيمة عمل أحدهما تساوي ألفين، وقيمة الآخر تساوي ألفا تقاصا بألف، ورجع صاحب الألفين على صاحب الألف بالزايد وهذا مذهب الحنابلة (^٢)، ومنع الحنفية رجوع كل منهم بأجرة عمله في مال شريكه (^٣).
_________________
(١) المغني ٥/ ١٧، ٢٦، ٣١، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢١، كشاف القناع ٣/ ٤٩٨، الإنصاف ٥/ ٤١٢، مجلة الأحكام العدلية م ١٣٣٦، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٧٠، ٤٤٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢٦.
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٧٧.
[ ٩٧ ]
ومذهب المالكية وكذا الشافعية في أصح الوجهين: أنه إذا لم يبين مقدار ربح كل شريك فإن حكم الشركة فاسد عند الشافعية، أما المالكية فلا تفسد بذلك، وعليه فلا تنفسخ الشركة، وتكون قسمة الأرباح عند المذهبين بين الشركاء كل بمقدار رأس ماله (^١).
الثاني: شركة الأبدان:
إذا لم ينص على مقدار ربح كل شريك في شركة الأبدان فإنها تكون شركة فاسدة، وذلك لفقد أحد شروط الشركة وهو بيان الربح، وعليه فإنها تفسخ عند الحنفية والحنابلة.
أما كيفية تقسيم الربح الناتج في هذه الحالة فيرجع لأحد أمرين: (^٢)
١ - إذا ذكرت نسبة العمل التي يعملها أو يتقبلها كل شريك في عقد الشركة فيقسم الربح الناتج على مقدار تلك النسبة، كأن يعمل أحدهما أو يتقبل ثلث الأعمال، ويعمل الآخر أو يتقبل الثلثين، فإن لصاحب ثلث الأعمال ثلث الربح، ولصاحب الثلثين الثلثين من الأرباح.
٢ - أما إذا لم يبين في عقد الشركة مقدار ما يتحمله كل شريك من الأعمال ففي هذه الحالة يقوّم عمل كل شريك، بناءً على مقدار عمله، ونوعه وكفاءة العامل، وخبرته، ومؤهلاته، ونحو ذلك، لأن العمل يقل ويكثر، ويتفاضل، وعلى أساس هذا التقويم يمكن معرفة حصة كلٍ من ربح أو خسارة، لأن الظاهر أن لكل واحد منهما ربح عمله. وخالف صاحب الإنصاف والبهوتي: فقال صاحب الإنصاف: إذا أطلقا فالأجرة بينهما نصفان، وقال الشيخ منصور البهوتي: إذا فسدت شركة الأبدان قسمت أجرة ما تقبلاه بالسوية (^٣).
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣١٨، مغني المحتاج ٢/ ٢١٥.
(٢) فتح القدير ٥/ ٢٩، المغني ٥/ ٣١.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٥٠٥، الإنصاف ٥/ ٤٦١.
[ ٩٨ ]
أما المالكية فالذي يتمشى مع مذهبهم في شركات الأموال أنها لا تفسد عند عدم بيان مقدار ربح كل شريك، وحكم قسمة ربح شركة الأبدان عندهم أن يأخذ كل واحد من الغلة بقدر عمله أو قريبًا منه، ولا يجوز أن يشرط خلاف هذا (^١).
الثالث: شركة المضاربة:
أما شركة المضاربة فإنه يشترط بيان نصيب المضارب من الربح، لأنه يستحقه بالشرط فلم يقدر إلاّ به، وإذا لم يبين نصيب المضارب فإنها تكون شركة فاسدة لجهالة نصيب العامل، وهذا قول جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢) فلو قال خذ هذا المال مضاربة ولم يسم للعامل شيئًا من الربح، فالربح كله لرب المال، وللعامل أجر مثله، سواء ربح أو خسر (^٣).
جاء في بدائع الصنائع: ومن شروط المضاربة «إعلام مقدار الربح، لأن المعقود عليه هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد (^٤). وحكم المضاربة الفاسدة أن يكون» له أجر مثل عمله سواء كان في المضاربة ربح أم لم يكن (^٥).
والرواية الثانية في مذهب الحنفية والحنابلة أن للعامل الأقل من أجرة المثل، أو ما شرط له من الربح، فإذا شرط له ثلث الربح ثم فسدت المضاربة فلا يتجاوز مثل أجر المضارب ثلث الربح (^٦).
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٤، حاشية الدسوقي ٣/ ٣٢٤ نشر دار الفكر.
(٢) كشاف القناع ٣/ ٥٠٨، الإنصاف ٥/ ٤٢٩، مغني المحتاج ٢/ ٣١٥.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٠١ م الإمام.
(٥) بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٥٤ م الإمام.
(٦) المغني ٥/ ٦٠، الإنصاف ٥/ ٤٢٩، بدائع الفوائد ٤/ ١٢٤، المسودة، ص ٤٥٢، رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٤٨٤ نشر دار التراث بيروت.
[ ٩٩ ]
وذهب أبو يوسف إلى أنه إذا لم يكن ربح في المضاربة الفاسدة فلا يستحق أجر المثل، كما أنه لا يستحق شيئًا في المضاربة الصحيحة (^١).
وقال المالكية: إذا لم يبين مقدار نصيب المضارب فله ربح مثل المال فيه، لا في ذمة ربه، حتى إذا لم يحصل ربح لم يكن له شيء (^٢).
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٤٨٤، نشر دار التراث، بيروت.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٦٥، حاشية الدسوقي ٣/ ٤٦٥ توزيع دار الفكر.
[ ١٠٠ ]