هل يصح أن يشتري المضارب أو رب المال لنفسه شيئًا من تجارة المضاربة؟ فرق الفقهاء في هذه المسألة بين ما إذا كان المشتري المضارب، أو رب المال.
فإذا كان المشتري هو المضارب فقد فرق الفقهاء بين ما إذا كان ظهر في المال ربح أم لا.
أولًا: إذا لم يظهر ربح، وكان المشتري من مال المضاربة هو المضارب صح على الصحيح من مذهب الحنابلة، نص عليه الإمام أحمد (^١)، وهو مذهب المالكية، والحنفية، خلافًا لزفر (^٢)، وبه قال الثوري والأوزاعي، وإسحاق.
وقال أبو ثور البيع باطل، لأنه شريك (^٣).
وقد استدل المجوزون: بأنه ملك لغيره، فصح شراؤه كشراء الوكيل من موكله، وإنما يكون شريكًا إذا ظهر ربح، لأنه إنما شارك في الربح دون أصل المال.
_________________
(١) الشرح الكبير لأبي الفرج بن قدامة ٥/ ١٦٢، الإنصاف ٥/ ٤٣٩.
(٢) بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٣٦ م الإمام، رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٦٧٧، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٠.
(٣) الشرح الكبير لأبي الفرج بن قدامة ٥/ ١٦٢.
[ ١٦٤ ]
ثانيًا: إذا ظهر ربح:
أ- كذلك يجوز للمضارب أن يشتري من مال المضاربة، وإن ظهر في المال ربح، وهو مذهب المالكية، والحنفية، وأحد قولين في مذهب الحنابلة (^١).
ب- ليس له أن يشتري من مال المضاربة إذا ظهر في المال ربح، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، لأنه حينئذ يشتري ماله بماله (^٢).
أما رب المال:
فله أن يشتري من مال المضاربة شيئًا لنفسه، وهو مذهب الحنفية والمالكية والأوزاعي، وإحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (^٣)، واشترط المالكية أن يكون القصد صحيحًا، وذلك بأن لا يتوصل به إلى أخذ شيء من الربح قبل المفاصلة، وبأن يشتري منه كما يشتري من الناس بغير محاباة (^٤).
ومذهب الشافعية والحنابلة: أنه ليس له ذلك (^٥).
وقد استدل أصحاب المذهب الأول: بأنه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤه كما لو اشترى من مكاتبه (^٦).
واستدل أصحاب المذهب الثاني: بأنه يؤدي إلى شراء ماله بماله كما لو اشترى ماله من وكيله (^٧).
_________________
(١) بدائع الصنائع ٨/ ٣٦٣٦ م الإمام، رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٦٧٧، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٠، الإنصاف ٥/ ٤٣٩.
(٢) الإنصاف ٥/ ٤٣٩.
(٣) الشرح الكبير لأبي الفرج بن قدامة ٥/ ١٦١، رد المحتار ٤/ ٦٧٧، الإنصاف ٥/ ٤٣٩.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٠.
(٥) مغني المحتاج ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، روضة الطالبين ٥/ ١٢٨، الإنصاف ٥/ ٤٣٩.
(٦) الشرح الكبير لابن قدامة ٥/ ١٦١.
(٧) مغني المحتاج ٢/ ٣١٥، الشرح الكبير لابن قدامة ٥/ ١٦١.
[ ١٦٥ ]
وقد أجاب المانعون، على دليل المجيزين «بأنه ملكه فلم يصح شراؤه له كشرائه من وكيله، بخلاف السيد مع مكاتبه، فإن السيد لا يملك ما في يده، ولا تجب زكاته عليه، وله أخذ ما في يده شفعة منه» (^١).
الترجيح:
والظاهر المنع من الشراء قياسًا، لكن يترجح عندي الجواز استحسانًا للحاجة، بشرط التأكد من عدم الخيانة والمحاباة، سواء كان المشترى المضارب أم رب المال، وسواء ظهر ربح أم لا؛ إذ كثيرًا ما يحتاج رب المال أو المضارب، إلى شراء شيء من سلع المضاربة وأقل المنافع التي يجنيانها هي قضاء حاجتهما بالشراء ما دام ذلك بثمنها من غير وضيعة ولا محاباه، ويصعب على النفس أن يكون للمرء متجر سواء أكان هو فيه - رب المال - أم المضارب فيتركه ويشتري من متجر آخر، لا سيما إذا أخذت المضاربة صفة الشخص الحكمي فإن هذا الاستحسان يكون أقوى.
ولا خوف من المحاباة، لأن الذي يبيع لرب المال هو العامل، أما إذا اشترى العامل لنفسه فيجب أن يكون هذا بعلم رب المال وموافقته.